كيف تدحرج الأمر إلى هنا؟
تفاصيل التوتر بين الصدر والحكيم ووسيط تهدئة على خط حنانة – جادرية
بالنسبة لشريحة كبيرة من الجمهور فإن آخر ما تحتاجه البلاد هو توتر جديد بهذا المستوى يُضاف إلى الانسداد السياسي.
حتى الآن بقي التوتر بين التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر، وتيار الحكمة بزعامة عمار الحكيم، محصوراً بالبيانات والتغريدات من الحسابات الثانوية والمكاتب الإعلامية وبعض التراشق الطبيعي بين الأنصار، حتى أن تيار الحكيم لم ينشر آخر بياناته على أي من منصاته الرسمية مفضلاً الصمت، واكتفت كوادره بتوزيع البيان التوضيحي على الصحافة بشكل مباشر دون نشر، أما منصات الحكمة الرسمية فكانت تبث مشاهد من العزاء الذي أقامه مكتب الحكيم على رحيل “عميد أسرة آل الصدر السيد محمد هادي الصدر”.
ووفقاً للمصادر فإن الجهود مستمرة لتطويق الأمر سريعاً، خصوصاً مع حساسية الأوضاع الداخلية والإقليمية. وأكد متحدث من أحد الطرفين إن المساعي مستمرة لإيقاف التراشق عند هذا الحد، متحفظاً على الإدلاء بمزيد من المعلومات عن “جهد يقوم به وسيط لتوضيح الرؤية وإزالة اللبس بين الطرفين”.. أما القصة فقد تدحرجت من محاولة اعتيادية لاستضافة مدير بلدية النجف إلى هذا الاحتكاك اللفظي الإلكتروني بين التيارين البارزين.
ومنذ أيام ينشغل العراق بخبر “عقار التسفيرات، أو الأمن العام، الذي اشتراه تيار الحكمة بسعر 10 آلاف دينار بدل سعره الملياري” وهي الحملة التي بدأها عضو مجلس النجف أكرم شربة، لكن ما كان يمكن السيطرة عليه داخل جلسة استضافة لمدير البلدية انفجر إلى الخارج بوثائقه وتواقيعه حتى إقحام مؤسسة الصدر والحنانة في القضية حين قامت صفحات بنشر وثيقة عن تعاملات عقارية على صلة بمؤسسة الصدر، فكيف بدأ الأمر وإلى أين انتهى؟
الجلسة التي أغضبت شربة
في 21 نيسان 2026، تقدم رئيس لجنة البلدية في مجلس محافظة النجف أكرم شربة، بطلب لاستضافة مدير بلدية المحافظة كرار مواش، المحسوب على تيار الحكيم، إلا أن معظم أعضاء المجلس قاطعوا الجلسة ولم يكتمل النصاب، فيما امتنع مواش عن الحضور، الأمر الذي أثار غضب شربة.
وقال شربة في منشور على صفحته في “فيسبوك”، إنه تلقى عدداً لا يحصى من الاتصالات لإلغاء الاستضافة، وعندما أصر على الاستضافة، قاطع أكثر من نصف الأعضاء الجلسة، وعلق ساخراً بأنها كانت مجرد محاولة للاستضافة والاستماع “هل ستهاجرون خارج العراق إذا طالبنا بالإقالة؟”.
وفي فيديو آخر، هاجم شربة مجلس المحافظة “البائس”، وخضوع أعضائه للضغوطات وعدم حضور الجلسات المصيرية والمهمة، مشيراً إلى أنه يفضل العمل خارج المجلس كما كان سابقاً كناشط متطوع.
مجلس النجف يحيل شربة إلى لجنة السلوك
أثارت تصريحات شربة غضب مجلس المحافظة، فقرر في جلسته الاستثنائية، يوم الخميس (23 نيسان 2026)، تشكيل لجنة “سلوك وانضباط” للتحقيق في تصريحاته للإعلام.
قرر المجلس تشكيل لجنة تحقيقية ثلاثية ضمت الأعضاء (حسن أبو السبح، وماجد حاكم كاظم، ومحمد علي الحسناوي)، لمتابعة “الحيثيات القانونية لتصريحات شربة”، على أن ترفع اللجنة توصياتها النهائية إلى رئاسة المجلس “بالسرعة الممكنة لاتخاذ الإجراءات المتبعة وفق النظام الداخلي”.
شربة “ينتقم” من مدير البلدية والحكمة
وتصاعدت حدة الجدل في النجف، بين عضو المجلس أكرم شربة، من جهة، ومدير البلدية المحسوب على تيار الحكمة من جهة أخرى، فباشر شربة بفتح ملفات البلدية عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وبدأ بملف منح قطعة أرض تبلغ مساحتها نحو 3000 متر مربع وتقدر قيمتها بنحو 30 مليار دينار مجاناً، وقال شربة إن “مؤسسة شهيد المحراب القريبة من تيار الحكمة حصلت على الأرض بسعر 10 آلاف دينار”.
ويقع العقار – وفق شربة- ضمن موقع مديرية الأمن السابقة (التسفيرات حالياً)، ويبلغ سعر المتر الواحد فيه نحو 10 ملايين دينار، ما يرفع القيمة الإجمالية إلى نحو 30 مليار دينار.
وأكد شربة أن التخصيص جرى في زمن المحافظ الحالي يوسف كناوي ومدير البلدية كرار عبد الحمزة مواش، وأنهما محسوبان على تيار الحكمة، وطالب بإبقاء الأرض للملك العام وتخصيصها لمشاريع خدمية.
الحكمة: نريد بناء متحف يخلد جرائم صدام
ومساء الجمعة (24 نيسان 2026) رد تيار الحكمة ببيان رسمي تلقت شبكة 964 نسخة منه، جاء فيه إن “الأرض تم منحها من الحكومة بشكل مجاني باعتبار مؤسسة الشهيد المحراب مؤسسة دينية خيرية غير ربحية، كانت ترعى 250 ألف يتيم يستلمون كفالتهم من المؤسسة، فضلاً عن دعم مئات الجوامع والحسينيات والمواكب الحسينية”.
وأوضح البيان أن التيار يخطط لبناء مشروع يحتوي على متحف يوثق جرائم الحقبة الصدامية ضد علماء ومرجعيات النجف، مشيراً إلى أن فكرة المشروع انطلقت عام 2003، وتم تقديم الطلب الذي حصل على موافقة رئيس الوزراء عام 2005، إلا أن المطالبة بالأرض تأخرت بسبب وجود منشأة تابعة لوزارة الداخلية داخل الموقع، والتي طلبت بدورها تأجيل الإخلاء لحين الانتقال إلى مقر جديد، وهو ما تأخر قرابة 21 عاماً حتى اليوم.
وختم المكتب الإعلامي بالتساؤل: “لمصلحة من يُمنع إقامة متحف يوثق جرائم صدام ضد أهالي النجف وعلمائها؟ ولمصلحة من يُمنع إقامة مدرسة دينية ومكتبة تحتضن تراث أهل البيت؟”، مضيفاً: “اللهم اشهد أن القوم استماتوا دفاعاً ليس عن الأرض وإنما عن أصل المشروع الديني”.
شربة يرد بوثيقة: اللجنة أثبتت الضرر المالي
إلا أن شربة أوضح بأن الكتاب الصادر عن رئاسة الوزراء في عام 2005، لا يتضمن تسجيلاً رسمياً في دوائر التسجيل العقاري، فضلاً عن وجود اعتراضات سابقة حالت دون تنفيذ التخصيص رغم تعاقب عدة محافظين و10 مدراء بلدية.
وبين أن لجنة مختصة كانت قد أعدت محضراً أولياً أشارت فيه إلى وجود “ضرر مالي أصاب مديرية بلدية النجف”، قبل أن يتم إعداد محضر آخر تضمن عبارة تفيد بعدم إمكانية تقييم وجود الضرر من عدمه، معتبراً أن هذا التغيير يثير تساؤلات، خصوصاً بعد تسجيل اعتراض من هيئة النزاهة التي دعت إلى فتح تحقيق إداري في سبب تغيير رأي اللجنة.
وأوضح شربة أن التحقيق الإداري الذي أُجري في ديوان المحافظة -في عهد المحافظ يوسف كناوي- خلص إلى عدم وجود ضغوط على اللجنة، وأن أعضاءها غيّروا رأيهم بشكل طوعي، مؤكداً أن الملف ما زال يثير جدلاً بشأن حماية المال العام في المحافظة.
إقحام الصدر وبدء التوتر
في الأثناء.. بدأت حسابات بتداول وثيقة موقعة باسم أمين عام مجلس الوزاء المحسوب على التيار الصدري حميد الغزي، وفي الوثيقة تفاصيل شراء مؤسسة الصدر عقارات في مركز النجف من البلدية وإطفاء ديون، وهو ما أثار غضب محيط الصدر من إقحام الحنانة في الإشكال بين شربة وتيار الحكمة.
ونشر حساب “صالح محمد العراقي” وهو الحساب الثانوي للصدر، معلومات مقتضبة حول الوثيقة، وقال إنها تتحدث عن مساحة أرض تبرعت مؤسسة الصدر ببعضها إلى العتبة العلوية بأمر مباشر من زعيم التيار مقتدى الصدر، وهي بالأصل مساحات عقارية تابعة إلى “براني – مكتب” المرجع محمد محمد صادق الصدر، وشنّ الحساب الصدري هجوماً على ما أسماه “الحكمة” و”الجادرية” وكبيرها “ثم واصل الهجوم والتلميح ضد تيار الحكمة.