توثيق مؤثر من لوريان لو جور
ترحل الآلهة ثم يتكلم القصب.. هشام داود وفيلم فرنسي حول الأهوار
يكتب الباحث العراقي هشام داود نصاً مؤثراً بعد مشاهدته الفيلم الفرنسي القصير الذي أنتجته مؤخراً صحيفة لوريان لو جور L’Orient-Le Jour (أو صباح الشرق)، عن عودة الحياة إلى نحو 80% من أهوار العراق، بعد الهطول الغزير للأمطار هذا الموسم، باحثاً وهو المهتم بآثار الحضارات الإنسانية الأقدم بين النهرين، عن معاني تتجاوز الطبيعة والسياسة والمناخ، لفحص “قصر نظر الإدارة” في المنطقة والعراق بشكل خاص، داخل ملف يدرك العالم خطورته ويعتبر ضمن ذلك تلك المستنقعات الحية بأنها “إرث العالم الأقدم” حيث كانت الآلهة العراقية كما في الأساطير “تغضب وتغادر” ولكن القصب كان يبقى دائماً، حسبما يستدرك الباحث العراقي الذي يمارس التدريس والكتابة منذ عقود في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي.
مقال هشام داود، باحث في الإنثروبولوجيا السياسية، خص به شبكة 964:
الفيلم القصير الذي أنجزته صحيفة لوريان لو جور L’Orient-Le Jour عن عودة الحياة إلى أهوار جنوب العراق ليس مجرد مادة بصرية؛ إنه تذكير جارح بأن هذه الأرض، التي ولدت بين النهرين، ما تزال قادرة على النهوض… وإن على حافة الانكسار. جمال الصور لا يأتي فقط من الماء والقصب والطيور والجاموس، بل من طبقات المعنى التي تختزنها هذه الجغرافيا: هنا، حيث ذُكر النهران والاهوار لأول مرة في الأساطير والملاحم، ثم في الكتب السماوية، وحيث نظمت البشرية أولى أناشيدها، ورفعت أولى صلواتها للخصب والحياة.
لكن ما يبدو عودةً للحياة، يخفي جرحًا مفتوحًا. فالكارثة التي حلت بالأهوار — وهي المصنفة ضمن التراث الإنساني العالمي — لم تكن هذه المرة لعنة سماوية، بل نتاج غباء بشري مركّب: احتباس حراري يختنق به الكوكب، وأنانيات سياسية. دول تحجب الماء عن العراق بحجة “العقلانية وترشيد استخدامه”، لتشوّه العلاقة الأولى بين الإنسان والطبيعة. كأننا لم نعد نسيء فقط إلى الإنسان، بل إلى حكمة الخالق نفسها: ﴿=وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ۖ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾.
في هذا الفضاء، وُلدت مدن مثل أوروك وأور ولكش، وارتفعت قصائد الرثاء حين كانت المدن تسقط والآلهة تهجر معابدها. كأن صدى تلك النصوص يعود اليوم، لا بوصفه تاريخًا منقضياً، بل كمرآة لما يحدث الآن:
“لقد هُجرت المدينة،
وغادرها إلهها،
جفّت قنواتها، وانطفأ صوت القصب…”وفي موضع آخر من رثاء أور:
“تحوّلت الأرض الخصبة إلى غبار،
والريح تعبرها بلا أثر،
كأن الحياة لم تكن هنا يومًا.”ما أشبه الأمس باليوم. الفرق الوحيد أن الدمار لم يعد فعل الآلهة الغاضبة، بل فعل سياسات قصيرة النظر، وحكومات عاجزة عن فهم الأرض التي تقف عليها. مفارقة قاسية أن يُسند مصير هذه الجغرافيا إلى من يعرّف نفسه مهندسًا زراعيًا، أدار محافظة هي قلب الأهوار بعد 2003، دون أن يدرك أنه يتحرك فوق طبقات من التاريخ، فوق أرض أنجبت كوديا، ونين كرسو، وقصب معابد إنانا.
الأمم لا تنهار فقط بالحروب أو بالغزوات أو حتى بالكوارث الطبيعية؛ تنهار أيضًا حين يفقد حكامها القدرة على قراءة المكان. حين يصبح التاريخ عبئاً لا مصدراً للمعنى، وحين تُختزل الأرض التي مرّ بها الأنبياء والأئمة والأولياء إلى صفقات، و«كومشنات»، وأسماء عابرة لا تترك أثرًا.
ومع ذلك، تظل هذه الأرض تقاوم بطريقتها الخاصة. العراق، كزقوراته المبنية من الآجر، ينهض من الأرض نحو السماء، ثم يعود إليها، لا لينتهي، بل ليبدأ دورة جديدة من الزمن. في كل مرة يبدو فيها أنه سقط، يكون في الحقيقة يعيد تشكيل نفسه، منتظرًا من يمد له يدًا — لا ليستغله، بل ليرافقه في صعوده من جديد.
ربما لهذا تبدو الأهوار، في هذا الفيلم، أكثر من مجرد مشهد طبيعي: إنها استعارة حيّة. عودة الماء ليست فقط عودة الحياة، بل عودة السؤال القديم ذاته — كيف يمكن للإنسان أن يعيش مع الطبيعة، لا ضدها؟ وكيف يمكن للسياسة أن تتواضع أمام حكمة الأرض، بدل أن تدّعي السيطرة عليها؟
في نهاية الأمر، يبقى القصب شاهدًا، والماء ذاكرة، والأرض نصًا لم يُكتب بعد.