وتوابيت "القيامة" دائماً إلى الشرق

مقبرة عراقية تعتمد الدفن المكشوف فما رأي علم الإسخاتولوجي؟

يتتبع التقرير "مرحلة الانتقال" أو الموت عند المسيحيين العراقيين عبر حوارات مطولة توثق طقوس "الرحيل باتجاه الشرق".

برطلة (سهل نينوى) 964

لم تتمكن كاميرا شبكة 964 من تصوير غرف الدفن من الداخل في مقبرة القيامة التي تتوسط برطلة وبغديدا وكرملس، قرب كنيسة القيامة المدمرة، فالغرف مقفلة دائماً، لكن أحد القائمين على المكان يشرح كلامياً ما يبدو عليه المشهد في الداخل.

“ثمة حفرة كبيرة بحجم الغرفة وعمق سرداب، توضع فيها توابيت موتى العائلة واحداً تلو آخر مكشوفة بشكل عمودي دون إهالة التراب، وبإمكان غرفة بمساحة 16 متراً أن تتسع إلى عدد كبير جداً من موتى العائلة عمودياً على مدى أجيال”.

تبدو طريقة غير مألوفة في الدفن، إذ تبقى التوابيت مكشوفة دون دفن بالمعنى الحرفي، ويغدو الدفن هنا تعبيراً مجازياً.

يجري توزيع الغرف على العوائل أو العشائر، وتُقفل أبواب الغرفة بإحكام لمنع روائح التحلل.

يعتقد بعض أهل المدينة أن قلة المقابر المسيحية هي السبب باعتماد هذه الطريقة، لكن نينوى هي ثالث أكبر محافظة في العراق، ولا تنقصها المساحات!

نقلت الشبكة السؤال إلى رجال دين من قرقوش (بغديدا) وبرطلة، أكدوا أن الأمر لا يتعلق بضيق المساحة.

ومثل مئات التقارير التي أعدتها شبكة 964 عن حياة العراقيين فوق الأرض، يركز هذا التقرير على حوارات مع رجال دين عن طقوس ما بعد الموت لدى المسيحيين العراقيين.

حتى الحرق مسموح

يقول متحدث بمرتبة كنسية رفيعة، إن المسيحية لا تحدد طريقة بعينها للتعامل مع الجسد بعد الموت، فالدفن في التراب هي إحدى الطرق، لكن وضع التابوت في السراديب دون إهالة التراب هي أيضاً طريقة مسيحية قديمة ومعروفة ومشروعة.

يشير المتحدث إلى أن استمرار الدفن بالطريقة التقليدية بلا نهاية يعني امتلاء الأراضي كما يحصل في مدن كثيرة.

لا تفرض المسيحية تعاليم محددة أو معقدة بعد الموت، فحتى الحرق قد يكون جائزاً إذا تماشى مع قوانين البلاد التي يقيم فيها المؤمن كما يقول المتحدث.

وفي دليل على أن مسألة الدفن ليست شأناً دينياً بحتاً في المسيحية.. يقول الأكاديمي الموصلي نمرود قاشا إن كثيراً من الدول الغربية المسيحية تقوم ببيع القطعة المخصصة للدفن، مع تبليغ ذوي المتوفي بأن الوقت المخصص لها عدة سنوات يتم رفعها بعد انتهاء الوقت المخصص أو تقوم عائلة المتوفي بتجديد الفترة.

كما يشير إلى أن مجتمعات مسيحية تقوم بإحراق جثة المتوفي ووضع الرماد الناتج في حافظة زجاجية مخصصة لهذا الغرض تسلم لذوي المتوفي.

مع ذلك يذكّر قاشا بأن اعتماد اليهود والمسيحيين الأوائل بالدفن التقليدي هو قرينة مهمة في هذا النقاش.

موقف الكنيسة الأرثوذكسية والكاثوليكية من “حرق الجثث”

يرتبط الجدل بشأن الحرق والدفن بالفرق بين وجهات النظر الأرثوذوكسية والكاثوليكية الحديثة التي تتيح الحرق في بعض الموارد.

وخلال إعداد هذا التقرير والحوارات التي أجرتها الشبكة، أظهر رجال الدين الأرثوذوكس ميلاً أكبر نحو تأصيل الأفعال والطقوس والاطمئنان إلى جذرها الكتابي، ولذا فقد كانوا أقل حماساً للإقرار بجواز خيار الدفن السطحي أو الخارجي أو الحرق.

أما رجال الدين الكاثوليك فحاولوا التركيز على الجانب العملي، مثل توفير المساحة، ولا يمثل هذا الانطباع مواقف الطرفين الرسمية أو الموثقة بل ما بدت عليه الحوارات السريعة وما تركته من انطباع لدى غرفة التحرير.

ولا يتعلق الأمر فقط بالطوائف.. فبعد التواصل مع كنائس عراقية عديدة من البصرة وبغداد وأربيل، قال رجال دين كثر إن الأمر ليس متصلاً بالتعاليم الكنسية قدر اتصاله بتقاليد كل مدينة وما تقره الكنيسة المحلية وقوانين المقبرة، وتالياً فإن طريقة مقبرة القيامة ليست مطابقة لبقية المقابر التي تدفن بالطريقة التقليدية تحت التراب.

الجسد بعد الموت ليس بأهمية الحقيقة

يقول الأكاديمي الموصلي نمرود قاشا إن طريقة التخلص من أجساد الموتى ليست بأهمية الحقيقة الكائنة وراء مفهوم الدفن المسيحي، إذ لم يعد الجسد مسكن الشخص الراحل فالأجساد هي مجرد “خيمة”.

يستند قاشا إلى رسالة بولس الرسول إلى أهل مدينة كورنثوس اليونانية الثانية، وفيها:

“لأَنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّهُ إِنْ نُقِضَ بَيْتُ خَيْمَتِنَا الأَرْضِيُّ، فَلَنَا فِي السَّمَاوَاتِ بِنَاءٌ مِنَ اللهِ، بَيْتٌ غَيْرُ مَصْنُوعٍ بِيَدٍ، أَبَدِيٌّ”.

علم خاص بالموت.. “علم الإسخاتولوجي”

رجل الدين الشماس سدير اسكندر وهو من أهل سهل نينوى الأرثوذكس، لا يتفاعل مع فكرة الدفن الخارجي، ويقول إن دفن أجساد الموتى في التراب هو ما سارت عليه المسيحية منذ وقت مبكر، ويستشهد بسفر التكوين “لأَنَّكَ تُرَابٌ، وَإِلَى تُرَابٍ تَعُودُ” (تك 3: 19).

يرد رجل دين آخر من بغديدا بأن “سياق آية سفر التكوين عن العودة للتراب وعظي وليس المقصود منها إقرار تعليمات بل تذكير الإنسان بأنه سيغدو تراباً في النهاية”، فيما يبدو أنه تباين في التفسير.

يقول الشماس اسكندر إن اللاهوت المسيحي “يحتوي علماً يُعرف بعلم الإسخاتولوجي، وهي كلمة يونانية تعني (علم الآخرة)، ويدرس الحياة بعد الموت والأحداث التي تليها من عقاب ومكافأة اعتماداً على الكتاب المقدس”.

يستشهد الشماس بقصة “لعازر والغني” في (لوقا 16: 19_31) للدلالة على مصير الإنسان بعد الموت، وفي القصة الشهيرة يعيش لعازر الفقير على فتات موائد رجل غني من جيرانه خلال الحياة الدنيا، وحين ينتقل الاثنان إلى العالم الآخر، يأخذ كل شخص جزاءه المناسب قياساً بطبيعة الحياة التي عاشها.

الدفن خارج التراب “مستحدث”

يشير الشماس إلى أن الدفن داخل التابوت عادة مستحدثة، فلم يكن من العادات الشائعة في العهد القديم، بل ارتبط بحالات استثنائية، مثل النبي يوسف: “ثُمَّ مَاتَ يُوسُفُ وَهُوَ ابْنُ مِئَةٍ وَعَشَرِ سِنِينَ، فَحَنَّطُوهُ وَوُضِعَ فِي تَابُوتٍ فِي مِصْرَ” (تك50: 26).

في حين كان الدفن يتم غالباً في التراب مباشرة أو في الكهوف، كما في مغارة المكفيلة، واستخدمت لاحقاً صناديق العظام الحجرية بعد تحلل الجسد.

ويؤكد الشماس أن طريقة الدفن خارج التراب خاطئة، كما أن أغلب الديانات والدول المتحضرة مازالت تدفن الجسد في التراب مباشرة.

القبور العالية للأثرياء والأرض للفقراء

وكان أكثر أشكال الدفن شيوعاً في الكتاب المقدس هو وضع أجساد الموتى في قبور أعلى سطح الأرض، بالنسبة للأثرياء، أما الفقراء، فكانت أجسادهم تدفن في جوف الأرض، ويقول الأكاديمي نمرود قاشا إن “المسيح الذي لم يكن يملك شيئاً دُفن في قبر مستعار وفقاً لمتى 27: 57-60” وذلك في إشارة إلى قصة “الدفن المؤقت في قبر كان قد أعده يوسف الرامي لنفسه قبل أن يقوم من الموت”.

واليوم طرأت بعض الاختلافات الشكلية بفعل تقدم الزمن.. ثمة مَن يضع صليباً فوق التابوت مثلاً، وآخرون كما في برطلة يضعون الصليب فوق القبر كرمز للانتصار على الموت، أما وضع حاجات الميت داخل قبره فيقول الشماس إنه “عادة خاطئة بلا أساس كتابي”.

باتجاه الشرق عند الولادة و”الانتقال”

يتجه الطفل بعد مولده وعند تعميده إلى جهة الشرق، وكذلك حين يرحل الإنسان يقوم رجال الدين بتوجيه الجثمان إلى الشرق أيضاً، وهو تقليد ليتورجي (طقس جماعي) عريق يرمز إلى انتظار “شمس البِر”.

ولا يفضل الشماس اسكندر استخدام مفردة الموت، بل الانتقال “لأن الإنسان ينتقل من مكان إلى آخر، وتنفصل روحه عن جسده، فيعود الجسد إلى التراب والروح إلى الله، فيما تحدد أعمال الإنسان مكانهُ في الفردوس أو في الجحيم”.

وتكتفي بعض الطوائف في آخر مرحلة برش الجسد بالماء فقط، فيما تقوم طوائف أخرى بطقوس إضافية، فكما يبدأ الإنسان حياته مولوداً بطقس كنسي يوم معموديته ويُمسح بالزيت كختم ويوضع نحو جهة الشرق، فإن الإنسان عند “انتقاله” يوضع في الكنيسة أيضاً ويُمسح بالزيت ذاته إشارة إلى ختم جديد يأخذه بعد انتقاله من هذا العالم الفاني.

ما هي طقوس الدفن عند المسيحيين في العراق؟

ويؤصل الشماس سدير جرجس اسكندر طقوس الدفن استناداً إلى الكتاب المقدس، فأول طقس دفن لميت يعود إلى دفن سارة زوجة النبي إبراهيم في مغارة المكفيلة، حيث ورد في سفر التكوين: “وَبَعْدَ ذَلِكَ دَفَنَ إِبْرَاهِيمُ سَارَةَ امْرَأَتَهُ فِي مَغَارَةِ حَقْلِ الْمَكْفِيلَةِ أَمَامَ مَمْرَا، الَّتِي هِيَ حَبْرُونُ، فِي أَرْضِ كَنْعَانَ” (تك19: 23)، ومن هنا بدأت القبور العائلية.

أما غسل الجسد، فورد في أعمال الرسل “وكان في يافا تلميذة اسمها طابيثا وحدث في تلك الأيام أنها مرضت وماتت، فغسلوها ووضعوها في علية” (أع9: 36-37)، وكان الميت يُكفَّن بكفن أبيض رمزاً للطهارة والنقاوة.

ومرة أخرى تقدم قصة “لعازر الفقير” في العهد الجديد دليلاً على التكفين، كما في إنجيل يوحنا “فَخَرَجَ الْمَيْتُ وَيَدَاهُ وَرِجْلَاهُ مَرْبُوطَاتٌ بِأَقْمِطَةٍ، وَوَجْهُهُ مَلْفُوفٌ بِمِنْدِيلٍ. فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: حُلُّوهُ وَدَعُوهُ يَذْهَبْ” (يو11: 44).

وحتى في شأن التعازي، يعود الشماس إلى الكتاب المقدس ليعثر على أصل الطقس “وَكَانَ كَثِيرُونَ مِنَ الْيَهُودِ قَدْ جَاءُوا إِلَى مَرْثَا وَمَرْيَمَ لِيُعَزُّوهُمَا عَنْ أَخِيهِمَا” (يو11: 19).

وتشمل مراسم الدفن إذن.. التغسيل والتكفين والتعطير، تليها صلاة الجنازة في الكنيسة التي تتضمن قراءات من الكتاب المقدس والمزامير وصلوات طلب الرحمة للميت “فالجسد مقدس أيضاً لأنه كان هيكلاً للروح القدس” وبعد الصلاة، يتوجه الكهنة مع الأهل إلى المقبرة لدفن الجثمان، حيث يُهال التراب على التابوت “كرمز لخلق الإنسان من تراب وعودته إليه”.

وتستمر التقاليد بعد الدفن، حيث يتوجه الأهل والأقارب إلى الكنيسة أولاً ومن ثم للمدفن للصلاة وإشعال الشموع، وفي اليوم الثاني والثالث والسابع ثم في اليوم الأربعين وفي ذكرى العام الأول، وتوضع علامة تعريفية فوق مدفن الميت تحمل اسمه وتاريخ ولادته ووفاته.

مقبرة عراقية تعتمد الدفن المكشوف فما رأي علم الإسخاتولوجي؟