حرس الثورة غير تكتيكاته

انشقاق داخل عصائب أهل الحق.. فصيل جديد استحوذ على نصف ترسانة الخزعلي – واشنطن بوست

مع تداعيات خروج القوات الأميركية وتمديد مهلة “حصر السلاح” إلى منتصف العام المقبل، تحدث مصدر في مكتب رئيس الوزراء، علي الزيدي، اليوم الأربعاء (30 أيلول 2026)، لصحيفة واشنطن بوست الأمريكية، عن عدم تسليم “عصائب أهل الحق” سوى نصف سلاحها، والادعاء بإن “منشقين” استحوذوا على النصف الآخر لتأسيس مليشيا جديدة، وأضاف المصدر أن حرس الثورة الإيراني قد غيّر تكتيكاته في العراق، وركز موارده لدعم تشكيلات صغيرة، كالتي قصفت السعودية مطلع أيلول الجاري.

تقرير واشنطن بوست، ترجمته شبكة 964:

القوات الأمريكية تنسحب من العراق مع ميل كفة ميزان القوى لصالح إيران.

انسحبت القوات العسكرية الأمريكية من قواعدها في العراق يوم الأربعاء، لتسدل الستار على عقدين من الانخراط العسكري الأمريكي الذي أسفر عن مقتل مئات الآلاف من المدنيين العراقيين وآلاف الجنود الأمريكيين، تاركاً خلفه إيران، المنهكة لكن المتصاعدة النفوذ، في قلب صياغة مستقبل المنطقة.

وأكد مسؤولون أمريكيون أن آخر ما تبقى من القوات أعيد تموضعه في الأردن، الذي يمثل المقر الرئيسي للمهمة المتواصلة لمحاربة مسلحي تنظيم الدولة الإسلامية.

وقال المتحدث باسم البنتاغون شون بارنيل في بيان رسمي يوم الأربعاء إن رحيل القوات والمعدات الأمريكية «يدشن مرحلة الانتقال من مهمة تحالف في زمن الحرب إلى جهد أمني تقوده المؤسسات العراقية».

وأضاف بارنيل: «إن المسؤولية الأساسية في معالجة التحديات الأمنية المتبقية في العراق، بما في ذلك فلول تنظيم داعش والميليشيات المتحالفة مع إيران التي تقوض السيادة العراقية والاستقرار الإقليمي، باتت تقع الآن على عاتق حكومة العراق».

ويختتم هذا الانسحاب اتفاقاً كانت إدارة بايدن قد أبرمته عام 2024 لتصفير الوجود العسكري الأمريكي في العراق بحلول هذا العام. وغادرت القوات قاعدة أربيل الجوية في شمال العراق، التي كانت تضم معظم الأفراد البالغ عددهم 1500 عسكري من الأمريكيين وقوات التحالف المفرزين لمهمة مكافحة تنظيم الدولة، بحسب بيان للقيادة المركزية الأمريكية.

وأوضحت القيادة المركزية، المشرفة على العمليات الأمريكية في المنطقة، أن تلك المهمة ستتواصل انطلاقاً من الأردن مع تركيز الجهود على المسلحين داخل سوريا. كما يمكن للقوات الأمريكية شن ضربات داخل الأراضي العراقية من هناك إذا رصدت تهديدات تمس الأفراد والمصالح الأمريكية، وفق ما صرح به مسؤول أمريكي تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته لمناقشة خطط عسكرية سرية.

وشهدت واشنطن تفاعلاً باهتاً مع إعادة تموضع القوات الأمريكية؛ فالغزو عام 2003 فرض كلفة بشرية ومالية جسيمة ستبقى آثارها لأجيال قادمة. وتشير أرقام مشروع “تكاليف الحرب” في جامعة براون إلى مقتل ما يصل إلى 210 آلاف مدني عراقي في الفترة الممتدة بين الغزو وعام 2023، فضلاً عن سقوط 4599 عسكرياً أمريكياً.

وفي ذروة الحرب عام 2007، إبان خروج العنف الطائفي عن السيطرة، بلغ عدد الجنود الأمريكيين في البلاد نحو 170 ألف جندي. وتعهد الرئيس باراك أوباما بإنهاء هذا النزاع غير المرغوب شعبياً عقب انتخابه عام 2008، ليعلن لاحقاً انتهاء العمليات القتالية والانسحاب النهائي عام 2011.

وعقب ذلك، اجتاح تنظيم الدولة، المنبثق من تنظيم القاعدة وجماعات متطرفة أخرى، مساحات واسعة من العراق وسوريا في عام 2014، مما دفع أوباما والتحالف الدولي للعودة إلى المنطقة ضمن حملة عسكرية امتدت حتى عهد إدارة ترامب الأولى.

وقدرت جامعة براون أن عقود النزاع تلك كلفت دافعي الضرائب الأمريكيين أكثر من 2.8 تريليون دولار، بما يشمل نفقات الرعاية الصحية للمحاربين القدامى والعمليات الموازية في سوريا.

وخرج العراق من حربه ضد تنظيم الدولة باقتصاد نامٍ ونظام شبه ديمقراطي تعرض لاختبارات عسيرة من قبل أطراف دينية وطائفية داخل الحكومة، لا سيما تلك المرتبطة بروابط وثيقة مع طهران.

واحتفت طهران برحيل القوات الأمريكية كانتصار لها، وهي التي لا تزال تعيش هدنة هشة وغير مستقرة مع واشنطن وتل أبيب في أعقاب أشهر من الحرب.

ولطالما استغلت إيران حالة زعزعة الاستقرار في العراق لزرع مسؤولين موالين لها داخل أروقة الحكومة، وتسليح جماعات مسلحة ساهمت في توسيع نطاق نفوذها.

وعلق رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف على الانسحاب الأمريكي الشهر الماضي خلال زيارة دبلوماسية لبغداد تضمنت زيارة الموقع الذي قُتل فيه القائد العسكري الإيراني قاسم سليماني بضربة أمريكية عام 2020، مؤكداً في مؤتمر صحفي أن «جبهة المقاومة هي التي تسود وتنتصر اليوم»، في إشارة إلى الجماعات السياسية والعسكرية العابرة للحدود والمرتبطة بإيران.

وكان هؤلاء المقاتلون قد انتظموا ضمن مظلة الحشد الشعبي لمواجهة تنظيم الدولة، ويتقاضون رواتبهم من ميزانية المؤسسة العسكرية العراقية لكنهم يعملون كقوات وكيلة لإيران يتجاوز قوامها 200 ألف عنصر، بحسب تقديرات المحللين. واستخدمت هذه الفصائل طائرات مسيرة انتحارية وصواريخ لمهاجمة القوات الأمريكية وخصوم آخرين.

وكان من المفترض أن يتزامن انسحاب القوات الأمريكية يوم الأربعاء مع نزع سلاح تلك الجماعات المسلحة المدعومة من إيران، غير أنها تجاهلت في معظمها دعوات حل تشكيلاتها وتحدتها علناً. وأوضح رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي أن الجدول الزمني لنزع سلاحها قد جرى تمديده حتى حزيران/يونيو 2027.

ويرى مارك كانسيان، كبير المستشارين في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، أن إيران قد تحظى بدفعة قوية جراء الانسحاب الأمريكي، غير أن سلوكها الأخير في المنطقة ولد في المقابل تحالفات غير مسبوقة ضدها تتحدى قوتها.

وأوضح كانسيان أن عملية 2003 التي أطاحت بصدام حسين أغرقت العراق في فوضى أزاحت خصم طهران الرئيسي على حدودها الغربية، لكن استهداف إيران لدول تستضيف قوات أمريكية خلال الحرب دفع دولاً مثل السعودية إلى الاقتراب أكثر من إسرائيل، صانعاً حائط صد «لم يكن بالإمكان تصوره» قبل عقود.

وأضاف كانسيان: «يمثل ذلك عوناً كبيراً للولايات المتحدة، لأننا واجهنا صعوبة دائمة في إحداث التوازن بين العرب والإسرائيليين».

وستركز القوات الأمريكية المتمركزة في الأردن على مقاتلي تنظيم الدولة، وأوضح المسؤول الأمريكي: «إذا استفحل خطر التنظيم وتحول إلى تهديد يتجاوز قدرة السيطرة لدى العراق وسوريا، وطلبوا مساعدتنا، فسنتدخل لتقديم العون».

ودأبت الفصائل الموآلية لإيران في العراق لسنوات على استهداف الأمريكيين في المنطقة، وصعّدت ضرباتها عقب إطلاق إسرائيل حملتها المدمرة في غزة، وأسفرت إحدى تلك الضربات عن مقتل ثلاثة جنود أمريكيين في الأردن عام 2024.

وقال المسؤول الأمريكي: «اقتصرت عملياتنا ضد المسلحين المدعومين من إيران على الرد المباشر عند محاولة استهداف جنودنا، لكن التصدي لهذه الجماعات وإدارتها بصورة عامة باتا من الآن فصاعداً مسؤولية عراقية بحتة».

وفي سياق متصل، طوّر الحرس الثوري الإيراني المتشدد مؤخراً أساليب عملياته شبه العسكرية داخل العراق، وهو ما قد يضع صعوبات معقدة أمام بغداد، بحسب مسؤول رفيع في مكتب رئيس الوزراء العراقي.

وأكد المسؤول، متحدثاً شريطة عدم الإفصاح عن هويته لحساسية الملف الأمني، أن الحرس الثوري ركّز موارده في العراق على تشكيل خلايا صغيرة الحجم خارج نطاق الشبكات المسلحة التقليدية الكبرى لتفادي الرصد والردع، مشيراً إلى أن مسار نزع السلاح الأخير سلط الضوء على مخاطر ظهور هذه الجماعات المنشقة.

وكشف المسؤول العراقي، على سبيل المثال، أن جماعة “عصائب أهل الحق” المسلحة والمدعومة من طهران لم تسلم سوى نصف ترسانتها التقديرية فقط، وبرر قادتها ذلك بادعاء أن بقية السلاح استحوذ عليه منشقون أعلنوا تشكيل ميليشيا جديدة.

واختتم المسؤول حديثه بالإشارة إلى أن هذا التنظيم الجديد يحظى بدعم إيراني كبير، ونسق عملياته مع الحوثيين في اليمن، وكان ضالعاً في الهجمات الأخيرة التي طالت البنية التحتية لقطاع الطاقة داخل المملكة العربية السعودية.