تحليل من الدكتور هشام داود
الجنرال بيترايوس يعود: من صناعة المالكي وضرائب مختار العصر إلى عراق علي الزيدي
لقد صنع الجنرال ديفيد بترايوس عام 2006، نموذج “نوري المالكي الأول” قبل أن تفشل الخطة ويتحول إلى “مختار العصر”. هل يريد تكرار المحاولة اليوم مع علي الزيدي والوثوق بإمكانية طرد “أشباح مختار العصر”؟ يقدم الدكتور هشام داود وهو الأستاذ العراقي البارز في حقل الانثروبولوجيا السياسية، قراءة واسعة تتعمق في حقبة ما بعد صدام من خلال شخصية الجنرال ديفيد بترايوس وخططه التي خلطت الأمن بالسياسة والمقارنات الأكاديمية لتجارب مشابهة من تمردات وثورات وانهيارات عبر العالم، ويأتي هذا المقال بمناسبة الجدل الذي دار في الأوساط الإعلامية والسياسية العراقية حول أسباب عودة هذا الجنرال الأكاديمي والخبير إلى بغداد، كزائر أثار التساؤلات حين وصل بعد يوم واحد من تسلم رئيس الوزراء الجديد علي الزيدي منصبه. ويقدم هشام داود في هذا المقال قراءة متخصصة لشخصية ودور الجنرال الأميركي بوصفه أكثر من قائد عسكري؛ باعتباره نموذجاً لفكرة أميركية عن كيفية إدارة الفوضى وإعادة بناء الدولة في المجتمعات المتشظية. ويركز داود الذي يتولى البحث والتدريس منذ عقود في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي، على تجربة بترايوس في العراق منذ عام 2003، وخاصة عودته عام 2006 مع مشروع “السيرج / الطفرة العسكرية” والصحوات، ومحاولته قلب المعادلة التقليدية التي تقول إن الجيش الأميركي ينتصر عسكرياً ويخسر سياسياً. فقد سعى بترايوس إلى إعادة بناء مركز الدولة العراقية عبر فهم البنى العشائرية والاجتماعية، وإعادة إنتاج الشرعية السياسية، لا عبر القوة العسكرية وحدها.
كما يناقش الباحث العراقي، عودة بترايوس الحالية إلى العراق، لا بوصفه مبعوثاً رسمياً، بل كمستشار يعرض خبرته وأفكاره وتجربة مؤسسته الاستشارية في سوق إقليمية مفتوحة على الأمن والمال والنفوذ. وانطلاقاً من تجربته الطويلة، يطرح بترايوس، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، سؤالاً مركزياً: هل ما زال ممكناً إعادة إنتاج “مركز” قوي في عراق بات أكثر تشظياً وامتلاءً بالشبكات الميليشياوية والاقتصادات الريعية؟ وهل يمكن بناء سلطة ذات صدقية من دون احتكار فعلي للعنف المشرعن من قبل الدولة؟
مقال الدكتور هشام داود – ديفيد بيترايوس بين عراقين: جنرال مكافحة التمرد يعود إلى بلدٍ يبحث عن مركزه – خاص بشبكة 964:
من الجنرال ــ المثقف إلى مستشار السوق الأمنية
هناك شخصيات عسكرية تتحول، مع الزمن، إلى أكثر من مجرد قادة ميدانيين. تصبح الشخصية سردية كاملة عن تصور الدولة، والقوة، وإدارة الفوضى، وكيفية إعادة تركيب المجتمعات الممزقة. الجنرال ديفيد بيترايوس David Petraeus كان واحداً من هذه الشخصيات. وربما لهذا السبب بالذات، كلما عاد اسمه إلى العراق، عاد معه جزء من ذاكرة تلك السنوات: الاحتلال، الحرب الأهلية، الصحوات، صولة الفرسان، والجدل القديم حول الدولة العراقية: هل يمكن إعادة بنائها من الداخل، أم أنها تحولت منذ زمن إلى مجرد فضاء لتقاسم الغنائم والهويات والخوف المتبادل؟
في العراق، لا يزال جزء كبير من الطبقة السياسية، وحتى من الرأي العام، ينظر بسطحية إلى الولايات المتحدة بوصفها كتلة واحدة متماسكة: مقال في الواشنطن بوست أو النيويورك تايمس يُفهم سريعاً بوصفه “رسالة أميركية رسمية”، أو على الأقل تلميحاً صادراً عن الدولة العميقة. فكرة استقلال الصحافة، أو وجود مساحات للتجاذب بين الإعلام والبيت الأبيض والبنتاغون ومراكز التفكير والشركات، تبقى أحياناً بعيدة عن المخيال السياسي العراقي الذي تشكل تاريخياً داخل بنى سلطانية ومركزية، حيث يصعب تصور وجود خطاب نافذ لا يمر عبر السلطة التنفيذية ولجان الرقابة الوهمية أو لا يحظى برضاها الضمني.
وحين يتعلق الأمر بشخصية مثل بترايوس، يصبح الالتباس أكبر بكثير. فالرجل ليس مجرد جنرال متقاعد يزور بغداد ممثلاً لمؤسسة استشارية خاصة تنشط في الخليج أساساً ومعها العراق. إنه، بالنسبة لكثيرين، أحد صناع العراق الجديد بعد 2003، أو على الأقل أحد أبرز الذين حاولوا إعادة صياغة الطريقة التي تدار بها الفوضى العراقية. ولهذا لم تُقرأ زيارته الأخيرة كبروتوكول اعتيادي لرجل أعمال ـ مستشار، بل كعودة “فاعل تاريخي” يعرف العراق أكثر من غالبية سياسييه الحاليين. حتى لقاءاته مع شخصيات مثل رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان، أو رئيس البرلمان هيبت الحلبوسي، جرى تحميلها أكثر مما تحتمل: هل هو مجرد مستشار اقتصادي ـ أمني؟ أم ناقل أفكار ورسائل أميركية غير رسمية؟ أم رجل يسوّق خبرته وشبكاته وعلاقاته القديمة في سوق إقليمية مفتوحة على المال والنفوذ؟
في الواقع، هذه الازدواجية ليست غريبة عن الولايات المتحدة نفسها. كثير من الجنرالات والسياسيين والدبلوماسيين الكبار، بعد التقاعد، يتحولون إلى مستشارين ومحاضرين وأصحاب شبكات علاقات وضغط سياسي واقتصادي (أشهرهم زلماي خليل زاد، غالبريث، وغيرهم). بعضهم يعمل مع شركات سلاح، وبعضهم مع مؤسسات استثمارية، وبعضهم يفتح أبواباً للشركات الأميركية والأوروبية في بلدان مثل العراق والخليج والبعض الآخر يعمل مستشارا لدى السلطات المحلية. وبترايوس نفسه يتحرك اليوم داخل هذا العالم: عالم الاستشارة الأمنية والجيوسياسية، حيث تتحول الخبرة العسكرية إلى رأسمال سياسي ومالي. لذلك، فإن عودته إلى العراق تبدو، في جوهرها، أقرب إلى بيع الأفكار والاستشارات منها إلى مهمة رسمية مخوّلة من الإدارة الأميركية، حتى لو ظل العراقيون، بحكم تجربتهم وتصورهم للسلطة الأميركية، يقرأون كل حركة من هذا النوع كرسالة سياسية مقنّعة ومبطنة.
العراق كمختبر: الجنرال الذي أراد فهم المجتمع لا احتلاله فقط
لكن فصل هذا الدور الحالي عن تاريخه العراقي يكاد يكون مستحيلاً. لأن الرجل، بالنسبة للعراق، ليس مجرد جنرال سابق. إنه أحد أهم مهندسي التحول الأميركي في العراق بعد لحظة الانهيار الشامل بين 2005 و2007.
من المفيد هنا العودة عشرين عاماً إلى الوراء، ليس لفهم العراق فقط، بل لفهم بترايوس نفسه: كيف يفكر؟ ما السردية التي يؤمن بها؟ وما الذي ظل يحاول تمريره منذ دخوله العراق وحتى اليوم؟
حين دخل العراق عام 2003 قائداً للفرقة المجوقلة الشهيرة 101، لم يكن بعد جنرال الأربع نجوم الذي ستقدمه الآلة الإعلامية الأميركية والعالمية لاحقاً. لكنه منذ البداية بدا مختلفاً عن كثير من قادة الجيش الأميركي الداخل للعراق بمهمة رآها بوش الابن ذات بعد “سماوي تبشيري”. أُرسل إلى الموصل، لا ضمن قيادة العمليات في بغداد، وحاول ــ في حدود الاحتلال نفسه ــ الحفاظ على جزء من البنية الإدارية في المنطقة التي أشرف عليها. أبقى على مؤسسات محلية، وعلى إدارة محافظة نينوى وبلديتها، وبدأ بالتواصل مع الوجهاء والعشائر والفاعلين المحليين. لم يكن ذلك منسجماً تماماً مع مزاج المحافظين الجدد في واشنطن، ولا مع الرغبة الانتقامية لبعض القوى السياسية العراقية العائدة من المنفى، التي عملت على تفكيك ما تبقى من الدولة بالكامل تحت عنوان اجتثاث البعث، ثم ألقت، أمام هول الكارثة، المسؤولية على بول بريمر وحده.
في تلك اللحظة المبكرة، كان بترايوس قد بدأ يبلور قناعته الأساسية: لا يمكن إدارة مجتمع مركب مثل العراق فقط عبر القوة العسكرية الخام القادمة من خلف المحيطات. الدولة، حتى لو كانت مهشمة، تبقى ضرورة، وهي بحاجة إلى سرديات ومخيال ورموز لا يمكن ارتجالها. والمركز، حتى لو كان فاسداً أو مرتبكاً، لا يمكن تفكيكه بالكامل من دون إنتاج فراغ قاتل، مثلما حصل في العراق ولاحقاً في ليبيا.
تكوين أكاديمي.. حروب العصابات حتى تشكيل الصحوة
هذا التصور لم يكن نابعاً فقط من تجربته الميدانية، بل أيضاً من تكوين نظري وأكاديمي معقد. فالرجل، إلى جانب خلفيته العالية بالعلوم العسكرية، يحمل دكتوراه في العلاقات الدولية، وقرأ بعمق تاريخ حروب العصابات والثورات المسلحة، بما في ذلك حرب التحرير الجزائرية، وتجارب الاستعمار الفرنسي والبريطاني، وكيفية تعامل الجيوش الحديثة مع المجتمعات التقليدية. لم يكن جنرالاً تقنياً فقط، بل شخصية شديدة التسييس، تحاول فهم المجتمع المحلي بوصفه مراتب طبقية وبنية قرابية ورمزية وثقافية وعشائرية، لا مجرد “مسرح عمليات”.
هنا بالضبط تكمن خصوصية بترايوس. فالجيش الأميركي، منذ الحرب العالمية الثانية، ترسخت حوله معادلة شبه متداولة: يكسب عسكرياً أغلب المعارك، لكنه يخسرها سياسياً. ينتصر في الميدان، ثم يفشل في تحويل النصر العسكري إلى نظام سياسي قابل للحياة. بترايوس درس هذه المعضلة، وتوقف عندها في تكوينه الأكاديمي. وما حاول فعله في العراق، خاصة عبر ما عرف يومذاك بتعبير السيرج (surge) – الطفرة العسكرية أو زيادة الزخم، وتشكيل الصحوات، كان قلب هذه المعادلة: ليس الانتصار على خصمه فقط، بل إعادة هندسة البيئة الاجتماعية التي تمنح الخصم ملاذه، وقاعدته، وسرديته، وشرعيته المحلية. لذلك كان اهتمامه بالمجتمع المحلي، وبالعشيرة، وبالوجهاء، والاحياء السكانية، وحتى بالمختارين وباقتصاد الخوف والحماية، جزءاً مركزياً من تفكيره، لا مجرد زينة أنثروبولوجية لخطة عسكرية.
ولهذا جاء لاحقاً، خلال مرحلة “السيرج” أو الطفرة العسكرية، محاطاً بفريق من المستشارين المدنيين والعسكريين والأكاديميين، بينهم باحثون في الأنثروبولوجيا والاجتماع. كانت الفكرة تقوم على أن فهم القبيلة، والعشيرة، والديناميات المحلية، لا يقل أهمية عن فهم الخرائط العسكرية. وهنا ظهر دور شخصيات مثل ديفيد كيلكولن، العسكري والباحث الأسترالي الذي تحول إلى أحد أبرز العقول النظرية في مكافحة التمرد، وبقي مجهولاً إلا عند عدد قليل جداً ممن تابعوا كتاباته ومداخلاته ومهماته حول كيفية التعامل مع البيئات العشائرية وشبكات الولاء والعصبية المحلية.
مشاكله لا تنتهي من جامعات العراق إلى أكاديميات أميركا
غير أن هذا الاستقدام للأنثروبولوجيين لم يمر بهدوء في الجامعات الأميركية. فقد أثار زوبعة احتجاجات واسعة، لأن كثيرين رأوا فيه عودة لشبهة قديمة: تماهي الأنثروبولوجيا مع سياسات الهيمنة، وتحويل معرفة المجتمعات المحلية إلى أداة في يد القوة العسكرية الغازية. ومن يعرف الحقل الأميركي اليوم المشحون بالتصورات السياسية التحريرية واليسارية وأفكار ما بعد الكولونيالية والجندر يدرك أن في الولايات المتحدة وحدها آلاف الأنثروبولوجيين المهنيين، ومع ذلك فإن من قبلوا العمل مع برامج بترايوس لم يكونوا إلا عدداً محدوداً جداً، لا يتجاوز بضع عشرات، ومن مراتب أكاديمية متفاوتة. المشكلة، في رأيي، لا تكمن فقط في هذه التعبئة الأكاديمية المحدودة جداً إلى جانب القوة العسكرية، بل في المقابل، العراقي الغائب تماما: غياب أي معرفة مؤسسية عراقية بقيمة العلوم الاجتماعية في ظروف النزاع، وكيف يمكن لفهم المجتمع أن يساعد في إدارة الأزمات، لا في قمعها فقط. مأساة العراق لم تكن فقط أن الأميركيين درسوا المجتمع العراقي لأغراض السيطرة، بل أن العراقيين أنفسهم لم يدرسوا مجتمعهم بما يكفي لفهم آليات تفككه وإعادة إنتاج سلطته. ومؤسساتنا الرسمية وما تبقى من فكرنا الاكاديمي لم يبذل جهداً لفهم “الآخر” الذي كان يعيد تشكيل بلادنا. لم يكن ينبغي أن تُقرأ مقاربة بترايوس بوصفها مجرد خطة عسكرية، بل كان المطلوب فهمها كمشروع لإعادة إنتاج السلطة في مجتمع متشظٍ. كان الرجل، في الجوهر (لا نعرف إن كان حالما)، يحاول إعادة بناء مركز قادر على فرض معنى للسلطة، لا مجرد احتكار السلاح.
السيرج.. الصحوات.. صناعة “المالكي الأول”
في تلك السنوات، كان العراق ينهار بسرعة مذهلة. الحرب الطائفية تحولت إلى حرب أهلية محدودة في مدن ومناطق وأحياء، خاصة في بغداد العاصمة وبعض مدن المناطق الوسطى. الدستور مرّ تقريباً من دون مشاركة سنية فعلية. الحكومات الأولى تصرفت بوصفها حكومات المنتصرين. الجماعات المسلحة نمت في كل اتجاه: قوميون وبعثيون متأسلمون، سلفيون، جهاديون، فصائل مسلحة شيعية، شبكات تهريب، وعشائر مسلحة. المنطقة الخضراء نفسها بدت كأنها الدويلة الوحيدة المتبقية على رقعة أقل مساحة من إمارة موناكو. وبغدادُ علي بن الجهم تُغلق فضاءاتها الاجتماعية والترفيهية منذ الثانية أو الثالثة ظهراً، فيما كان دجلةُ الجواهري يلفظ الجثث بدل الأسماك!
في تلك اللحظة، اقتنع أخيراً الرئيس الأميركي جورج بوش الابن بأن مشروعه الشرق أوسطي يتجه نحو كارثة. ولم يعد هذا الشعور مقتصراً على خصوم الحرب فقط، بل بدأ يتسلل حتى إلى شخصيات أميركية من الصف الأول ممن دعمت غزو العراق منذ البداية، وإن اختلفت مواقعها السياسية والحزبية. ففي تلك المرحلة، أخذت ترتفع داخل واشنطن أصوات تدعو إلى حلول أكثر تبسيطية، لكنها شديدة الإشكالية، تقوم على الاعتراف الضمني بفشل بناء دولة عراقية فيدرالية موحدة طوعيا. ومن أبرز هذه الطروحات مشروع جو بايدن، الذي كان حينها رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي، والذي دعا عام 2006 (وهو العام ذاته الذي عاد فيه بترايوس إلى العراق) إلى تقسيم البلاد فعلياً إلى ثلاث مناطق كبرى ضمن إطار كونفدرالي فضفاض. كان ذلك الطرح يعكس، في جوهره، قناعة متزايدة داخل بعض دوائر القرار الأميركي بأن العراق يتجه نحو تفكك يصعب احتواؤه عبر الصيغة التقليدية. في هذه الاثناء عاد بترايوس إلى قلب المشهد، وتبعه بعد عام السفير رايان كروكر، في واحدة من أكثر اللحظات حسماً في تاريخ الاحتلال الأميركي للعراق.
كانت فكرة بترايوس، في جوهرها، شديدة البساطة والخطورة في آن واحد: لا يمكن مواجهة التفكك بتفكيك إضافي. في دولة ريعية ومركزية شديدة مثل العراق، ينبغي إعادة تقوية المركز، لا إضعافه أكثر. لكن لا يمكن لهذا المركز أن يكون مجرد مؤسسة بيروقراطية؛ بل سلطة تفهم معنى الرضا والقبول بها، بالمعنى الأنثروبولوجي والفيبري للكلمة، وتحتفظ في الوقت نفسه بإمكانية العروج إلى العنف المُشرعن عند الحاجة. هذا يقتضي بناء مؤسسات مخولة بممارسة هذا العنف المشرعن، لا تركه موزعاً بين الميليشيات والجماعات والفصائل والشبكات التهريب والجريمة المنظمة.
هكذا وُلد “المالكي الأول” بوصفه نتاج لحظة أميركية ـ عراقية معقدة. الرجل الذي كان قبل سنوات قليلة يحلم بمنصب محلي محدود، وجد نفسه فجأة مدعوماً من أكبر قوة عسكرية واقتصادية في العالم. ولم يكن آباء الاطار التنسيقي هم من صنعوا تلك اللحظة، بل شبكة من السياسيين العراقيين ومن الجنرالات الأميركيين: سانشيز، بترايوس، جون آلن، ستانلي ماك كريستال، ريموند أوديرنو، وغيرهم.
ثم جاءت “صولة الفرسان”، اللحظة الحقيقية التي أرادها بترايوس اختباراً لمصداقية الدولة العراقية الناشئة بعد حقبة البعث: هل تستطيع السلطة أن تواجه الجماعات المسلحة القريبة منها مذهبياً قبل أن تواجه خصومها البعيدين؟ بالنسبة له، كانت هذه هي لحظة إنتاج الشرعية. الدولة، لكي تُصدَّق، لا يكفي أن تقمع خصومها التقليديين؛ عليها أن تظهر قدرتها على ضبط “أبنائها” أيضاً، وعلى الخروج من منطق الجماعة إلى منطق المؤسسة. لكن المفارقة العراقية عادت لتبتلع التجربة نفسها، إذ انتهى “رجل الدولة المحتمل”، بالتحول إلى “مختار العصر”، وأحد أكبر رعاة الفصائل والشبكات المسلحة، كما صرح بذلك مرات.
ومع ذلك، تبقى استراتيجية “السيرج” والصحوات من أكثر التجارب التي يعتبرها الأميركيون نجاحاً نسبياً في العراق. فقد تمكنت، ولو مؤقتاً، من عزل الجهادية الراديكالية وتقليص قاعدتها الاجتماعية عبر تحالفات عشائرية ومحلية معقدة. ولم يكن ذلك انتصاراً عسكرياً صرفاً، بل كان محاولة لإعادة توزيع الولاءات، وشراء الوقت، وتحويل الخصوم المحليين إلى شركاء ظرفيين، وفصل “التمرد المحلي” عن “الجهادية المعولمة”. بهذا المعنى، كانت الصحوات درساً في السياسة أكثر منها درساً في الحرب.
من وكالة الاستخبارات إلى السوق المفتوحة للاستشارات
بعد ذلك، صعد نجم بترايوس أكثر: أفغانستان، ثم وكالة الاستخبارات المركزية أثناء الأزمة الليبية، ثم الهالة الإعلامية والسياسية التي جعلته يبدو، لفترة، مرشحاً رئاسياً محتملاً؛ ربما الجنرال الأميركي الأكثر تسييساً منذ آيزنهاور. غير أن قبوله بمنصب مدير وكالة المخابرات المركزية ربما كان واحداً من أخطائه الكبرى. فالرجل الذي صنع صورته في الميدان، وفي إدارة الحرب والسياسة معاً، دخل مؤسسة استخبارية شديدة الحساسية في فترة لم تكن فيها إدارة أوباما تكنّ له وللعساكر تقديراً كبيراً. هناك، في ذلك العالم المغلق، لم يسقط بترايوس بقذيفة جهادية ولا بكمين عراقي أو أفغاني، بل بضربة عاطفية. سُرّبت مغامراته مع حسناء من المشرق العربي، فتحولت كاريزما الجنرال النجم إلى مادة أخلاقية وإعلامية على الطريقة الامريكية، وضُربت صورته في مكان لم يكن يتوقعه: لا في ساحة حرب، بل في منطقة هشة من شخصيته.
بيترايوس يعود إلى عراق الميليشيات والريع والخوف المتبادل
واليوم يعود بيترايوس إلى عراق مختلف ومتشابه في آن واحد: أقل احتراباً اهليا، لكنه أكثر تشظياً من الداخل؛ أقل انهياراً مؤسساتياً ظاهرياً، لكنه أكثر امتلاءً بالشبكات والفصائل والاقتصاد الريعي والميليشياوي الموازي. عراق يبدو فيه المركز قائماً شكلياً، لكنه موزع عملياً بين قوى متعددة لا أحد يعرف بدقة أين يبدأ نفوذها وأين ينتهي.
لهذا تبدو عودة الجنرال المتقاعد الى العراق مثيرة لكل هذا الجدل. فالرجل الذي حاول قبل عشرين عاماً إعادة بناء مركز الدولة العراقية يعود اليوم ليبيع نصائح جديدة واستشارات حول كيفية تقوية ذلك المركز ومنحه صدقية أكبر. قد يُحمل أفكاراً قريبة من المزاج الرسمي الأميركي العام، وقد يقول أشياء ترغب بعض دوائر واشنطن في إيصالها من دون إحراج دبلوماسي، لكن ذلك لا يجعله مبعوثاً رسمياً. هو، في الأغلب، رجل خبرة وشبكات وسوق، يعرف أن العراق وأكثر منه منطقة الخليج، يحاول التعامل مع فرص زمن الوفرة الريعية والقلق السياسي، يشتري النصائح كما يشتري السلاح والعقود والصور.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم أكثر قسوة من ذي قبل: هل ما زال ممكناً إنتاج “مالكي اول” جديد، بأفق واعد لا يقود لاحقاً إلى “مختار العصر”، والهجوم على ساحات الاعتصام، وانهيار ثلث العراق أمام عدة مئات من الجهاديين وغياب سنوات من ميزانية العراق؟ وهل يستطيع جنرال يعرف العراق جيداً أن يحول اليوم رجل أعمال اغتنى عبر علاقاته بالدولة، ومورداً للمواد الغذائية، ينظر إليه جزء واسع من المجتمع بعين الريبة لفقر مفردات سلته، إلى قائد منقذ يوسع قاعدة الرضا المجتمعي والقبول به؟ وهل يمكن بناء سلطة ذات صدقية من دون احتكار فعلي للعنف المشرعن للدولة، ومن دون أن تتلقى هذه الدولة الدرونات ومئات الصواريخ من داخل فضائها نفسه ومن فصائل تدفع هي لها مرتباتها الشهرية!؟
ربما يعرف بترايوس أكثر من غيره حدود هذا الاحتمال. وربما يعرف أيضاً أن العراق الذي عاد إليه اليوم ليس عراق 2006. فالدولة التي كان يحاول تقويتها آنذاك كانت ضعيفة، لكنها لم تكن قد امتلأت بالكامل بعد بكل هذا العدد من المراكز الموازية، والشبكات المسلحة، والاقتصادات السياسية المتداخلة، والسلطات التي تعيش داخل الدولة وخارجها في الوقت نفسه.
لهذا تبدو عودته، بعد عشرين عاماً، أشبه بعودة رجل يحاول أن يبيع هذه المرة الفكرة نفسها لطبقة سياسية مسؤولة عما حلّ بالبلد: هل يمكن إنقاذ المركز في بلد يتآكل فيه معنى المركز نفسه، عدا توزيع الريع ومناطق النفوذ بين فصائل باتت مرتابة الواحدة من الأخرى؟
وربما لهذا السبب أيضاً تبدو زيارة بيترايوس أبعد من زيارة رجل متقاعد. إنها مرآة عراقية قبل أن تكون حدثاً أميركياً. فهي تكشف كيف أن العراق ما زال يبحث عن تفسير خارجي لأزمته، وكيف ما زالت نخبته السياسية تقرأ العالم بعين الدولة السلطانية التي لم تعد موجودة، وكيف لم تستطع، بعد عقدين، أن تنتج معرفة جادة بذاتها، ولا بمراكز القوة حولها، ولا بالطريقة التي يفكر بها من جاءوا ذات يوم لإعادة تشكيلها.
بترايوس، في النهاية، ليس لغزاً أميركياً بقدر ما هو سؤال عراقي مؤجل: لماذا فهمنا الآخرون، ولو لأغراضهم، أكثر مما حاولنا نحن أن نفهم أنفسنا؟