تقرير من نيويورك تايمز

سيطر الحوثيون على “القات وكوب الموكا”.. المخا تسد تجارة العالم من الهند حتى السويس

شكّل ميناء المخا اليمني المطل على البحر الأحمر منذ القرن 16، البوابة الأولى لانطلاق تجارة البن عالمياً ومهد ثقافة القهوة المعاصرة التي منحت اسمها لاحقاً لمشروب “الموكا – المخا” الشهير، لكن المنطقة تتحول في ظل إتمام سيطرة الحوثيين عليها يوم الخميس، إلى غنيمة إستراتيجية يتسابقون عليها مع الطرف – السعودي – الإماراتي في اليمن، وبفعل إطلالها على مضيق باب المندب، باتت المدينة اليوم منصة تحكم عسكرية ونقطة ارتكاز لإطلاق الصواريخ والمسيّرات للسيطرة على الملاحة الدولية عند مدخل البحر الأحمر المؤدي لقناة السويس نحو أوربا والعالم، فضلاً عن صراع خفي بين مزارع البن ومحصول “القات” الذي ينتمي لفئة المخدرات!

وخصصت صحيفة “نيويورك تايمز” تقريراً كتبه الصحفي جونثان وولف، وترجمته شبكة 964، حول هذا التطور ناقلاً عن أستاذ تاريخ الشرق الأوسط في جامعة ييل، آلان ميخائيل، قوله إن “الجغرافيا تصنع الفارق دوماً”، موضحاً أن قرب المخا من مضيق باب المندب (75 كم إلى الجنوب) منح المدينة نفوذاً استثنائياً وتاريخياً على حركة الملاحة والتجارة القادمة من المحيط الهندي نحو قناة السويس والموانئ الأوروبية.

مقال جونثان وولف، لنيويورك تايمز، ترجمته شبكة 964

لماذا تُعدّ المخا، الميناء التاريخي الذي صاغ تجارة البن، جائزة ثمينة في حرب اليمن؟

منح الموقع الاستراتيجي على البحر الأحمر هذه المدينة قروناً من الهيمنة التجارية، وهو ما يجعلها اليوم هدفاً مرغوباً بشدة في أتون القتال الدائر بالشرق الأوسط.

قبل زمن طويل من سيطرة القوات الحوثية عليها هذا الأسبوع ضمن مسار الحرب الأهلية في اليمن، اشتهر ميناء المخا العريق على البحر الأحمر كأحد البوابات الأولى التي انطلقت منها تجارة البن العالمية.

وفي ذروة مجدها بين القرنين السادس عشر والثامن عشر، كانت المدينة مركزاً مزدهراً يعج بالتجار والمقاهي ضمن منطقة فرضت احتكاراً مطبقاً على إمدادات حبوب البن حول العالم لأكثر من قرن كامل. ويمتد ذلك الإرث العريق إلى ثقافة القهوة المعاصرة، بعدما منحت المدينة اسمها لحبوب البن ومنتجات القهوة المختصة ومشروب “الموكا” الشهير الممزوج بالشوكولاتة والإسبريسو.

والسمات ذاتها التي مكنت المخا من قيادة تجارة القهوة قبل قرون، جعلت منها اليوم غنيمة استراتيجية محط أنظار المتصارعين في النزاع اليمني الراهن.

ويوضح آلان ميخائيل، أستاذ تاريخ الشرق الأوسط في جامعة ييل، هذا البعد قائلاً إن «الجغرافيا تصنع الفارق دوماً». فالقرب الجغرافي للمخا من مضيق باب المندب، وهو ممر مائي ضيق يقع على بعد نحو 50 ميلاً إلى الجنوب من المدينة ويربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي، منحها على مر العصور نفوذاً استثنائياً على واحد من أهم الممرات التجارية على مستوى العالم.

صعود عاصمة القهوة

فرض الأتراك العثمانيون سيطرتهم على اليمن أواخر ثلاثينيات القرن السادس عشر، وحولوا المخا من قرية صيد متواضعة إلى قوة عظمى في عالم البن.

وكان للقهوة موطئ قدم راسخ في المنطقة من قبل؛ إذ يرى مؤرخون أن سكان تلك النواحي كانوا، قبل قرن من ذلك التاريخ، أول من ارتشف مشروباً يحمل الخصائص التي يعرفها متذوقو القهوة في عصرنا الحديث. وربما بدأت هذه العادة على يد متصوفة عرب كانوا يتناولون هذا المشروب المنبه لمساعدتهم على السهر في صلوات منتصف الليل. وبحلول منتصف القرن السادس عشر، أضحى شرب القهوة ظاهرة واسعة الانتشار في تلك الأصقاع، وشهدت المنطقة إرساء تقاليد أولى عديدة مرتبطة بها.

وتشير نانسي أوم، مؤلفة كتاب “بيوت تجار المخا” الذي يوثق التاريخ التجاري للمدينة، إلى أن «اليمن ليس مهد العادة الاجتماعية المتمثلة في احتساء القهوة بالشكل الذي نعرفه اليوم فحسب، بل هو أيضاً مهد زراعة البن على نطاق واسع وأول مورد حقيقي للقهوة إلى أرجاء المعمورة».

وبدأ العثمانيون في اليمن زراعة البن لأغراض تجارية في المرتفعات المحيطة بالمخا، وصاروا يصدرونه إلى شتى أرجاء إمبراطوريتهم.

كما فرضوا نظاماً احتكارياً صارماً منع خروج حبوب البن من أراضي اليمن ما لم تكن مغلية أو محمصة سلفاً لتعطيل قدرتها على الإنبات، وفق ما أورده مارك بيندرغراست في كتابه الصادر عام 1999 بعنوان “أراضٍ غير مألوفة”. (ويشير بيندرغراست إلى أن حاجاً مسلماً يدعى بابا بودان نجح في القرن السابع عشر في تهريب سبع حبات بربطها حول بطنه، وتمكن لاحقاً من زراعتها بنجاح في الهند، رغم وجود نقاش تاريخي حول دقة تفاصيل هذه الرواية).

وشكل قرب المخا من مضيق باب المندب عنصراً حاسماً في صعود نجمها التجاري، إذ ربطها بحوض البحر الأبيض المتوسط عبر البحر الأحمر، وبالأسواق الآسيوية عبر المحيط الهندي. واليوم، يتوجب على سفن الشحن عبور هذا المضيق للوصول إلى قناة السويس ومنها إلى الموانئ الأوروبية.

وضمت المخا نسيجاً متنوعاً من التجار متعددي الأعراق والأديان الذين تداولوا سلعاً مختلفة شملت المعادن والمنسوجات والتوابل، غير أن اسمها ارتبط ارتباطاً وثيقاً بالبن بحلول القرن السابع عشر، تزامناً مع تأسيس كبرى البيوت التجارية الأوروبية مقرات لها هناك، وفي طليعتها شركتا الهند الشرقية البريطانية والهولندية.

وتوضح أوم أن تلك الشركات «رسخت الارتباط الوثيق بين اسم موكا والقهوة من خلال وسم كل حبوب البن المشتراة من اليمن والمشحونة عبر ميناء المخا بعبارة “قهوة موكا” ».

ولكن بحلول عشرينيات القرن الثامن عشر، بدأت زراعة البن تزدهر في منطقة البحر الكاريبي وجزيرة جاوة الإندونيسية، فتراجع الدور المحوري للمخا شيئاً فشيئاً. وجاءت الضربة القاضية مع مطلع القرن التاسع عشر حين سيطر البريطانيون على مدينة عدن الساحلية الواقعة إلى الشرق، وحولوها إلى مركزهم التجاري الرئيسي في المنطقة.

إحياء هش وسط ركام الصراع

شُيد ميناء حديث في المخا خلال خمسينيات القرن الماضي، بيد أن صناعة القهوة في المنطقة كانت قد تلاشت تقريباً بحلول ذلك الوقت.

وعلى مر العقود اللاحقة، حوّل اليمن مساحات شاسعة من أراضيه الصالحة للزراعة لإنتاج نبات القات، الذي يُستهلك لتأثيراته المنبهة المشابهة للأمفيتامين، وشمل هذا التحول مناطق إنتاج البن التقليدية الخاضعة في معظمها لسيطرة الحوثيين.

ويصف إبراهيم المرعشي، الأستاذ المشارك لتاريخ الشرق الأوسط في جامعة ولاية كاليفورنيا، هذا التحول بالقول: «حين حلت زراعة القات محل البن، بدا الأمر وكأنه حكم على اليمن بمصير مأساوي».

وأوضح المرعشي أن القات، الذي يُباع ويُستهلك محلياً، يمثل استنزافاً لمدخرات الأسر وعائقاً يثقل كاهل الاقتصاد، فضلاً عن كونه محصولاً يستهلك كميات هائلة من المياه، وهو ما يمنح الحوثيين نفوذاً إضافياً لتحكمهم في موارد المياه الحيوية ضمن مناطق عدة.

ورغم هذه التعقيدات، شهدت السنوات الأخيرة حراكاً واعداً استهدف إعادة إحياء صناعة البن في المخا واليمن عموماً، وربط المزارعين المحليين بمقاهي القهوة اليمنية المنتشرة في أنحاء العالم.

ويقول مختار الخنشلي، وهو صاحب مشروع لتجارة القهوة في اليمن يربط قرابة 6 آلاف مزارع بشركات التحميص الدولية: «صار المزارعون ينظرون إلى البن كبديل مجدٍ للقات ووسيلة حقيقية للارتقاء بأوضاعهم المعيشية».

لكن الخنشلي يستدرك موضحاً أن اشتعال الصراع مجدداً في اليمن وضع هذه المكاسب الحديثة في مهب الريح؛ إذ عرض المزارعين لمخاطر أمنية مباشرة، وجعل تصدير محاصيلهم مسألة بالغة الصعوبة، وهدد بإعادتهم مجدداً إلى دوامة زراعة القات.

ويختم الخنشلي حديثه بمرارة: «لأول مرة منذ سنوات طويلة، كان البن يمنح اليمنيين بصيصاً من الأمل. واليوم، تحول الميناء الذي كان ينبغي أن يحمل ذلك البن إلى العالم إلى ساحة حرب وبارود».