الأنبوب الاستراتيجي "الممنوع" منذ عقود

بغداد تتجرأ أكثر خارج هرمز والسوداني أطلق أول مليار دولار

تحفظات داخلية سابقة تتراجع أمام ضغط الأزمة المالية وتشكيل هيئة خاصة لأحياء شبكة أنابيب العراق.

يبدو أن بغداد أدركت بأن إرسال قوافل الصهاريج نحو بانياس السورية لن يكون كافياً أبداً للتعامل مع أزمة مالية كبيرة فرضتها حروب هرمز، فالخطة التي بدأت قبل أسابيع كانت تستهدف تصدير كمية متواضعة من النفط العراقي عبر سوريا تبلغ 100 ألف برميل في أعلى التقديرات، وبدت كخيار مؤقت قبل أن يتضح بأن المشكلة قد لا تكون مؤقتة، ورغم جرأة الخطوة التي اتخذتها الحكومة العراقية في النظر غرباً خارج هرمز، لكن قرار رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني مساء الأحد (26 نيسان 2026) رفع الجرعة.

وقرر السوداني البدء الفعلي بمشروع أنبوب (البصرة – حديثة) متعدد الاتجاهات والذي يتجاوز طوله 600 كم، وأقر تخصيص 1.5 مليار دولار كدفعة أولى من أصل 5 مليارات دولار لتأمين مسارات تصديرية نحو “العقبة وبانياس وجيهان”، وهي الوجهات الثلاثة التي وردت نصاً في البيان الذي أعقب اجتماع خصصه السوداني لمناقشة المشروع المتلكئ منذ عقود.

التحفّظ السياسي إلى ضغط الواقع الاقتصادي

حتى وقت قريب، كان طرح مشاريع الأنابيب البديلة يواجه تحفّظات سياسية داخلية من قوى سياسية وفصائل بارزة، وبالأخص ضد أنبوب العقبة.

وفي آب 2024، كانت وزارة النفط العراقية قد اضطرت لإصدار بيانات توضيحية تنفي نيتها المضي بمشروع أنبوب باتجاه العقبة، في ظل جدل سياسي داخلي حول جدوى وأبعاد هذا التوجه.

غير أن التطورات الأخيرة دفعت باتجاه إعادة النظر في خطط التصدير، وخلال اجتماع حكومي الأحد (26 نيسان 2026)، وجّه رئيس الوزراء محمد شياع السوداني بتشكيل هيئة خاصة لمتابعة مشروع أنبوب (بصرة – حديثة)، واصفاً الخطوة بأنها إجراء استباقي يهدف إلى حماية الإيرادات العامة في حال استمرار تعطل التصدير عبر الموانئ الجنوبية.

مشروع قديم يعود إلى الواجهة

تعود فكرة مد أنبوب تصدير باتجاه العقبة إلى ثمانينيات القرن الماضي، عندما سعى العراق إلى إيجاد منافذ بديلة خلال الحرب العراقية–الإيرانية. خاصة حين قررت دمشق مساندة طهران ومنع تصدير النفط العراقي عبر أراضيها الأمر الذي دفع بغداد عام 1983، إلى الاتفاق مع الأردن لإنشاء الأنبوب، وفقاً لتقرير وزارة النفط، إلا أن المشروع لم يُستكمل بسبب تحديات تمويلية وسياسية.

عاد المشروع للواجهة بعد عام 2012، واستمر تداوله عبر عدة حكومات، من نوري المالكي إلى عادل عبد المهدي، وصولاً إلى مرحلة متقدمة نسبياً في عهد مصطفى الكاظمي، ومع التطورات الأخيرة في مضيق هرمز، عاد المشروع ليُطرح مجدداً كخيار استراتيجي من قبل حكومة محمد شياع السوداني، بعد أن ظل لسنوات ضمن المشاريع المؤجلة.

إيران وصادرات العراق

ما زالت الأوضاع في مضيق هرمز في حالة “عدم اليقين”، قيل أن النفط العراقي حصل على استثناء إيراني لكن أرقام التصدير تتحدث عن واقع آخر، كما أن تباين المواقف الإيرانية عزز الارتباك، إذ أعلن وزير الخارجية الإيراني في يوم الجمعة (17 نيسان 2026) أن المضيق مفتوح، قبل أن يعلن الحرس الثوري الإيراني بعد ساعات إغلاقه رسمياً، فضلاً عن حادثة استهداف ناقلات تحمل النفط العراقي في خور عبدالله مساء السبت (18 نيسان 2026).

وبعد نحو شهرين من الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران، صارت بغداد تدرك أكثر أن استثناء الصادرات العراقية من ملاحم هرمز ليس أمراً ممكناً حتى الآن، وهو ما يفسر تسارع الخطوات الجادة بحثاً عن منافذ تصدير.

تضررت صادرات العراق النفطية بنسبة 81% بحسب أرقام الباحث زياد الهاشمي، كما أن ارتفاع كلف التأمين والشحن فاقم الخسائر وتسبب بشلل موانئ البصرة، وهبطت الصادرات إلى 18 مليون برميل في آذار بدلاً من 110 مليون برميل ضمن المعدلات الطبيعية وهو ما قلص الإيرادات بنسبة 71.3%.