الحكمة: قبولنا بالمالية شجاعة
العراق أهدر 500 مليون دولار تسلمها من الصين لإنشاء أنبوب ينقل نفط البصرة إلى تركيا
أكد النائب عن تيار الحكمة، أحمد الساعدي، أن تصدي إدارة تياره لوزارة المالية في ظل توقف تصدير النفط الذي يمول 94% من الموازنة يمثل شجاعة وتحملاً للمسؤولية بعدما رفضت الحقيبة أطراف سياسية عدة. وكشف الساعدي عن تسلم العراق 500 مليون دولار من الصين ضمن الاتفاقية الإطارية لمد أنبوب (البصرة – حديثة – شرقاط – خابور – جيهان التركي) كبديل عن مضيق هرمز بطاقة 4 ملايين برميل يومياً، لكن لم ينجز منه متراً واحداً.
وفجر النائب مفاجأة بتعطل أنبوب (شرقاط – كركوك- جيهان) الاتحادي بسبب إهمال متعمد للمشاكل فيه منذ حقبة داعش، ما حرم البلاد من التصدير فور إغلاق هرمز وجعلها تعيش على الديون.
وفي ملف آخر استعرض الساعدي وثائق “لملفات فساد في وزارة الصحة”، حيث أظهر وثائق لجهاز طبي كان سعره لمستشفى الجوادين 180 مليون، بينما كان سعر نفس الجهاز في مستشفى الشعلة بـ41 مليوناً فقط.
وذكر الساعدي في حوار مع الإعلامي محمد الخزاعي، وتابعته شبكة 964 أن “مجرد تصدينا لوزارة المالية في هذا الظرف الحساس، وفي ظل هذه الأزمة والأوضاع الدولية الحالية التي أدت إلى توقف تصدير النفط -والذي يشكل 94% من الموازنة العامة للبلاد- هو شجاعة كبيرة وتحمل للمسؤولية الوطنية من قبل تيار الحكمة”.
وأضاف الساعدي أن “حقيبة وزارة المالية عرضت في وقت سابق على أكثر من طرف سياسي، ولم يقبل بها أحد أو يتحمس للتصدي لها بسبب الأزمة الخانقة الحالية”.
وتابع النائب في كشفه الأول عن ملف الطاقة والبدائل المعطلة: “المبادرة الصينية أعطت العراق 500 مليون دولار، وهذه الكارثة تُذكر للمرة الأولى في التلفزيون، حيث تسلمنا هذه الأموال بموجب الاتفاقية الإطارية بهدف مد أنبوب (البصرة – حديثة – شرقاط – خابور – جيهان التركي)”.
وأوضح أن “الهدف كان التصدير عبر هذا الأنبوب بطاقة 4 ملايين برميل يومياً ليعوضنا كمنفذ ثانٍ عن مضيق هرمز، لكننا إلى الآن متباطئون ولم ننجز منه حتى مترين، وعندما سألت الوزير السابق حيان عبد الغني تذرع بجلب مواد ومتعاقدين، والمحصلة صفر إنجاز على أرض الواقع”.
وأشار الساعدي إلى أن “الطامة الكبرى تكمن في أنبوب شرقاط كركوك جيهان المرتبط بالحكومة الاتحادية وليس الأنبوب الخاص بإقليم كوردستان، والذي كان قد تعرض للتخريب وقت سيطرة تنظيم داعش على تلك المناطق، حيث كان من المفترض أن يصدر النفط من خلاله في اليوم الأول لإغلاق مضيق هرمز، لنتفاجأ بوجود مشكلات فيه منعت التصدير، والمسؤولون لم يصدموا بالخلل بل كانوا يعلمون بالمشاكل وأهملوا الأنبوب عمداً”، مبيناً “الآن شركة نفط الشمال تتحدث بشيء وشركة الخطوط والأنابيب تتحدث بشيء آخر، ولا نعلم إن كان صالحاً للعمل أم لا بعد أسبوع، والعراق يعيش اليوم على الديون”.
واختتم الساعدي الحوار مستعرضاً وثائق رسمية تخص وزارة الصحة، وبين أن “سعر جهاز طبي محدد في مستشفى الشعلة تم شراؤه بـ41 مليون دينار، في حين بيع الجهاز نفسه لمستشفى الجوادين بسعر 180 مليون دينار، وهو ما يشكل فرقاً يصل إلى أربعة أضعاف”، معلقاً بأسلوب فكاهي أن فرق السعر يعود إلى أن الجهاز صاحب السعر الأعلى “خالاته كثيرات”.
هذا وقد تعهد وزير المالية عن تيار الحكمة فالح الساري، الخميس (14 أيار 2026)، بالعمل على إيجاد معالجات مالية واقتصادية “واقعية” لتجاوز الأزمة الراهنة، مؤكداً أن أولويات الوزارة ستتركز على حماية قوت المواطن وتحقيق الاستقرار المالي.
وأعرب الساري، في أول تصريح له عقب نيله ثقة البرلمان، عن شكره لأعضاء مجلس النواب ورئيس الوزراء على دعمه وترشيحه لهذه المهمة الوطنية، مؤكداً على الحرص الكامل على عدم المساس “بقوت المواطن”.
ومنح مجلس النواب، الخميس (14 أيار 2026)، الثقة لحكومة علي الزيدي، بعد التصويت على برنامجه الوزاري، و14 وزيراً، فيما رفض منح الثقة لمرشحي 5 وزارات، وأجل التصويت على وزارات “الدفاع والعمل والهجرة والشباب والرياضة”، إضافة لنواب رئيس الوزراء.
وكان وزير النفط حيان عبد الغني السابق، قد أكد في (17 آذار 2026) إصلاح نحو 4 آلاف ثقب في الأنبوب الواصل بين العراق وتركيا، وطرح مواعيد تبدو متفائلة بشأن إعادته للعمل إلى جانب خط التصدير المار عبر إقليم كردستان، وأعرب عن أسفه بشأن اللغط حول أنبوب نفط الأردن وميناء العقبة، لكنه تحدث عن جدية مد مسار تصدير آخر عبر الشواطئ السورية نحو البحر المتوسط، إلى درجة أن الأنابيب بدأت تصنع في البصرة حالياً.
الهروب من البحر إلى البر
توجه الحكومة العراقية إلى الاهتمام أكثر بتنفيذ أنبوب نقل النفط الخام (البصرة حديثة- متعدد الاتجاهات)، هو الحل المتوفر حتى الآن للخروج من زجاجة هرمز، حيث تفكر بغداد جدياً بتنويع مصادر التصدير، والانتقال من البحر إلى البر.
في جلسة مجلس الوزراء، يوم الثلاثاء (5 أيار 2026)، أقر المجلس، تعديلاً على قراره السابق الخاص بتنفيذ الأنبوب، حيث سمح للشركة العامة للحديد والصلب التابعة لوزارة الصناعة والمعادن باعتماد مسار التصنيع الخارجي لتجهيز الأنابيب كاملة، بدلاً من حصرها بالإنتاج المحلي.
و أكد القرار على منح الشركة العامة للحديد والصلب “مرونة كاملة في تحديد الآلية الأنسب للتنفيذ، بما يضمن الكفاءة الاقتصادية القصوى، بما يحقق الكفاءة الاقتصادية وسرعة نصب الأنبوب”.
وأدركت الحكومة بأن إرسال قوافل الصهاريج نحو بانياس السورية لن يكون كافياً أبداً للتعامل مع أزمة مالية كبيرة فرضتها حروب هرمز، فالخطة التي بدأت قبل أسابيع كانت تستهدف تصدير كمية متواضعة من النفط العراقي عبر سوريا تبلغ 100 ألف برميل في أعلى التقديرات، وبدت كخيار مؤقت قبل أن يتضح بأن المشكلة قد لا تكون مؤقتة، ورغم جرأة الخطوة التي اتخذتها الحكومة العراقية في النظر غرباً خارج هرمز، لكن قرار رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني في (26 نيسان 2026) رفع الجرعة.
التحفّظ السياسي إلى ضغط الواقع الاقتصادي
حتى وقت قريب، كان طرح مشاريع الأنابيب البديلة يواجه تحفّظات سياسية داخلية من قوى سياسية وفصائل بارزة، وبالأخص ضد أنبوب العقبة.
وفي آب 2024، كانت وزارة النفط العراقية قد اضطرت لإصدار بيانات توضيحية تنفي نيتها المضي بمشروعأنبوب باتجاه العقبة، في ظل جدل سياسي داخلي حول جدوى وأبعاد هذا التوجه.
غير أن التطورات الأخيرة دفعت باتجاه إعادة النظر في خطط التصدير، وخلال اجتماع حكومي الأحد (26 نيسان 2026)، وجّه رئيس الوزراء محمد شياع السوداني بتشكيل هيئة خاصة لمتابعة مشروع أنبوب (بصرة – حديثة)، واصفاً الخطوة بأنها إجراء استباقي يهدف إلى حماية الإيرادات العامة في حال استمرار تعطل التصدير عبر الموانئ الجنوبية.
مشروع قديم يعود إلى الواجهة
تعود فكرة مد أنبوب تصدير باتجاه العقبة إلى ثمانينيات القرن الماضي، عندما سعى العراق إلى إيجاد منافذ بديلة خلال الحرب العراقية–الإيرانية. خاصة حين قررت دمشق مساندة طهران ومنع تصدير النفط العراقي عبر أراضيها الأمر الذي دفع بغداد عام 1983، إلى الاتفاق مع الأردن لإنشاء الأنبوب، وفقاً لتقرير وزارة النفط، إلا أن المشروع لم يُستكمل بسبب تحديات تمويلية وسياسية.
عاد المشروع للواجهة بعد عام 2012، واستمر تداوله عبر عدة حكومات، من نوري المالكي إلى عادل عبد المهدي، وصولاً إلى مرحلة متقدمة نسبياً في عهد مصطفى الكاظمي، ومع التطورات الأخيرة في مضيق هرمز، عاد المشروع ليُطرح مجدداً كخيار استراتيجي من قبل حكومة محمد شياع السوداني، بعد أن ظل لسنوات ضمن المشاريع المؤجلة.