964 تستعرض عقوبات الخزانة
من هونغ كونغ إلى الفلوجة.. كيف تطارد واشنطن شبكة إيران السرية؟
من معدات الليزر ومقاييس التسارع، إلى ناقلات النفط وشركات تموين السفن، وصولاً إلى عنوان في الفلوجة، تكشف الحزمة الجديدة من العقوبات الأميركية على إيران عن شبكة عالمية تقول واشنطن إنها تساعد طهران على تجاوز الحصار الاقتصادي، في تحرك لا يستهدف الشركات الإيرانية وحدها، بل الوسطاء الذين يشترون وينقلون ويموّلون ويخفون الوجهة النهائية للسلع والأموال.
وتستند الإجراءات إلى حملة تقودها وزارة الخزانة الأمريكية عبر مكتب مراقبة الأصول الأجنبية، وتوسعت هذه المرة لتشمل خمسة قطاعات قالت واشنطن إنها تستخدم في الالتفاف على العقوبات، هي الأصول الرقمية، والتكنولوجيا، والذهب، والطيران والشحن، مع إعطاء الخزانة صلاحيات أوسع لمعاقبة جهات أجنبية تنشط في هذه القطاعات أو تقدم خدمات للنشاط الاقتصادي الإيراني.
اللافت في تفاصيل الحزمة أن واشنطن لا تتعامل مع هذه الشركات باعتبارها كيانات متشابهة، بل تستهدف سلسلة كاملة تبدأ بالحصول على التكنولوجيا وتنتهي ببيع النفط وتحريك الأموال، ومن أبرز النماذج شركة “سويت أوشن الصناعية” في هونغ كونغ، التي قالت وزارة الخزانة إنها توسطت في شراء معدات بصرية وأجهزة ليزر ومعدات مختبرية لإيران، وهي تقنيات قد تبدو مدنية في أصلها، لكنها تستخدم أيضاً في التطبيقات العسكرية، فالمعدات البصرية والليزر يمكن أن تدخل في أنظمة القياس والاستشعار والتوجيه، بينما تستخدم أجهزة المختبر في اختبار المواد والمكونات وتطوير المنتجات.
ولم تتوقف الشبكة عند الشركة التي تقوم بالشراء، إذ قالت واشنطن إن شركات مرتبطة بها في الصين، وهونغ كونغ تولت عمليات التوريد وتحويل الأموال وإتمام الفواتير والشحنات، في نموذج يكشف الطريقة التي تقول الولايات المتحدة إن إيران تعتمد عليها للحصول على تقنيات لا تستطيع شراءها مباشرة بسبب العقوبات، حيث تنتقل السلعة من مورد آسيوي إلى شركة وسيطة ثم إلى جهة إيرانية، بينما تختفي هوية المستخدم النهائي خلف طبقات من الشركات.
في مثال آخر، استهدفت الخزانة شركة “بري لاين” اللوجستية في إيران، وقالت إنها سهلت شحنات إلى “منظمة الأبحاث والابتكار الدفاعية الإيرانية” وهي جهة مرتبطة بوزارة الدفاع الإيرانية، فيما امتدت شبكة الشركة إلى الصين وهونغ كونغ.
وتبدو أهمية بعض هذه المعدات بصورة أوضح عند الحديث عن مقاييس التسارع التي ذكرتها الخزانة ضمن المعدات التي جرى السعي إلى توفيرها لإيران، باعتبار أن الجهاز يقيس تغير سرعة وحركة الجسم واتجاهه، ويمكن استخدامها في أنظمة الملاحة والتوجيه، كما يدخل في الطائرات والصواريخ والمركبات المختلفة.
ماذا عن النفط؟
في الجانب النفطي، تنتقل المعركة الأمريكية إلى الحلقة التي توفر لإيران الجزء الأكبر من إيراداتها الخارجية، إذ استهدفت واشنطن شركات تعمل كوسطاء في نقل النفط أو تقدم خدمات للسفن التي تنقله، ومن بينها “فوسكوم” في الإمارات، التي قالت الخزانة إن مديرها عمل وسيطاً لسفن مرتبطة بجهات إيرانية خاضعة للعقوبات، فيما شملت الإجراءات شركة “أزور للشحن” في سنغافورة، التي قالت واشنطن إنها تعاونت مع شركة النفط الوطنية الإيرانية في عمليات نقل بحري بين سفن خاضعة للعقوبات.
وتسمي واشنطن ذلك “الأسطول السري”، فإيران لا تعتمد دائماً على ناقلات تحمل أسماء أو أعلاماً إيرانية، وإنما تستخدم سفناً وشركات مسجلة في دول مختلفة، ويمكن أن تنتقل الشحنة من سفينة إلى أخرى في البحر، أو تستخدم شركات وسيطة لإخفاء المالك الحقيقي ومصدر النفط، وهي أساليب سبق لوزارة الخزانة أن قالت إنها تستخدم لنقل النفط والمنتجات البترولية الإيرانية إلى الأسواق الآسيوية مع إخفاء منشأ الشحنة.
وتلاحق واشنطن أيضاً شركات تقدم خدمات لا تنقل النفط بنفسها، لكنها تساعد السفن على مواصلة عملها، ومن بينها “شيب أويل” التي تعمل في هونغ كونغ والإمارات، وقالت الخزانة إنها قدمت خدمات تزويد بالوقود لسفن تنقل النفط الإيراني.
وفي مستوى آخر من الشبكة، استهدفت وزارة الخزانة “ويلبريد”، وهي مجموعة تعمل في تجارة النفط والنافثا وغاز البترول المسال والمنتجات البتروكيماوية، ولها شركات في سنغافورة والإمارات وسويسرا، وقالت واشنطن إنها مرتبطة بمحمد حسين شمخاني، نجل مستشار الأمن القومي الإيراني الراحل علي شمخاني، وتعمل عبر هياكل تجارية متعددة في أسواق مختلفة.
100 مليون بالتشفير
ولا تقتصر الحملة على النفط والتكنولوجيا، إذ أدخلت واشنطن “الأصول الرقمية” إلى قلب استراتيجية العقوبات، بعدما قالت إن شبكات إيرانية استخدمت العملات المشفرة لتحريك الأموال بعيداً عن النظام المصرفي التقليدي، وكانت وزارة الخزانة قد أعلنت في وقت سابق من آب/أغسطس استهداف منصات عملات رقمية قالت إنها استخدمت لغسل مليارات الدولارات لصالح الحرس الثوري وشخصيات مرتبطة بالنظام، في وقت تقول فيه الوزارة إنها جمّدت مئات الملايين من الدولارات من العملات الرقمية المرتبطة بالنظام الإيراني خلال حملتها الأوسع.
أما في العراق، فتبرز حالة شركة “دادنغار ستارت أب ستوديو” وهي شركة تعمل في مجال برمجة الحاسوب، لكن وزارة الخزانة الأمريكية قالت إنها كانت بمثابة واجهة للحرس الثوري الإيراني، واستخدمت موقعاً إلكترونياً لجمع معلومات عن مواقع معدات أمريكية وإسرائيلية في الشرق الأوسط، في نشاط ذي طابع استخباراتي، فيما أظهر سجل العقوبات الأميركية عنواناً للشركة في الفلوجة بمحافظة الأنبار، إلى جانب عناوين أخرى في طهران وهولندا، وقد أدرجتها واشنطن ضمن عقوبات فرضت في 30 تموز/يوليو 2026.