"شكراً لن نشتري".. تقول المطاحن

العراق أمام لحظة الاعتراف “بالورقة والقلم”.. تنزيلات حنطة الحكومة لا تثير أحداً!

يبدو أن ساعة العراق تشير إلى لحظة الحقيقة وضرورة الاعتراف، فبدل أن “تحتار” الحكومة بالحنطة التي شجعت على إنتاجها فوق الحاجة، يدعو الخبراء إلى التوقف سريعاً وجدياً عن دفع 800 ألف دينار للفلاحين مقابل طن الحنطة أو ما يسمى “الخطة الزراعية” وعدم العودة إلى تلك الأرقام.. لابد أن يبدأ مسار خفض الأسعار عبر تحديد سعر 600 ألف دينار تمهيداً لمزيد من التخفيضات وربما وصولاً إلى سعر الحنطة العالمي الحقيقي القريب من 400 ألف دينار!.. تبدو هذه الأفكار خلاصة ما يفكر به خبراء الاقتصاد العراقيون تعليقاً على غياب أي أصداء إيجابية بعد إعلان الحكومة أنها مستعدة لبيع الحنطة المكدسة في مخازنها إلى المطاحن الأهلية بسعر 410 آلاف دينار، ولا يبدو أن ثمة زبائن كثر على باب باعة الحكومة.. صاحب مطحنة أهلية في واسط استخدم عبارة “الحكومة تريد تكربس الحنطة براسنا”.. وآخر قال إنه “لا يشكر هذا العرض غير السخي” أما الخبراء فيندر أن يعرب أحدهم عن تفاؤله بجدوى العرض، فلماذا وصلنا إلى هنا؟ ولماذا لا يبدو العرض الحكومي مغرياً؟

وكانت الحكومة العراقية قد أعلنت إلغاء الخطة الزراعية لهذا الموسم بالنسبة للزراعة المعتمدة على الأنهار، والاكتفاء بشراء محاصيل مزارعي المياه الجوفية بالسعر المدعوم (800 ألف دينار للطن)، لكن سياسيين أقاموا حملاتهم الانتخابية على وعود باستثناءات لهذه المحافظة أو تلك وإصدار قرار جديد بشراء محاصيل الأراضي المعتمدة على النهر.

أهداف نبيلة لكن بفوائض محيرة!

وتشتري الحكومة طن الحنطة من المزارع العراقي بنحو 800 ألف دينار (600 دولار) وهو أضعاف سعر الحنطة المطروحة في البورصات العالمية “ويستهدف السعر المدعوم في العادة تشجيع المزارعين على الزراعة، ثم تتولى الحكومة طحن الحنطة في المطاحن الحكومية والأهلية وتوزع الطحين في الحصة التموينية للمواطنين بسعر شبه مجاني قد يصل إلى بضع دولارات للطن الواحد وتستهدف هنا الحفاظ على سعر الرغيف” وفقاً لمدير دائرة الرقابة التجارية والمالية في واسط علي نعمة سلطان.

ورغم “الأهداف السامية” المعلنة في دعم اازراعة وخفض سعر الخبز، لكن هذه الطريقة تواجه الكثير من الانتقاد، خاصةً وأنها تقود إلى “تورط” الحكومة بأطنان فائضة من الحنطة، اشترتها بسعر مرتفع للغاية، ويقول الخبير الاقتصادي عباس الشمري إن “بغداد لم تنجح في محاولات تصدير الفائض إلى تونس مثلاً، ولذا فقد بدأت بالتبرع هنا وهناك، ويبدو أن قرار البيع للمطاحن بالسعر المدعوم (نحو 310 دولار) جزء من محاولات التخلص من هذا الفائض”.

العرض لم يكن مغرياً للمطاحن

وفي العادة.. تتولى المطاحن الأهلية طحن الحنطة لتجهيز الحصة التموينية بلا ثمن مالي، بل تحصل مقابل خدماتها على 17% من كمية النخالة التي تفرزها عملية الطحن، وتقوم المطحنة ببيعها كأعلاف والاستفادة من ثمنها.

وفي واسط على سبيل المثال 9 مطاحن، جميعها مصممة لإنتاج طحين الدرجة الأولى المعتمد في الحصة التموينية، أجرى أصحاب المطاحن حسابات “بالورقة والقلم” وتوصلوا إلى أن طن النخالة يُباع بسعر 380 ألف دينار، أما سعر بيع طن طحين الدرجة الأولى فهو يتراوح بين (450) و (500) ألف دينار في أقصى تقدير، وهذه الأسعار لا تجعل شراء طن الحنطة من الحكومة إلا طريقاً مضموناً للخسارة المحققة! خاصةً مع ارتفاع كلف تشغيل المطحنة الواحدة بين أجور العمالة والخدمات والضمان والضرائب والمواد الأولية بكافة أنواعها، أما تحويل الحنطة إلى علف فيتسبب بخسارة تصل إلى 50 ألف دينار في الطن بعد احتساب التكاليف.

تطبيق القرار يحتاج إلى قرار!

مع ذلك.. يمكن تحقيق بعض الأرباح المحتملة إذا اشترت المطاحن الأهلية الحنطة بالسعر الذي تقترحه الحكومة (410 آلاف دينار) لكن إذا قامت حصراً بتحويله إلى طحين صفر (زيرو)، ويغدو هذا المسار أكثر تعقيداً لأن كل مطاحن واسط مصممة لانتاج طحين الدرجة الأولى الذي يُشحن إلى السلة الغذائية، أما انتاج طحين “الصفر” الأعلى ثمناً في السوق، فيتطلب استبدال جميع الخطوط الانتاجية الحالية “وهو أمر مستحيل لأنه يحتاج مليارات الدنانير من أجل إيقاف الخطوط القديمة واستبدالها بخطوط زيرو” بما يعني أن الحكومة مطالبة بتخصيص حزمة دعم وتطوير لأصحاب المطاحن.

هل تستفيد كردستان وبغداد؟

مع ذلك.. يعتقد كثير من الخبازين في الوسط والجنوب أن الطحين الذي يشترونه بوصفه “تركياً” ربما يكون “كردياً” قادماً من مطاحن إقليم كردستان، ويعتقد بعض التجار أن مطاحن الإقليم أبرمت شراكات مع مطاحن تركية وحدثت خطوط الانتاج بما أتاح لها إنتاج طحين الصفر بجودة عالية تضاهي التركي، كما يتوقع بعض المتحدثين أن تستفيد بغداد أيضاً من قرار بيع الحنطة للمطاحن مع احتمالية وجود مطاحن متقدمة في العاصمة بإمكانها إنتاج “الزيرو” وبيعه بأسعار مربحة.

اكتفاء الحنطة لا يعني اكتفاء الطحين!

يتجاوز إنتاج العراق 5 ملايين طن من الحنطة وفقاً للموسم الأخير، وتعلن الحكومة للعام الثالث على التوالي الاكتفاء الذاتي من الحنطة، لكن الخبازين لا يشاطرون الحكومة “حالة الاكتفاء هذه” وبزيارة إلى أي مخبز في منطقة عشوائية، سيلاحظ وجود الطحين التركي، يقول الخبازون إن الطحين العراقي أسمر ويحتاج إلى نخل و”سيال وليس خباز” وهو مصطلح بين الخبازين، بمعنى أنه لا يصلح تماماً للخبز، ويحتاج إلى خلط كيس (50 كغ) من الطحين التركي مع كل كيسين من الطحين العراقي، ولذا فإن استيراد الطحين التركي لا يتوقف حتى مع إعلان الاكتفاء من الحنطة.

مواجهة الحقيقة اليوم أفضل من الغد

يبدو الخبراء من خارج أجواء الحكومة أكثر وضوحاً وقسوة في الانتقاد.. ومنهم عباس الشمري الذي يقول بوضوح إن سعر شراء الحنطة من الفلاح العراقي يجب أن ينخفض فوراً إلى (600) ألف دينار، بدلاً من (800)، على أن يستمر الانخفاض التدريجي بغرض التمهيد لجعل الفلاح يتقبل عمليات خفض الأسعار المستقبلية.

“الأيام الصعبة لم تبدأ بعد” وفق التحذيرات.. يقول الشمري إن البلاد عيش هذا الموسم بالتحديد حالة وضع إشكالي مركب يتألف من 3 عناصر هي: شحة المياه، والأزمة المالية، وضغوطات المزارعين، وجميع هذه الإشكالات تجتمع شكلاً ومضموناً في محافظة واسط، فالفلاحون يتظاهرون لزيادة الخطة الزراعية، كما أن الدولة ما زالت عاجزة عن سداد أجور الحنطة من العام الماضي.

وينصح الشمري بالاستعجال في اتخاذ قرار تخفيض سعر طن الحنطة المسوق من المزارع لتحقيق موازنة فعالة بين الأمن الغذائي والأمن المائي، بدلاً من ترك المشاكل معلقة وتوريثها من حكومة إلى أخرى.

"كويسنجق 4" و"كويسنجق 18" أصناف جديدة من الحنطة انتجها مركز أبحاث في أربيل

الموافقة على بيع الحنطة المحلية للمطاحن الأهلية بـ410 آ...

الموافقة على بيع الحنطة المحلية للمطاحن الأهلية بـ410 آلاف دينار للطن