ضحك المالكي فغاب السوداني؟
سبحة تدور في القصر الجمهوري.. هشام داود يقرأ طقس العبور في مطاط الدولة
يقوم المفكر العراقي هشام داود وهو باحث بارز في الإنثروبولوجيا السياسية، وأستاذ منذ عقود في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي، بتحليل الصورة في مشهد تكليف علي الزيدي خليفة لمحمد السوداني، وهو يركز على تفاصيل صغيرة يقرأ داخلها حكاية كبيرة، فمشهد القصر الجمهوري كان يقول بأشكال كثيرة إن “المسار السياسي في العراق لم يعد يحتاج إلى سيرة تُروى، بل إلى اسم يُتداول؛ ولا إلى خبرة تُختبر” كما أن المشكلة، في العراق اليوم، “ليست أن رجلاً أدار سبحة في لحظة رسمية، بل أن لحظة رسمية كاملة بدت، في صورتها، وكأنها لا تستحق أكثر من ذلك”.
مقال الدكتور هشام داود خص به شبكة 964:
في السياسة، ليست الصور مجرد توثيق للحظة، بل هي نصّ موازٍ، أحياناً أكثر صدقاً من الخطب نفسها. صورة واحدة قد تختصر ما تعجز عنه بيانات مطوّلة، لأنها تلتقط ما يفلت من الرقابة: حركة يد، ارتباك نظرة، أو— كما في حالتنا — سبحة تدور في غير زمانها.
في قصر بغداد، مقر عمل رئيس الجمهورية (السيد نزار آميدي)، حيث يُفترض أن تستعاد، ولو رمزياً، هيبة الدولة، اجتمعت السلطات الأربع، رغم غياب رئيس الحكومة المنتهية ولايته من المشهد الأخير، وحضر المكلف الجديد، علي فالح كاظم الزيدي، ليؤدي طقس التكليف الذي طال انتظاره بعد انسداد سياسي امتد شهوراً. كل شيء كان مهيأً ليكون المشهد مهيباً بالمعنى: نص دستوري يُتلى، كاميرات ترصد، وبلد ينتظر.
لكن، قبل أن نحكم على ما التقطته الصورة، ربما ينبغي أن نفهم الإطار الذي وُلدت فيه.
طقس العبور ومطاطية الدولة
غير أن هذا المشهد، في قراءته الأنثروبولوجية، يتجاوز كونه إجراءً دستورياً إلى ما يشبه “طقس عبور” بالمعنى الذي صاغه هارلود فان جينب Arnold van Gennep. فالتكليف هنا لا يقتصر على نقل سلطة، بل يؤسس لانتقال رمزي من حالة إلى أخرى: من فرد في الحقل المجتمعي والمالي إلى حامل لصفة الدولة. هذا الانتقال، وفق منطق فان جينب، يمر بثلاث لحظات: انفصال عن الوضع السابق، ومرحلة بينية (عتبة) يكون فيها المعنيّ “بين بين”، ثم اندماج في وضع جديد تُعاد فيه صياغته بوصفه ممثلاً للسلطة.
الفضاء الذي وفره هنا رئيس الجمهورية بقوة الدستور ليس “منصة” بالمعنى المسرحي المباشر، بل صالة رسمية ذات ترتيب مقصود، حيث يقف الحضور على شكل نصف حلقة، كأنهم يرسمون إطاراً رمزياً يطوّق لحظة العبور ويمنحها معناها. توزيع الأجساد، إيقاع الكلمات، البروتوكول الذي ينظم الدخول والوقوف والكلام — كلها عناصر تُنتج ما يمكن تسميته “مسرحة شرعنة سلطة الدولة”، لا بمعنى التمثيل الزائف، بل بمعنى عملية تجسيد السلطة في صورة مرئية قابلة للإدراك.
غير أن هذا البناء الطقوسي يفترض شرطاً أساسياً: صرامة نسبية في البروتوكول، أو على الأقل وضوح حدوده. لكن ما يميّز الحالة العراقية هو ما يمكن وصفه بـ“مطاطية البروتوكول بل وعدم فهمه”، حيث تتداخل الرسميات بغير الرسمي، وتتصدر المشهد شخصيات تترأس أحزاباً هجينة تجمع بين التمثيل السياسي والتنظيم المسلح، وتمتلك نفوذاً فعلياً، دون أن يكون حضورها مؤطَّراً دائماً داخل مؤسسات الدولة نفسها. هكذا يصبح الطقس، بدلاً من أن يكون لحظة تركيز للشرعية، مساحة لتعايش حالات متعددة، بل ومتعارضة أحياناً.
في هذا السياق، لا يبدو غياب رئيس الوزراء المنتهية ولايته، محمد شياع السوداني، تفصيلاً يمكن إحالته إلى انشغال عابر أو ظرف طارئ. ففي لحظة يُفترض أنها تُجسّد الدولة بكاملها — والدولة، في معناها العميق، ليست جهازاً إدارياً فحسب بل تراكم رمزي وتاريخي — يكتسب الغياب دلالة سياسية تتجاوز الشخص إلى بنية المشهد ذاته. كأن الطقس يُقام، لكن أحد أركانه الأساسية يختار الوقوف خارجه.
أما على مستوى الفاعل الرئيسي في الطقس (رئيس الوزراء المكلف)، فإن أي ارتباك — ولو بسيط — في أدائه لا يبقى شأناً شخصياً. حين لا ينسجم “المُعَبَّر به” مع إيقاع الطقس، لا ينهار الطقس، لكنه يتعرض لاضطراب دلالي. يصبح العبور أقل اكتمالاً، وأقرب إلى إعلان منه إلى تحقق فعلي. كأن الانتقال قد أُنجز شكلياً، لكنه لم يُستوعَب بالكامل في السلوك والرمز.
في هذه المسافة الدقيقة بين اكتمال الشكل واهتزاز المعنى، تتكشف إحدى سمات الدولة حين تضعف: لا في غياب الطقوس، بل في فقدان قدرتها على أن تجعل هذه الطقوس تُنتج التحول الذي وُجدت من أجله.
لكن الصورة، بعد كل هذا البناء الرمزي، اختارت أن تقول شيئاً آخر.
حين تتكلم التفاصيل
المفاجأة الأولى لم تكن في الحدث، بل في الشخصية. رجل في الأربعين، يُقدَّم بوصفه قانونياً، دون أن تحتفظ الذاكرة العامة له بمرافعة واحدة، أو موقف واضح في الدفاع عن حق، أو حتى انحياز معلن في لحظة تستدعي الانحياز. كأن المسار السياسي في العراق لم يعد يحتاج إلى سيرة تُروى، بل إلى اسم يُتداول؛ ولا إلى خبرة تُختبر، بل إلى قابلية للمرور بين التوازنات السياسية والاحتفاظ بعلاقات سالكة نفعياً مع جميع قادة البلد وممثلي الدول الوازنة في العراق.
أما المفاجأة الثانية، فكانت أدقّ، وأشدّ بلاغة: سبحة في اليد، تُدار بهدوء وقت إلقاء رئيس الجمهورية قرار تكليف السيد الزيدي بتشكيل الحكومة، وكأنها خارج السياق تماماً، أو لعلّها، على العكس، في صلبه.
ليست المشكلة في السبحة ذاتها. فهي، في حياتنا اليومية، جزء من الإيقاع الاجتماعي: رفيقة الانتظار، أو علامة استرخاء، أو حتى عادة لا يفكر صاحبها فيها. لكن أن تتحول إلى بطل صامت في لحظة دستورية، فهذا ما يستحق الوقوف عنده. أن تُمسك بها وأنت تستمع إلى نص التكليف، وأن تواصل إدارتها وأنت تلقي أولى كلماتك، هو أمر لا يمكن اعتباره مجرد “تفصيل شخصي بريء”.
في السياسة.. لا توجد تفاصيل بريئة تماماً
السبحة هنا لا تقول “تديناً”، ولا “ورعاً”، بل تقول شيئاً أقرب إلى خفة في إدراك ثقل اللحظة. كأن الزمنين لا يلتقيان: زمن الدولة بما يفترضه من وقار، وزمن الفرد بما يحمله من عادات يومية. وحين يتغلب الثاني على الأول، لا نحصل على مشهد إنساني بسيط، بل على مفارقة سياسية كاملة.
الأمر لا يتوقف عند صاحب السبحة. فالمشهد كله بدا، بطريقة ما، اشد غرابة من المتوقع: ابتسامة نادرة على وجه نوري المالكي — وهو الذي لا يملك، في أرشيف صوره العام، وفرة من اللقطات التي يظهر فيها مبتسماً — بدت هنا أوضح من المعتاد، بل أقرب إلى انشراح غير مألوف. هي ابتسامة يصعب استحضارها حتى في أكثر اللحظات ملاءمة لظهورها، وربما لم تكن لتظهر حتى لو تقلد — افتراضاً — ياسر صخيل المالكي نفسه عرش الحكومة. إلى جانب سبحة الزيدي، أضاف غياب السوداني وضحكة المالكي زيادة في سريالية المشهد، وكأن الصورة، بدل أن تُفسّر الحدث، صارت جزءاً من لغزه.
أما الغائب — محمد شياع السوداني — فكان حضوره في الفراغ لا يقل دلالة عن حضور الآخرين. ففي السياسة، الغياب ليس دائماً انسحاباً، بل قد يكون موقفاً، أو رسالة، أو حتى علامة على أن ما يجري لا يعبّر عن توافق حقيقي بقدر ما يعكس تسوية مؤقتة.
هكذا، تتكثف الصورة: قصر بغداد الرئاسي، نص دستوري، سلطات مكتملة شكلياً، رئيس حكومة غائب، ومكلف جديد يدير سبحته بهدوء.
قد يقال إننا نبالغ في قراءة مشهد عابر. لكن الدول التي تعيش أزمات عميقة لا تملك ترف تجاهل الرموز. لأن ما يتآكل فيها ليس فقط القرار، بل المعنى أيضاً. وحين يختل المعنى، تصبح الإيماءة الصغيرة مرآة لخلل أكبر.
السبحة، في هذا السياق، ليست خطأ بروتوكولياً فحسب، بل عرضاً جانبياً لمرض أعمق: تراجع الإحساس بأن الدولة لحظة استثنائية، لا امتداداً عادياً للحياة اليومية. وأن تولي السلطة ليس انتقالاً في الموقع فقط، بل انتقال في اللغة والسلوك والرمز.
في النهاية، لا تدين هذه الصورة شخصاً بقدر ما تكشف عن حالة. حالة يصبح فيها الحدث الكبير قابلاً لأن يُدار — ولو رمزياً — بأدوات صغيرة، عادية، يومية. كأن السياسة فقدت قدرتها على أن تكون استثناء.
ولعلّ المشكلة، في العراق اليوم، ليست أن رجلاً أدار سبحة في لحظة رسمية، بل أن لحظة رسمية كاملة بدت، في صورتها، وكأنها لا تستحق أكثر من ذلك.