3 ضربات آخرها من العراق
ترامب خطف مليارات بن سلمان وتركه وحيداً في هرمز والمندب.. أعقد من حرب 1973
تجد الرياض نفسها في لحظة تبدو أكثر تعقيداً حتى من حرب 1973 بين العرب وإسرائيل حين أوقفت الدول العربية تصدير النفط إلى أمريكا، وأحرجت واشنطن والقوى الأوربية بمستوى بالغ، لكن خيارات المناورة تتضاءل سريعاً أمام العرب والسعودية اليوم، فهناك ارتدادات المواجهة المفتوحة بين واشنطن وطهران، بينما تكتفي الإدارة الأمريكية بالفرجة وترفض التدخل العسكري لحماية السعوديين في مواجهة الحوثيين خصوصاً وسيطرتهم على باب المندب، بالتزامن مع ضربة الفصائل العراقية لأنابيب (شرق – غرب) وتوقف 5 ملايين برميل نفط كانت تصدر عبر البحر الأحمر.
وتكشف صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية، في تقرير للمراسلة فيفيان نيريم تابعته شبكة 964، عن كواليس “إحباط بالغ” يسود دوائر القرار في المملكة، جراء تردد دونالد ترامب ورفضه الصريح توجيه ضربات لليمن، لتصطدم الرياض بحقيقة صادمة: سنوات طويلة من الاستثمار والمليارات في شراكة أمنية مع واشنطن، تبخرت لحظة تدشين الحرب الحقيقية على خطوط الملاحة وإمدادات الطاقة.
تقرير نيويورك تايمز ترجمته شبكة 964:
محللون يؤكدون أن المملكة تعيش حالة صدمة استراتيجية إثر تعرضها لهجمات من إيران التي تزداد جرأة، مع فشل الرياض في انتزاع دعم عسكري أمريكي إضافي.
تجد المملكة العربية السعودية نفسها محاصرة على نحو متزايد في خضم الحرب المشتعلة بين الولايات المتحدة وإيران، وتعكف قيادة المملكة حالياً على تقييم خياراتها الآخذة في التضاؤل للرد والتعامل مع هذا المأزق.
وخلال الأسابيع الأخيرة، شنت ميليشيا الحوثي المتحالفة مع إيران في اليمن هجمات متكررة على المملكة، مهددة بخنق قدرتها على تصدير النفط، ومفاقمة الضغوط على الاقتصاد العالمي. غير أن الرياض أصيبت بالإحباط وخيبة الأمل إثر تردد الرئيس ترامب ورفضه مواجهة الحوثيين، بحسب دبلوماسيين سابقين ومحللين.
كما أثمرت المساعي الدبلوماسية للمملكة للتواصل مع إيران نتائج محدودة؛ إذ تأجل على نحو مفاجئ ليل الأحد اجتماع كان مقرراً عقده يوم الاثنين بين مسؤولين من إيران والسعودية ودول خليجية أخرى، في ظل بقاء الفجوة بين مواقف الطرفين شاسعة للغاية.
ويقول مايكل راتني، السفير الأمريكي السابق لدى المملكة: «يشعر السعوديون في الوقت الراهن بإحباط بالغ، ويمثل هذا الوضع بالنسبة إليهم، في جانب منه، أسوأ سيناريو ممكن».
ولم يستجب مركز التواصل الدولي التابع للحكومة السعودية، المعني بالرد على استفسارات الصحفيين، لطلب التعليق.
وتسلط معضلة المملكة الضوء على الأثمان الباهظة التي فرضتها الحرب الأمريكية والإسرائيلية مع إيران على سائر أنحاء الشرق الأوسط، بما في ذلك الدول التي عارض قادتها خيار الحرب أو سعوا مراراً لإخماد نيرانها.
وخلال الأشهر الأولى من القتال، ظلت السعودية في مأمن نسبي من الهجمات الانتقامية الإيرانية مقارنة بجيرانها. لكن مع غياب أي أفق لنهاية الأعمال العدائية، تسعى طهران إلى انتزاع أوراق ضغط أكبر ضد الولايات المتحدة، وباتت السعودية، التي ظلت أكبر مصدر للنفط في العالم قبل أن تتراجع بفعل تداعيات الحرب، هدفاً رئيسياً لضرباتها.
هجمات متزامنة من ثلاث جهات
على مدار الأسبوعين الماضيين وحدهما، واجهت السعودية ضربات نفذتها فصائل مدعومة من إيران انطلقت من الشرق والجنوب والشمال على حد سواء.
استُهدفت ناقلة نفط سعودية في مضيق هرمز أواخر آب/أغسطس الماضي، مما أسفر عن مقتل بحارين اثنين.
ويوم الجمعة، سيطرت ميليشيا الحوثي، التي أعلنت مسبقاً فرض حصار بحري على شحنات النفط السعودية عبر البحر الأحمر، على أراضٍ تشرف على ممر ملاحي دولي استراتيجي، ملحقة هزيمة قاسية بالقوات المتحالفة مع السعودية في اليمن.
وفي اليوم ذاته، أعلنت السلطات السعودية اضطرارها لإغلاق خط أنابيب نفط حيوي واستراتيجي، محملة هجوماً بمسيرات نفذته فصائل مسلحة عراقية مدعومة من طهران المسؤولية عن ذلك. ومثل خط الأنابيب هذا مسار تصدير بديلاً ورئيسياً لنقل النفط السعودي إلى موانئ البحر الأحمر، عقب فرض إيران حصاراً خانقاً على مضيق هرمز.
ويعلق السفير السابق راتني على ذلك بالقول: «إن السبب وراء استثمار دولة كالسعودية بكثافة في بناء شراكة أمنية متجذرة مع الولايات المتحدة هو الاستعداد للتعامل مع مثل هذه الطوارئ بالذات».
وامتلك ولي العهد السعودي والحاكم الفعلي للبلاد، الأمير محمد بن سلمان، مبررات منطقية للثقة في تلك الشراكة؛ فقد وظفت حكومته على مدار سنوات مليارات الدولارات ورصيداً سياسياً ضخماً لبناء علاقات شخصية وطيدة مع ترامب وأفراد عائلته.
لكن حين طلب ولي العهد من ترامب الأسبوع الماضي التدخل عسكرياً وتوجيه ضربات للحوثيين، قوبل طلبه بالرفض من الرئيس الأمريكي، وفق ما أكده مسؤولون مطلعون على فحوى المحادثات.
مخاوف العزلة الدبلوماسية وتعدد الجبهات
أكد مسؤولون ومحللون سعوديون بوضوح رفض المملكة خوض مواجهة عسكرية جديدة بمفردها ضد الحوثيين، لا سيما بعدما تحولت حملة عسكرية قادتها الرياض سابقاً ضد الجماعة إلى مستنقع استمر قرابة عقد كامل.
وفي هذا الصدد، كتب الكاتب الصحفي عبد الرحمن الراشد، المقرب من الدوائر الحكومية في المملكة، مقالاً يوم السبت في صحيفة مملوكة للسعودية جاء فيه: «هذا الأمر يتطلب دعماً دولياً، ولا يقتصر على السعودية ودول المنطقة وحدها».
غير أن ترامب يظهر تردداً واضحاً في الانخراط ميدانياً.
ويوضح دان شابيرو، المسؤول الرفيع السابق عن ملف الشرق الأوسط في البنتاغون إبان إدارة بايدن: «في ظل خوضه نزاعاً مفتوحاً مع إيران، وتشتت قوات البحرية الأمريكية، وتراجع مخزونات الذخيرة، ليس من المفاجئ أن يتجنب ترامب فتح جبهة قتال جديدة. لكن هذا الموقف شكل صدمة وخيبة أمل مريرة للسعوديين».
وصرح ترامب يوم السبت للصحفيين خلال زيارة لإيرلندا بأن الحوثيين «اتصلوا بنا وأكدوا عدم رغبتهم في مقاتلتنا».
وأضاف في إشارة مباشرة إلى السعودية: «هناك دولة واحدة فقط يشعرون بعدم الرضا تجاهها، وسنعمل على تسوية ذلك الأمر».
من جهته، نفى المسؤول السياسي في جماعة الحوثي، محمد البخيتي، تواصل الجماعة مع واشنطن، قائلاً: «لم نتواصل مع ترامب، ولم نطلب منه الامتناع عن مهاجمتنا».
ويرى نائب الأدميرال المتقاعد جون ميلر، القائد الأسبق للقوات البحرية الأمريكية في الشرق الأوسط، أن مسألة التدخل الأمريكي في اليمن لا تزال قيد النقاش والتقييم، مؤكداً استمرار واشنطن في إمداد الرياض بالمعلومات الاستخبارية.
وترى باربرا ليف، مساعدة وزير الخارجية السابقة لشؤون الشرق الأدنى، أن الخيار المرجح للسعودية الآن هو الارتماء في المسار الدبلوماسي، لافتة إلى أنه رغم حملات القصف التي شنتها السعودية والولايات المتحدة وإسرائيل ضد الحوثيين على مدار سنوات، «لم ينجح أحد في اجتراح حل عسكري حاسم» للتعامل معهم.
وأضافت ليف أن الرياض قد تعمل بالتنسيق مع جيرانها وإيران لصياغة «تسويات وتوافقات قسرية وغير مريحة» لإسدال الستار على الحرب مع طهران.
كما يمكن للمملكة التوجه صوب الصين بحثاً عن مخرج، وإن كانت الجهود الدبلوماسية السابقة لبكين في المنطقة لم ترسِ اتفاقات سلام طويلة الأمد، على حد تعبير ليف، مستشهدة باتفاق التقارب الدبلوماسي بين الرياض وطهران الذي رعته بكين عام 2023 وتعرض للتآكل والانهيار لاحقاً.
ويرى محللون أنه في الوقت الراهن، يستبعد أن يعبر المسؤولون السعوديون عن استيائهم من الولايات المتحدة بشكل علني مهما بلغت درجة إحباطهم.
وتختتم ليف قراءتها للموقف بالقول: «لن يظهروا أي نوع من التباعد العلني عن واشنطن، بل سيعملون على تكثيف جهود دبلوماسية بديلة لإنقاذ الموقف».