تيك توك منفرداً بوجه مائة شاشة وشاشة
128 سنة من صحافة الكرد.. أول صوت من بغداد وورقة مغتربة طارت إلى نايلسات
كما تنشغل صحافة العالم بتفحص طريقها إلى المستقبل.. يخوض مجتمع الصحافة الكردي نقاشاً عميقة عن يومه التالي.
يبدأ المشهد باستوديو ضخم، أضواء براقة أطلقوا عليها اسم “الإنارة”. يقف المقدم الأنيق أمام الكاميرا، لكن ذهنه مشغول بشيء آخر: كيف ستنتقل هذه الفقرة من نشرة الأخبار إلى “تيك توك”، وكيف سيحصد الإعجابات والتفاعل!
عندما تنتهي النشرة، يلتقط هاتفه فوراً، يلتقط صورة أو فيديو سريعاً، ويرسله إلى متابعيه ليشاركهم لحظات ما وراء الكاميرا.
هذا المشهد يتكرر يومياً في وسائل الإعلام الكردية وغيرها، إذ أصبح الجميع محكوماً بخوارزميات مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تتنافس القنوات على من يحصد أكبر عدد من المشاهدات على فيسبوك وإنستغرام.
22 نيسان هو عيد الصحافة الكردية.. وولد موقع 964.KRD قبل 3 سنوات وسط مئات الشاشات المكدسة أمام المتابع الكردي في العراق، بما يعنيه ذلك من تحدٍ وفرصة.
ويتولى الصحفي زانكو أحمد رئاسة تحرير “964 كرد” وكتب هذا التقرير للتعريف بمسيرة الصحافة الكردية للقراء باللغة العربية، إلى جانب استشراف ما يمكن رؤيته من مستقبل الصحافة الكردية.
من ورقة مغتربة في القاهرة إلى مدار نايلسات
128 عاماً مضت منذ أطلق الكرد أولى كلماتهم إلى العالم خارج “الأجزاء الأربعة”، حين طبعت صحيفة “كردستان” أول أعدادها من القاهرة، ثم انطلق الصوت الكردي من بغداد عبر أول إذاعة.
اليوم يبث 150 تلفزيوناً كردياً على الموجات المحلية أو الأقمار الصناعية، وطيلة المسيرة كان السبق والصدارة من إقليم كردستان على بقية المناطق والمجتمعات الكردية، وكما أرسى الإقليم أهم تجربة سياسية وحقوقية بين بقية كرد المنطقة، فقد كان له السبق على مستوى الصحافة.
تضع التحديات الجديدة الإعلام الكردي أمام سؤال عن ماذا بعد؟ وماذا سيغيّر الذكاء الاصطناعي في عمل الصحفيين الكرد؟ وما الذي ينتظر هذه المهنة التي بدأت برحلة طويلة من “ورقة مغتربة” في بلد بعيد؟
محطات الصحافة الكردية
في 22 نيسان عام 1898، صدرت أول صحيفة كردية باسم “كردستان”. اختار مقداد مدحت بدرخان — الأب الروحي للإعلام الكردي — القاهرة مكاناً لطباعة ونشر صحيفته، نظراً لتقدم الطباعة هناك، ولأنها كانت أقل خضوعاً للرقابة العثمانية في عهد الخديوي عباس حلمي الثاني.
منذ ذلك الحين، أصبح هذا التاريخ يوماً رسمياً للصحافة الكردية، ويُحتفل اليوم بمرور 128 عاماً عليه.
يعتبر كثير من الإعلاميين الكرد أن العصر الذهبي للصحافة الكردية كان بين الحربين العالميتين (1918–1939)، حيث صدرت صحف بارزة مثل:
تێگەیشتنی راستی، تُنطق تيگشتني راستي (إدراك الحقيقة).
پێشکەوتن، تُنطق بيشكوتِن (التقدم)
بانگی کوردستان – (نداء كردستان)
ئومێدی ئیستیقلال – (أمل الاستقلال)
ژیان، تُنطق جيان – (الحياة)
لاحقاً برزت صحيفتا “ژین” وتُنطلق جين – (الحياة) و”گەلاوێژ” وتُنطق گلاويج وهي التسمية الكردية لنجم سهيل الذي يحظى بحضور كبير في الأدبيات الكردية.
بهذا.. انتقلت عاصمة الإعلام الكردي من القاهرة إلى السليمانية.
غالبية هذه الصحف كانت تحمل رسالة واضحة: المطالبة بحقوق الكرد، وغالباً ما كانت في مواجهة السلطات الحاكمة.
بغداد أطلقت أول صوت كردي
أما في الإذاعة، فقد سُمع الصوت الكردي لأول مرة عبر محطات رسمية في بغداد والقاهرة، إلى أن تأسست إذاعة “صوت كردستان العراق” عام 1963 في الجبال، لتكون لسان حال ثورة أيلول بقيادة الملا مصطفى بارزاني ضد عبد الكريم قاسم.
كان تأثير إذاعة “صوت كردستان العراق” كبيراً إلى درجة أنها لُقبت بـ”المدفعية”.
وفي السنوات التالية، ورغم وجود إعلام رسمي، ظل الإعلام الأكثر تأثيراً هو إعلام الجبال، الذي لعب دوراً مهماً في تعبئة الشارع، خاصة خلال انتفاضة عام 1991 ضد نظام صدام حسين.
أول تلفزيون كردي
في العام نفسه، تأسست أول قناة تلفزيونية كردية داخل إقليم كردستان، وهي “تلفزيون شعب كردستان”، التابع للاتحاد الوطني الكردستاني.
وبعدها بأربع سنوات، في 1995، تأسست في أوروبا أول قناة فضائية كردية “MED TV” التابعة لحزب العمال الكردستاني.
تجارب مستقلة مضيئة “وسريعة”
شهدت بداية الألفية الجديدة نهضة في الصحافة الكردية، مع صدور صحيفتي “هاولاتي” و”آوينة” الأهليتين، لكن هذه المرحلة لم تدم طويلاً.
فموجة القنوات الفضائية، ثم المواقع الإلكترونية، وبعدها وسائل التواصل الاجتماعي، أدت إلى تراجع الصحف الورقية بشكل كبير، حتى لم يبقَ منها اليوم سوى عدد محدود، أغلبها مملوك للأحزاب.
150 تلفزيوناً كردياً بوجه “تيك توك”
بحسب الإحصاءات الرسمية، يوجد اليوم في إقليم كردستان نحو 30 قناة فضائية مرخصة، و128 قناة محلية.
لكن يبدو أن زمن القنوات الفضائية أيضاً في طريقه إلى الأفول، الورقة المغتربة في القاهرة تغادر محطتها على مدار نايلسات نحو مكان أقرب بكثير.. هاتف “القارئ” الذي صار “مشاهداً” أكثر.
لقد حان دور الإعلام الرقمي، الذي يجيد قواعد اللعبة، ويعرف كيف يقدم الأخبار بسرعة واحتراف عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
حتى القنوات الكبرى أدركت ذلك:
للوصول إلى الجمهور، يجب أن تتقن تقنيات السوشيال ميديا، وأن تدخل إلى هواتف الناس.
وهكذا، أصبح المقدم، وهو يقرأ نشرة الأخبار، موزعاً ذهنه بين الاستوديو.. ومنصة تيك توك!