الإيرادات لا تغطي غير 17%

هروب العراق من البحر إلى البر: هرمز يضيق الخناق على الرواتب وتنزيلات نفطية بالبصرة

العراق يواجه أزمة تصدير نفط بسبب توترات هرمز، ما دفعه لتقديم خصومات كبيرة لتأمين الإيرادات وتغطية الرواتب، مع التوجه لبدائل برية لتخفيف الضغط.

لم تكن الخصومات الهائلة التي قدمها العراق على مبيعاته النفطية، والتي وصلت إلى 33 دولاراً للبرميل الواحد بحسب ما كشفته “رويترز” و”بلومبرغ”، مجرد خطوة تجارية، بل هي انعكاس لأزمة خانقة تواجهها البلاد، فمع تعقد المشهد في مضيق هرمز، تبحث بغداد عن أي قشة تتمسك بها لتأمين التزامها الأخطر، رواتب الموظفين.

الشارع العراقي قد يتحمل مختلف الضغوطات، وقد يصبر على سوء الخدمات وانقطاع الماء والكهرباء وضعف الإنترنت، لكنه “لن ينتظر شهراً واحداً بلا راتب”، وهي حقيقة تدركها الحكومة والطبقة السياسية جيداً، ما يدفعها لبحث حقيقي عن حلول لتصريف النفط.

وأمام افتقار العراق لأسطول بحري قادر على خوض مغامرة عبور المضيق، وعدم قدرة خطوط التصدير البديلة (سواء عبر الإقليم إلى جيهان أو باتجاه بانياس) على سد الاحتياج الفعلي، إذ لم تجد بغداد خياراً غير اللجوء إلى تقديم “تنزيلات كبرى وغير مسبوقة“، بالتوازي مع التعجيل بإنشاء خط أنابيب (بصرة حديثة- متعدد الاتجاهات)، لتأمين مسارات تصديرية نحو “العقبة وبانياس وجيهان”.

خصومات حصرية.. 33 دولاراً على البرميل

لإغراء المشترين الذين يواجهون مخاطر عبور مضيق هرمز في ظل التوترات الإقليمية المتصاعدة، كشفت وكالة رويترز وموقع بلومبرغ الاقتصادي، الثلاثاء (5 أيار 2026)، أن العراق عرض على مشتري الآجل خصومات تصل إلى 33.4 دولار على البرميل من خام البصرة المتوسط، و30 دولاراً على خام البصرة الثقيل خلال أيار الجاري، استناداً إلى إشعار صادر من شركة تسويق النفط العراقية “سومو”.

السوداني خول “سومو” بكافة الصلاحيات

“سومو” كانت قد أخذت الضوء الأخضر بصلاحيات استثنائية لتصريف النفط العراقي الذي ملأ الخزانات في المصافي، حين أقر مجلس الوزراء في جلسته المنعقدة بتاريخ 28 نيسان 2026، منح الشركة صلاحيات “استثنائية واسعة”، تتضمن تخويلها قبول “العرض الوحيد” لبيع النفط الخام، وذلك في إطار جهود الحكومة لمواجهة “أزمة الناقلات” وضمان انسيابية تدفق النفط العراقي إلى الأسواق العالمية.

صادرات العراق تهوي

“تخفيضات سومو”، جاءت بعد أن انخفضت صادرات العراق النفطية، من 549 ألف برميل يومياً في شهر آذار، إلى 331 ألف برميل يومياً في نيسان، سواء تلك التي نجحت بعبور المضيق أو التي شُحنت عن طريق خط أنبوب كردستان، وفقاً للخبير الاقتصادي نبيل المرسومي.

النفط يكفي 17% من الرواتب فقط

مليار دولار فقط كانت عائدات شهر نيسان من النفط، مقارنة بقرابة ملياري دولار تحققت في شهر آذار الماضي، وهي عائدات يشير المرسومي إلى أنها تكفي لتغطية 17% فقط من إجمالي فاتورة الرواتب والرعاية الاجتماعية في العراق، والتي تقارب 8 تريليونات دينار شهرياً (أي نحو 6 مليارات دولار).

لغة الأرقام.. إيرادات كانون الثاني وشباط

بيانات وزارة المالية، كشفت أن حجم الإيرادات العراقية في الموازنة الاتحادية خلال شهري كانون الثاني وشباط من عام 2026 تجاوزت 15 تريليون دينار، توزعت بين أكثر من 13 تريليون دينار كإيرادات نفطية، وأكثر من تريليوني دينار إيرادات غير نفطية (من المنافذ الحدودية غالباً)، بالإضافة إلى إيرادات بقيمة 120 مليار دينار قادمة من إقليم كردستان.

ووفق جداول المالية، فإن إجمالي النفقات الجارية تجاوز 16 تريليون دينار، منها رواتب للموظفين والتي تجاوزت 10 تريليونات دينار (لشهرين)، ورواتب للمتقاعدين بلغت 3 تريليونات، إضافة لرواتب الرعاية الاجتماعية البالغة 912 مليار دينار.

اقتصاد على حافة المضيق

وتضع هذه الأزمة الاقتصاد العراقي بأكمله على حافة “مضيق هرمز”، كاشفة هشاشة الموازنة الريعية التي تفتقر لخطط طوارئ بديلة.. فبينما تسعى الحكومة لتوفير الرواتب اليوم عبر تقديم “خصومات قاسية”، يبقى التحدي الأكبر معلقاً: ماذا لو طال أمد أزمة الناقلات ورفضت الشركات المغامرة بعبور المضيق حتى مع أقوى التخفيضات؟.

الهروب من البحر إلى البر

توجه الحكومة العراقية إلى الاهتمام أكثر بتنفيذ أنبوب نقل النفط الخام (البصرة حديثة- متعدد الاتجاهات)، هو الحل المتوفر حتى الآن للخروج من زجاجة هرمز، حيث تفكر بغداد جدياً بتنويع مصادر التصدير، والانتقال من البحر إلى البر.

في جلسة مجلس الوزراء، اليوم الثلاثاء (5 أيار 2026)، أقر مجلس الوزراء، تعديلاً على قراره السابق الخاص بتنفيذ الأنبوب، حيث سمح للشركة العامة للحديد والصلب التابعة لوزارة الصناعة والمعادن باعتماد مسار التصنيع الخارجي لتجهيز الأنابيب كاملة، بدلاً من حصرها بالإنتاج المحلي.

و أكد القرار على منح الشركة العامة للحديد والصلب “مرونة كاملة في تحديد الآلية الأنسب للتنفيذ، بما يضمن الكفاءة الاقتصادية القصوى، بما يحقق الكفاءة الاقتصادية وسرعة نصب الأنبوب”.

التحفّظ السياسي إلى ضغط الواقع الاقتصادي

وخلال سنوات سابقة، تحول نقاش “تنويع منصات التصدير” في العراق إلى شأن شبه محظور، مع الهجمات التي تشنها جهات سياسية ضد أي محاولة للتحرك بعيداً عن هرمز، الأمر الذي اضطر وزارة النفط إلى إصدار بيانات متكررة تنفي فيها مثلاً السعي لبناء أنبوب نحو ميناء العقبة الأردني، كما في بيان آب عام 2024.

وبعد عام ونصف.. تغير مزاج البلاد حين اختبر معنى أن يكون العراق داخل زجاجة هرمز، وما كان نقاشه محظوراً صار تنفيذه واجباً، كما في توجيهات مجلس الوزراء المتكررة، للبدء فعلياً بمشروع أنبوب (البصرة – حديثة) متعدد الاتجاهات والذي يتجاوز طوله 600 كم، حيث قرر مجلس الوزراء تخصيص 1.5 مليار دولار كدفعة أولى من أصل 5 مليارات دولار لتأمين مسارات تصديرية نحو “العقبة وبانياس وجيهان”، وهي الوجهات الثلاثة التي وردت نصاً في البيان الذي أعقب اجتماع خصصه السوداني لمناقشة المشروع المتلكئ منذ عقود.