الجدران تتذكر "مس بيل"

القصر الذي شهد ولادة العراق وإبحار سفن سادة آل ياسر لنجدة الجنوب

تروي جدران قصر السيد نور الياسري قصة ولادة مملكة العراق من الثورة وحتى الانضمام إلى العالم الحديث.

قرية سيد نور (المشخاب) 964

في مثل هذه الأيام من نيسان كانت 4 سفن تشق طريقها من قلب الفرات الأوسط إلى البصرة، على رأس كل سفينة رجل من أبناء سيد نور الياسري مع مجموعة مقاتلة، لنجدة عشائر الجنوب التي قررت مساندة القوات العثمانية ضد الإنكليز في معركة الشعيبة (12 نيسان 1915). وبعد 5 سنوات سيكون اسم سيد نور الياسري بين أبرز قادة ثورة العشرين، حتى تتويج الملك فيصل في 23 آب (المصادف عيد الغدير) عام 1921، ليصبح لاحقاً أحد أعضاء مجلس الأعيان واللجنة التأسيسية، وفي هذا القصر الذي وثقت شبكة 964 أطلاله اجتمع 120 من أهم شخصيات العراق عشائرياً ودينياً واجتماعياً وأكاديمياً لإطلاق ميثاق استقلال العراق الذي سيمهد لاحقاً لإنهاء الانتداب البريطاني، وفي تلك الغرف تجولت “مس بيل” كما تقول حكايا أهل المنطقة الذين مازالوا يتذكرون “كثرة رماد” السادة آل ياسر.

وبين حقول النخيل والعنبر والقمح في المشخاب، تنتشر قصور الياسري وأشرها قصره الرئيسي في منطقة طبر سيد نور والذي قصفه الإنكليز أثناء الثورة، وقرر نشطاء المشخاب وباحثون زيارة قصور الياسري هذا العام برفقة الصحفيين لإعادة التعريف بالأدوار التي لعبتها تلك المنطقة ورجالها، والأحداث الجسيمة التي شهدها القصر.

وقدم الباحثان الدكتور عدنان البرشاوي والدكتور فلاح الخزعلي، وصفاً مفصلاً لهذه القصور، إلى جانب استعراض أبرز الأحداث التاريخية التي شهدتها.

كثرة الرماد وهندسة لبنان

وتضم المشخاب عدداً من القصور التابعة لأسرة الياسري وأبنائه، كما تضم المدينة أكثر من عشرة قصور تعود لشخصيات معروفة من وجهاء العراق وقادة الثورة، من بينها عبد الواحد آل سكر، وعبد العباس آل مزهر، وتنتشر هذه القصور في مناطق أم عردة وطبر سيد نور.

ووثّقت كاميرا شبكة 964 بقايا الدخان والرماد في مطابخ قصر الياسري، والتي لم تكن تتوقف وهي إشارة للكرم والضيافة وكثرة الزوار، وكانت مساحة القصر 3 آلاف متر مربع وفيه أكثر من 10 غرف ومضيف وفناء كبير، وشُيّدت القصور على طراز قديم يعود إلى أوآخر القرن التاسع عشر، أي إلى الحقبة العثمانية. ويُقال إن بعض القصور في المشخاب، مثل قصر عبد الواحد آل سكر وقصر عبد العباس، صمّمها مهندسون من لبنان، ما جعلها تشبه إلى حد ما تلك النماذج المعمارية.

تحت قصف الطيران البريطاني

ويشير البرشاوي إلى أن القصر الرئيسي شُيّد بعد قدوم الياسري من الرميثة بين عامي (1860 -1890)، وكان في البداية مضيفاً كبيراً من القصب، ثم تعرّض للقصف من قبل طيران القوات البريطانية بعد ثورة العشرين، ليُعاد بناؤه عام 1890، ويزيد عمره اليوم على مئة عام، وكان بناءً واسعاً من 3 طوابق، تُقام فيه المجالس في شهر رمضان، ومواسم الحصاد، والمجالس الحسينية في محرم، إضافة إلى الاجتماعات السياسية والأحداث المهمة.

كما وثقت الكاميرا قصر حسين، أحد أبناء الياسري، الذي يبع 500 متر عن قصر والده ويتكون من طابق واحد وبأسلوب البناء القديم المشابه للطراز الشامي وبناه “خلفة” من النجف، وأبوابه من الخشب الصاج، والشبابيك من الحديد وفي سقف الصالة نقوش تشبه الحصيرة، وجميع غرفه مطلة على فسحة تسمى الحوش، ويتكون من تسعة غرف في الطابق الأول وأنشأ في أربعينات القرن الماضي.

3 حقب.. انتفاضة فالثورة ثم استقلال العراق

ويقول الباحث التاريخي عدنان البرشاوي لشبكة 964 إن معركة الشعيبة التي اندلعت في (12 نيسان 1915)، كانت من أهم الوقائع التي ظهرت فيها أدوار السيد نور الياسري الذي التقى بقائد الانتفاضة المبكرة محمد سعيد الحبوبي في هذا القصر، وأرسل 4 سفن شراعية، على متن كل سفينة أحد أبنائه مع المقاتلين، ووصلوا إلى معركة الشعيبة، حيث ساندوا القوات العثمانية في طرد القوات الإنكليزية من البصرة، وهو الحدث الذي سيمهد لاندلاع ثورة العشرين.

لاحقاً.. كانت اجتماعات التمهيد للثورة تُدار في هذا المكان، كما رُفع هنا أول علم للجهاد في مدينة المشخاب، وذلك بعد أحداث الثورة التي انطلقت شرارتها من الرميثة إثر اعتقال شعلان أبو الجون وشيوخ عشيرة الظوالم.

وبعد الثورة شهد القصر اجتماع نحو 120 شخصية دينية وسياسية واجتماعية مؤثرة، ووقّعوا ميثاق عهد الاستقلال، الذي انتهى بإخراج القوات البريطانية من العراق، وكان من أبرز الموقعين عليه شيخ الشريعة الأصفهاني ممثلاً عن المرجع الديني محمد تقي الشيرازي.

وعند تأسيس الحكومة العراقية وخروج القوات البريطانية، أصبح سيد نور الياسري أحد أعضاء مجلس الأعيان واللجنة التأسيسية لعدة دورات، إلى جانب شخصيات منها سيد علوان الياسري وداخل الشعلان الإبراهيمي، وفي الدورات اللاحقة عبد العباس المسير، وكذلك من المؤسسين الأوائل الحاج عبد الواحد الحاج آل سكر.

مس بيل كانت هنا

ومن الحكايا التي يتناقلها أهل المنطقة أن “المستشارة الإنكليزية الشهيرة مس بيل كانت قد خدمت في القصر 40 يوماً بصفة ممرضة”،لكن ما ينقله الباحث عادل الياسري يصوّب الرواية قليلاً، إذ يشير إلى لقاء بين مس بيل والياسري عند الملك فيصل قبل تنصيبه، تبدأ فيه المستشارة البريطانية بذكر أسماء خادمات في قصر الياسري، وحين يستغرب الزعيم العشائري ويستاء، تقول له مس بيل إنها دخلت قصره لتلقيح أهله من الجدري.

سلسلة قصور إلى كربلاء والكفل

الباحث في التاريخ فلاح الخزعلي أوضح لشبكة 964، أن قصر السيد نور، بحسب الروايات، يعود إلى عام 1885، ومنه انتشر أبناء السيد نور لاحقاً، ففي ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي شرعوا ببناء قصور أخرى في مناطق متعددة، منها قرية ضمري سيد نور، التي سُمّيت باسمه، وكذلك في منطقة برّية ومناطق أخرى. وبعض هذه القصور تهدّم، فيما لا يزال بعضها قائماً حتى اليوم، ويُقدَّر عددها بنحو 20 إلى 22 قصراً.

وكانت هذه القصور مراكز اجتماعية وثقافية تُعقد فيها اجتماعات أبناء العشائر والمثقفين، وتُستخدم كمدارس لأهالي المنطقة، وتُقام فيها مناسبات اجتماعية كبيرة بإدارة أبناء السيد نور، الذين عُرفوا بمكانتهم واحترامهم بين الناس.

وامتدت قصور الياسري إلى كربلاء، بين مرقد الإمام الحسين ومقام الإمام المهدي، واحتضن أيضاً تجمعات عشائرية وسياسية كبيرة، ولا تزال آثاره موجودة إلى اليوم، وقام ببناء عدد من الخانات، ومنها خان السيد نور في مدينة الكفل، الذي يستوعب أعداداً كبيرة من الزائرين.