مقال الدكتور هشام داود

الراعي الذي رأى ما لم تره الدولة.. أساطير العراق القديمة وسيادته المستباحة

يتنقل الدكتور هشام داود وهو أستاذ عراقي في الانثروبولوجيا السياسية، يمارس التدريس منذ عقود في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي، بين تواريخ السومريين والبابليين للبحث عن دور راعي الأغنام في حماية المملكة، ويواصل التقاط الصور ودلالاتها وصولاً إلى الحرب العالمية الثانية، ونماذج أخرى، لكنه يبحث على طريقة الناقد الكبير كلود ليفي شتراوس عن أصل الحكاية وكيف للأسطورة أن تنقذ التاريخ، دون أن ينسى التذكير بما يسميه “كوميديا سوداء”، حين يعجز العراق عن كشف التوغل الخطير، بعد أن قصفت الفصائل “آخر الرادارات القليلة”، وطلبت بغداد من التحالف الدولي الرحيل “لعدم الحاجة للخدمات”.

مقال الدكتور هشام داود، خص به شبكة 964:

الراعي بوصفه عين المملكة

ذهل العراقيون، وفق ما تسرّب وتداولته تقارير صحفية غربية، من الحديث عن تسلل عسكري إسرائيلي إلى عمق الصحراء العراقية، بل وعن كلام وصل حدّ وجود “قاعدة” أو موطئ قدم في المنطقة الفاصلة بين النجف وكربلاء.

كانت الصدمة شديدة إلى درجة بدت معها الحكاية وكأنها خارجة من كتب الأساطير القديمة أكثر من كونها خبراً في القرن الحادي والعشرين: راعٍ يتجول في صحراء بين كربلاء والنجف، يلمح حركة غريبة، يكتشف وجوداً مريباً، ثم يهرع ليبلغ “رجال المملكة” بما يُحاك ضد البلاد. والحقيقة أن هذه ليست مجرد حكاية عابرة، بل واحدة من أقدم البنى السردية في تاريخ الشرق كله.

منذ آلاف السنين، يظهر الراعي دائماً بوصفه الشخصية التي ترى ما لا يراه الآخرون. يعيش بعيداً عن المدن والأسوار والقصور، لكنه يعرف الأرض أكثر من الجميع. يعرف شكل الريح حين تتغير، وصمت الحيوانات حين يمر غريب، وأثر الأقدام الجديدة فوق الرمل القديم. في عالم الممالك القديمة، حيث كانت الصحراء تبدأ مباشرة بعد حدود العمران، لم يكن الراعي مجرد صاحب قطيع، بل عيناً متقدمة للمملكة نفسها.

منذ سومر وبابل

في المدن السومرية الأولى، ثم في العصور البابلية والآشورية، كانت السلطة تخشى التخوم المفتوحة أكثر مما تخشى الجدران العالية. هناك، عند أطراف الماء والصحراء والبادية، عاش الرعاة والفلاحون وسكان القوافل كجزء من منظومة الحراسة المبكرة للدولة. كانوا أول من يلتقط أخبار الغزوات وتحركات القبائل والجيوش. وفي النقوش والأساطير القديمة، يظهر الراعي أحياناً بصورة تكاد تكون مقدسة: رجل بسيط، متواضع، لكنه يحمل معرفة بالأرض لا يمتلكها الجنود ولا الكهنة ولا حتى الملوك.

ولهذا لم يكن من الغريب أن يتحول الملك نفسه، في المخيال الشرقي، إلى “راعٍ”.

الملك الصالح هو الذي يحمي قطيعه من الذئاب والفوضى والجوع والغزاة. وحتى الآلهة، في الكثير من النصوص القديمة، كانت تمنح الحاكم عصا الراعي بوصفها رمز السلطة والرعاية والسيادة معاً (يكفي النظر إلى الجزء العلوي من مسلة حمورابي).

في الإسلام وأيضاً في أوربا

ثم جاء التراث الإسلامي ليمنح هذه الصورة عمقاً إضافياً. الأنبياء رعوا الغنم، والرعي أصبح تدريباً على الصبر والتيقظ ومعرفة البشر. وفي الحديث النبوي الشهير: “كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته”. هنا لم تعد صورة الراعي مجرد استعارة أدبية، بل تحولت إلى قلب الفلسفة السياسية والأخلاقية للحكم نفسه.

وفي الحكايات الإسلامية القديمة، كثيراً ما يظهر الراعي بوصفه أول من يشعر بالخطر القادم من الصحراء أو الجبال أو الحدود. هو الذي يسبق الجنود أحياناً، لأنه متصل بالمكان اتصالاً يومياً وحميمياً. يعرف متى تغيرت حركة القوافل، ومتى ظهرت خيول وجمال غريبة، ومتى صار الليل أثقل من المعتاد.

حتى العصور الوسطى الأوروبية احتفظت بالصورة نفسها تقريباً. في الشرق والغرب، بقي الراعي والفلاح وسكان الأطراف أول من يلتقط إشارات الخطر. تتغير الإمبراطوريات والأسلحة واللغات، لكن البنية الحكائية تبقى ذاتها: مملكة قلقة، عدو يتسلل من وراء الحدود، وراعٍ بسيط يكتشف ما عجزت عنه الدولة.

لاحظ الحرب العالمية الثانية

والأغرب أن هذه الحكاية لم تختف حتى في العصر الحديث، عصر الأقمار الصناعية والرادارات والطائرات المسيّرة. في الحرب العالمية الثانية لعب الرعاة وسكان القرى الجبلية دوراً مهماً في كشف تحركات الجيوش الألمانية والمقاومة. وفي أفغانستان، خلال الحرب السوفييتية ثم الأميركية، تحولت القرى والرعاة إلى منظومات إنذار مبكر غير رسمية، لأن ابن الجبل أو الصحراء يرى أحياناً ما لا تراه الخرائط العسكرية. ولهذا فإن قصة “راعي النجف” ليست مجرد نكتة سياسية أو رواية ملفقة بالكامل.

حتى لو أضيفت إليها عناصر من المبالغة والأسطرة، فإن قوتها تكمن في رمزيتها العميقة. إنها تعيد إنتاج أقدم سردية سياسية في الشرق: حين تفشل المملكة في حماية تخومها، يظهر الراعي بوصفه آخر الحراس.

من الرادار إلى الأسطورة

منذ أعمال كلود ليفي-شتراوس، نعرف أن المجتمعات تنتج أساطيرها وحكاياتها كي تفسر القلق الجماعي والهزائم والمخاوف الكبرى. والأسطورة ليست كذباً بسيطاً، بل محاولة لتحويل الفوضى إلى قصة مفهومة. أحياناً تُخلق الحكاية لتغطية هزيمة، وأحياناً لتفسير خوف جماعي، وأحياناً لأن الناس يحتاجون إلى بطل بسيط وسط انهيار الصور الكبرى.

وهكذا يمكن أن نقرأ حكاية “راعي النجف ” بوصفها التعبير الأكثر كثافة عن شعور العراقيين بأن سيادتهم أصبحت مستباحة، وأن الدولة التي تتحدث ليل نهار عن الاستقلال والهيبة الوطنية تبدو عاجزة حتى عن مراقبة سمائها وصحاريها الأشد قرباً لحواضرها المقدسة (النجف وكربلاء).

الرادارات العراقية التي كلّفت أموالاً هائلة، قصفتها فصائل مسلحة موالية وأخرجتها عن الخدمة. ثم جاءت حكومة محمد شياع السوداني لتزف خبر إنهاء التعاون العسكري والجوي والاستخباري مع التحالف الدولي، بوصفه إعلاناً عن اكتمال “السيادة” العراقية.

لكن النتيجة بدت أقرب إلى نكتة سوداء:

سماء مفتوحة، ورادارات معطوبة، وخطابات سيادية ثقيلة، ثم يظهر في النهاية راعٍ بعصاه وقطيعه ليؤدي وظيفة الدولة كلها.

الأكثر فوضوية ربما كان أداء الحكومة نفسها بعد انتشار الرواية. مرة يجري تكذيب القصة بالكامل، ومرة يجري الحديث عن “وجود عناصر غير مصرّح بها”، ومرة أخرى يجري الحيدث بلغة أسطورية “عن سقوط قطعة غريبة من السماء” وكأن البلاستيك اللغوي الحكومي قادر على إصلاح السيادة أو ترقيع الفضيحة:

لا نفي كامل… ولا اعتراف واضح،

لا اختراق مؤكداً… ولا دولة مطمئنة.

ما الذي يجمع بين كل ذلك؟

أن “السيادة” في العراق تحولت، عند كثيرين، إلى شعار أكثر منها مشروع دولة حقيقي.

فصائل تتحدث باسم حماية العراق وهي تضرب راداراته وأجهزته الأمنية، والحكومة تتحدث عن “الجاهزية الكاملة” فيما تبدو عاجزة حتى عن معرفة ما الذي جرى فعلاً في تلك الصحراء.

وربما لن نعرف تماماً ماذا حدث هناك. وربما محمد شياع السوداني نفسه لا يعرف كل ما حصل. وحدهم الذين نفذوا هذا التسلل ـ إن صحّت الرواية – يعرفون الحقيقة كاملة. لكن حتى هذا الجهل أصبح جزءاً من المأساة العراقية.

فالعراق الذي يمتلك مئات آلاف العسكريين والأمنيين، وأجهزة استخبارية، وقيادات عمليات، وتحالفات، انتهى به الأمر إلى العودة نحو أقدم سرديات الشرق:

العدو يتسلل إلى تخوم المملكة، بينما الحراس مشغولون بالخطب والبيانات والتوازنات، والمغانم.

وفي النهاية، كما في الحكايات الشرقية القديمة، يظهر الراعي الغيور بوصفه الجندي المجهول الذي أنقذ رمزياً سمعة المملكة وأمنها، ثم يختفي من الرواية تقريباً دون اسم واضح أو مصير معروف. لا نعرف من يكون، ولا كيف وجد نفسه مع قطيعه في تلك الصحراء، لكن الحكاية احتاجته، فظهر في اللحظة المناسبة تماماً: رجل بسيط يحمل عصاه، بينما الممالك الحديثة بكل راداراتها وأجهزتها وخطبها الطويلة كانت تنظر إلى السماء ولا ترى شيئاً.

أما “رعاة” الدولة الرسميون، فيواصلون الحديث عن السيادة من فوق المنابر، بينما البلاد تُترك مرة أخرى لعيون الرعاة كي تحرسها.