"حصار الحصار أحرق الورقة"
العراق داخل أكبر مظلة دفاع جوي في العالم فما معنى ذلك؟
يحاول العراق التكيف مع ظروف الحرب عبر إنجاز "واجبات متراكمة ومهملة" لسنوات، ومنها العودة إلى واجهاته الغربية.
يكرر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وضع خارطة العراق داخل دوائره الحمراء كما في ظهوره الأخير السبت الماضي، لكن قائد القيادة المركزية الأدميرال براد كوبر وضع خارطة العراق اليوم داخل دائرة أخرى أطلق عليها “أكبر مظلة دفاع جوي في العالم”، قال إنها تمتد من شمال العراق إلى شبه الجزيرة العربية، وتتألف من أقوى 4 قوات جوية في العالم، 3 منها أميركية والرابعة إسرائيلية، ومع ذلك.. تبدو أوضاع العراق في اليوم السادس والأربعين للحرب، أفضل بكثير من آخر ساعات شباط الماضي لحظة اندلاع الحرب، خاصةً وأن توجه العراق نحو بدائل هرمز لم يعد “شأناً محرماً” فيما تتسارع خطوات التقارب بين بغداد ودمشق على قاعدة علاقة تكاملية بين إطلالة المتوسط التصديرية وثروات العراق النفطية، وتحت القباب والمظلات الصاروخية.. تحاول بغداد العثور على مسارات تضمن تأمين رواتب ملايين الموظفين، عبر إحياء صداقات قديمة، أو “طمر” عداوات جديدة لصالح الاقتصاد.
حصار الحصار أحرق الورقة
وبعد 6 أسابيع.. يمتص العراق الصدمة تدريجياً، وتتعافى مسارات تجارته وإن ببطء، بفعل تحركات الحكومة الاتحادية من جهة، وكذلك تطورات الحرب التي تأتي تارة على حساب العراق وتارة أخرى لصالحه.
وفي واحد من أهم المؤتمرات العسكرية الأميركية، أطل وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث، مع رئيس الأركان دان كين، إلى جانب كوبر، ورغم أن القادة الثلاثة لم يصنفوا العراق بين الدول الحليفة، لكن ذكر العراق ورد على نحو محايد، كجزء من مظلة الدفاع الجوي الأكبر في العالم.
وكانت إيران قد أعلنت استثناء العراق من إجراءاتها في إغلاق مضيق هرمز، رغم أن مرور السفن المرتبطة بالعراق بقي محل جدل، وبعد إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب حصار الموانئ الإيرانية، والسماح للجميع بالمرور باستثناء السفن المرتبطة بإيران، أثار ذلك التطور بعض التفاؤل بشأن إمكانية استعادة العراق حركته التجارية.
ويعتقد خبراء أميركيون أن طريقة “حصار الحصار” التي أطلقها ترامب أحرقت أهم ورقة إيرانية، إذ فرغت فكرة إغلاق هرمز من أهميتها، فإذا كانت إيران ستتحدد مَن يمر ومَن لا يمر من هرمز، فإن تحكمها لن يتجاوز بضعة أميال بحرية، وبعدها ستكون “مفرزة الأميركان البحرية” بانتظار الخارجين من “المفرزة الإيرانية” لتعيد “فلترتهم”، ومع ذلك فإن تكاليف تشغيل هذا الأسطول الذي يغلق بحر العرب لا تجعل الأمر قابلاً للاستمرار طويلاً.
بغداد إلى الغرب ولن تثق بالمضيق
ويبدو أن صانع القرار الإيراني يعيد تقييم جدوى إغلاق المضيق بعد الحصار الأميركي، وبحسب وكالة “رويترز”، فإن مصدراً إيرانياً أكد أن طهران قد تسمح للسفن بالإبحار عبر الجانب العماني من مضيق هرمز دون أي تهديد، وذلك في إطار المقترحات لمنع استئناف الحرب، ويعني مقترح الإبحار من الجانب العماني عملياً “فتح المضيق” لكن بعبارة أخرى.
ورغم الإعلان الإيراني الرسمي والأميركي الضمني، باستثناء العراق وفتح المضيق أمامه، لكن بغداد بقيت تتحرك بعيداً باتجاه الغرب، بحثاً عن طرقها القديمة إلى العالم.
تمرد العراق على هرمز لم يعد محرماً
وخلال سنوات سابقة، تحول نقاش “تنويع منصات التصدير” في العراق إلى شأن شبه محظور،مع الهجمات التي تشنها جهات سياسية ضد أي محاولة للتحرك بعيداً عن هرمز، الأمر الذي اضطر وزارة النفط إلى إصدار بيانات متكررة تنفي فيها مثلاً السعي لبناء أنبوب نحو ميناء العقبة الأردني، كما في بيان آب عام 2024.
بعد عام ونصف.. سيتغير مزاج البلاد حين تختبر معنى أن يكون العراق داخل زجاجة هرمز، وما كان نقاشه محظوراً صار تنفيذه واجباً، إذ أعلن الوزير حيان عبد الغني، في (16 آذار 2026) عن طرح مناقصات لتصدير النفط الخام من خلال ميناء بانياس في سوريا وميناء العقبة في الأردن، ورغم أن البيان لم يذكر الأنبوب لكنه مثّل إعلاناً عراقياً رسمياً عن الرغبة بالتحرر من هرمز.
وفي (14 نيسان 2026)، كشفت الوزارة عن مزيد من الخطط البديلة لتأمين الصادرات النفطية، بما فيها خط جيهان والخط الوطني بطاقة استيعابية قد تصل إلى مليون و600 مليون برميل يومياً، بما يوازي نحو نصف الصادرات بالأوضاع الطبيعية، كما أعادت الحديث عن الخط السعودي المتروك منذ عام 1991.
“تسريع” التفاهم مع سوريا
وتظهر دمشق وبغداد حماساً مشتركاً لاستعادة خطوط الطاقة والتجارة سواء عبر الأنابيب أو أرتال الصهاريج نحو موانئ البحر المتوسط مثل “بانياس” في محافظة طرطوس، ويوم الأربعاء (15 نيسان 2026) قالت دمشق إنها بدأت بالفعل بتصدير النفط العراقي إلى الأسواق العالمية ويسعى الطرفان للوصول إلى 100 ألف برميل عبر الصهاريج فضلاً عن التفاهم على إحياء الأنبوب القديم، وفي اليوم التالي أعلنت شركة تسويق النفط العراقية (سومو) تحميل أول ناقلة من النفط الأسود العراقي بعد تفريغه في مصفاة بانياس السورية، حيث جرى تحميله على متن ناقلة في البحر الأبيض المتوسط، ليتجه إلى مستهلكين ومصافٍ أوروبية.
وبراً.. يبدو أن العراق قرر تقديم موعد افتتاح منفذ ربيعة استجابة للتوجيهات الملحة من الحكومة الاتحادية، وبينما كان من المتوقع افتتاح المنفذ مطلع أيار، حددت هيئة المنافذ الحدودية (20 نيسان 2026) موعداً لافتتاح المنفذ المغلق منذ نحو عقد ونصف العقد.
الوضع أفضل لكنه ليس آمناً
ورغم محاولات التكيف التي تتقدم بشكل متصاعد لكن حصة العراق في السوق ليست مؤمنة تماماً، ويقول مدير مركز البحوث الاقتصادية صادق الركابي إن عودة العراق لمستويات التصدير السابقة تواجه عقبات لوجستية وتسويقية فزبائن العراق عثروا على بدائل، وهم بحاجة إلى وقت كي يعودوا للسوق العراقية، ما يضع الدولة أمام ضغوط مالية كبيرة وتراكم في الديون.
وشهدت صادرات النفط العراقية، انهياراً كبيراً، بنسبة 81.3% خلال شهر آذار، حيث بلغت 18.6 مليون برميل، فيما تراجعت إيرادات الدولة بنسبة 71.3% إلى 1.95 مليار دولار في الشهر ذاته، بحسب توثيق الباحث والاستشاري في الاقتصاد والنقل الدولي زياد الهاشمي.
أكبر مظلة دفاع جوي في العالم
تتكون المظلة التي تحدث عنها “كوبر” من “مدافعين جويين” (متخصصين في الدفاع الجوي) تلقوا تدريبات بشكل خاص، وقد نشرتهم الولايات المتحدة، ليعملوا “جنباً إلى جنب” وبشكل حرفي مع جنود الدول الشريكة.
ويقول كوبر، إن المظلة تشكلت بعد تعاون بين “أفضل أربع قوى جوية في العالم”، وهي القوات الجوية الأمريكية (USAF) وطيران البحرية الأميركية (USNA) وطيران مشاة البحرية الأمريكية (USMC) والقوات الجوية الإسرائيلية (IAF) مشيراً إلى أن هذا التنسيق هو الذي “أحبط الهجمات الإيرانية بفعالية غير مسبوقة”.
واعتبر الأدميرال كلاً من “البحرين، الإمارات، السعودية، قطر، الكويت، والأردن”، شركاء أساسيين في هذه المظلة، وأكد كوبر، أن هذه الدول تعمل كفريق واحد للدفاع المتبادل.
ورغم حالة وقف إطلاق النار المؤقتة التي أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، شدد قائد القيادة المركزية الأمريكية برادلي كوبر، على أن القوات الأمريكية في المنطقة، ستظل في حالة تأهب قصوى، مؤكداً أن القوات مستعدة لاستئناف العمليات القتالية في “غضون لحظة واحدة” إذا ما اختار النظام الإيراني انتهاك الاتفاق.
ويعرب مراقبون كثر وأوساط سياسية عراقية عن مستوى كبير من التفاؤل، بعد عودة الحياة إلى مفاوضات باكستان اليوم، وجهود ترامب في إقرار وقف لإطلاق النار الإسرائيلية على لبنان من المؤمل أن يسهم بتمديد المهلة التي سنتنهي في 22 نيسان.