جولة مع مهندسي الكلية التقنية
طائرات النجف “دگ النجف” والمحرك بذكاء صناعي.. طيارة أم قصر هدايا الجيش والإعمار
قد يرتبط اسم “دگ النجف” بسيارات الحمل والحافلات الأميركية التي كانت تصل إلى العراق “شاصي” في الأربعينات والخمسينات، ثم تصنع لها قوالب على يد الأسطوات في مدينة الفقه والتاريخ، لكن الإشارة التي تبدو ساخرة اليوم، تنطوي على اعتراف بخبرة فنية تحب المدينة تطويرها وهي مستويات هندسية جادة شاركت حتى في نهضة تجميع السيارات العراقية في بابل منذ السبعينات كما يوثق مؤرخو الصناعة في البلاد، أما اليوم فتفتخر الكلية التقنية الهندسية في النجف باستعادة خبرة مختلفة وتقول إنها الوحيدة على مستوى البلاد، التي تدرب الطلاب على فهم محركات الطيران وتفكيكها وهندستها، مستعينة بطرق حديثة وصلت إلى الذكاء الصناعي، وتستفيد خلال ذلك من نماذج شبه نفاثة ومروحيات تحصل عليها كهدايا من وزارة الدفاع والزراعة وهيئة الإعمار، حسب توضيحات مسؤولة أدلى بها الأساتذة لمراسل شبكة 964، الذي زارهم وتجول معهم في الورشة الأكاديمية بعرض كريم علمي مسؤول، بعد الضجة الكبيرة التي أثيرت حين إعلان هيئة المنافذ الحدودية اكتشاف طائرة قيل إنها “منسية أو مهربة” في حاويات أم قصر تعود للكلية نفسها، وتأويلات ربطت ذلك بعلاقة مع وزارة التعليم السابقة وهندسة المسيّرات، وسط ظروف الحرب التي كان العراق خلالها على ما يشبه “كف عفريت” سياسياً وحربياً، لكن هناك الكثير من العمل وراء ذلك أكاديمياً وهندسياً كما يبدو من الكلية المعترف بها رسمياً.
داخل أروقة الكلية التقنية
أجرت شبكة 964 زيارة إلى الكلية التقنية الهندسية في النجف، وتحدثت إلى المسؤولين في الجامعة عن التفاصيل التي تخص “طائرة التدريب النجفية”، خاصة بعد الضجة التي أحدثها ضبط طائرة التدريب من قبل هيئة المنافذ الحدودية في موانئ أم قصر، داخل حاوية شبه منسية في المخازن خلال شهر أيار من العام الجاري، رغم توضيح الكلية يوم السبت (23 أيار 2026)، أن الطائرة مستوردة لأغراض تعليمية واستوردت بشكل رسمي من كندا لصالح جامعة الفرات الأوسط التقنية، لتدريب طلبة قسم هندسة تقنيات الطيران..
وأكد عميد الكلية حسنين غني، لشبكة 964، أن الطائرة وصلت إلى العراق أواخر عام 2025 كهدية من هيئة إعمار النجف لتدريب الطلبة، إلا أن نقلها إلى الكلية تأخر بسبب الإجراءات الإدارية والموافقات الأصولية المطلوبة بين الجهات الرسمية، مشيراً إلى أن هذه طائرة المستورة وغيرها من الطائرات الموجودة في الكلية، تستخدم لتدريب طلبة قسم هندسة تقنيات الطيران، على اكتساب مهارات في الجوانب المتعلقة بميكانيكية الطائرات.
مختبر لصيانة الطائرات والمحركات
وفي هذا القسم النادر والوحيد في العراق، يقول رئيس قسم هندسة تقنيات الطيران علي شاكر، إن “هناك مجموعة من المحركات الخاصة بالطائرات، معظمها هدايا مقدمة من وزارة الدفاع والقوة الجوية العراقية، ومن بينها محركات لطائرات عسكرية، فضلاً عن هيكل طائرة PC-9 وطائرة مروحية من نوع Mi-8 مقدمة من وزارة الزراعة لأغراض التدريب”.
ماذا يدرس الطلاب في القسم؟
ولم تتوقف خطط القسم عند توفير الورش والمحركات، بل يؤكد رئيس القسم، علي شاكر، أن اللجان العلمية عملت على مدى سنوات لتحديث المناهج الدراسية بما يتوافق مع متطلبات سلطة الطيران المدني العراقي، ومعايير الوكالة الأوروبية لسلامة الطيران.
وأضاف شاكر أن مناهج القسم شهدت مؤخراً إضافة مواد نوعية ترتبط بتطبيقات الذكاء الاصطناعي في قطاع الطيران، لافتاً إلى أن هذا التأهيل يتيح للخريجين فرصة الالتحاق بالأكاديميات المتخصصة للحصول على رخصة العمل الرسمية من سلطة الطيران المدني، والتي تعد بمثابة شهادة مزاولة مهنة دولية في القطاع المدني.
المعهد التقني.. بوابة تصنيع الطائرات المسيرة
ويضم المشروع الأكاديمي للطيران في النجف مسارين متكاملين، الأول يتمثل بقسم هندسة تقنيات الطيران المتخصص بصيانة الطائرات ومحركاتها وأنظمتها الهندسية، والثاني قسم تقنيات الطائرات في المعهد التقني بالنجف الذي يركز على تصنيع الطائرات المسيّرة وإعداد الملاكات الفنية الخاصة بها.
وفي المسار الثاني، يدرس الطلاب ضمن المعهد التقني الذي يعد بوابة لتصنيع الطائرات المسيرة وتطوير تقنياتها، وهو المسار الذي أسهم في إنتاج أول دفعة من الطائرات العراقية المسيرة خلال سنوات الحرب ضد داعش. ويكشف رئيس جامعة الفرات الأوسط التقنية، حسن لطيف الزبيدي، لشبكة 964، أن الجامعة تمكنت بالتعاون مع وزارة الدفاع من تصنيع 6 طائرات مسيّرة عراقية بالكامل دخلت الخدمة خلال الحرب ضد تنظيم داعش.
وتطور عمل المعهد لاحقاً ليصل مجموع ما صنعه إلى قرابة 20 طائرة مسيرة، حيث يوضح رئيس القسم حازم علي، لشبكة 964، أن الورش تعتمد اليوم على التكنولوجيا الحديثة عبر استخدام برامج المحاكاة الهندسية، والطابعات ثلاثية الأبعاد لتصنيع الأجزاء البلاستيكية وخفض كلف الإنتاج، فضلاً عن استخدام منظومات شاشات ذكية لتدريب الطلبة على قيادة الطائرات المسيرة والسيطرة عليها بشكل آمن.
خريجون ومطارات حتى أفغانستان
وتشير إدارة القسم إلى أن معظم خريجي هندسة تقنيات الطيران التحقوا بالعمل في المطارات المدنية والعسكرية العراقية، فيما يواصل آخرون دراساتهم العليا ضمن برنامج الماجستير المتوفر في القسم. كما تستقبل الجامعة طلبة دوليين من بلدان عدة ضمن مبادرة “ادرس في العراق”، من بينهم طلبة من أفغانستان ونيجيريا، ما يعكس تنامي الحضور الأكاديمي للتخصص على المستوى الإقليمي.
كيف يحصل القسم على المحركات؟
وعن كيفية دعم الورش بالمعدات، يقول رئيس القسم علي شاكر، إن “معظم خريجي القسم في السنوات السابقة تم تعيينهم في المطارات المدنية والعسكرية، وأصبحوا اليوم حلقة وصل مهمة بين القسم والمؤسسات العاملة في قطاع الطيران، حيث يساهمون في تطوير المناهج الدراسية ودعم ورش ومختبرات القسم بالمعدات الخارجة عن الخدمة لديهم للاستفادة منها تدريبياً”.