وجدران مبهرة مبنية بالجص الأبيض

إلى الزقاق الطويل دخلنا مع “أبونا” نبحث عن أصل اسم برطلة!

برطلة (سهل نينوى) 964

الأب الخوري قرياقوس حنا آل طراجي اصطحب كاميرا شبكة 964 إلى أقدم أزقة مدينة برطلة القديمة، أو حي العذراء بتسمية اليوم، ومن هذا المكان انطلقت هذه الحاضرة التي توسعت وصارت تضم اليوم أكثر من 10 آلاف نسمة، أما المؤرخ بهنام شمني فيفتح وثائقه وسجلاته التي لا يتسع لها وقت تقرير صحفي، ابتداءً من أصل تسمية المدينة، وطريق القديسين المسيحيين بين مدينة القدس وبلاد الهند، إلى جانب المجتمعات الدينية والقومية الأخرى الأصيلة في برطلة.

وتقع برطلة اليوم في قلب سهل نينوى، المنطقة الأكثر تنوعاً في العراق لجهة القوميات والأديان والطوائف من المسيحيين والإيزيديين والشبك والكرد والعرب والتركمان والكاكائيين وعلى اختلاف باقي المذاهب واللغات والثقافات، وتبعد عن مركز الموصل نحو 25 كم باتجاه الشرق، مع تاريخ طويل في الزراعة والرعي وأعمال الريف والحرف المدنية أيضاً.

معنى برطلة

ويؤكد شمني أن كلمة “برطلة” سريانية، لكنه يورد تفسيرات عدة، منها “تحت الظل” لأن مقطع “بر” يعني تحت، والطاء بديلة الظاء في السريانية، ويُعتقد أن “بر طلي” أو “تحت الظل” تسمية جاءت من كثافة أشجار المكان أو سقوف أسواقه في قرون قديمة، خاصةً وأن ياقوت الحموي يقول في وصفها “قرية كأنها مدينة” بسبب زحامها.

أما الاحتمال الثاني فيأتي من “بيث رطولي” السريانية أيضاً، أو بيت الأوزان، نظراً للحركة التجارية في المدينة، إلى جانب التفسير الذي يورده مؤرخون بينهم كوركيس عواد، في اعتبار الكلمة آرامية سريانية وتعني “برطليو” بمعنى “بنت الصبيان” أو “ابن الشباب”.

الباء في مدن العراق القديمة

والمدن التي تبدأ أسماؤها بحرف الباء في العراق القديم، تعود حسب اللغة البابلية ولهجاتها السريانية وامتدادها في الآرامية المشتركة كثيراً مع العربية، إلى كلمة باب، فاسم بابل حسب التفسير السريايني هو باب إيل (باب إيلو باب علي، باب الله)، وبعقوبة باب العقوبة، وحتى بغداد والبصرة يوجد تفسير لغوي بابلي قديم لأسمائهما باعتبار أنها أبواب، “باب غدي”، و”باب صاريا” علة وزن “بار طيلا”، وتأويلات مشابهة، وقد تدخل برطلة في مشروع تأويل مشابه من لغة بابل القديمة، مثل بعقوبة وبابل. باب لشيء ما.

وبين البيوت القديمة يظهر البناء باعتماد مادة “الجص” لتثبيت الحجر، والتي تكثر في بيئة الموصل، على خلاف بقية مدن العراق التي تعتمد الطين.

كنائس وجوامع

وداخل برطلة اليوم 4 كنائس عامرة هي “مارت شموني ومريم العذراء  ومار كوركيس التاريخية  ومار كوركيس الجديدة”، ويُعتقد أن المدينة كانت على طريق “مار توما الرسول” من القدس إلى الهند في القرن الأول الميلادي، كما تأثرت بسيرة “مار متي” في القرن الرابع، ومزاره يبعد نحو 30 كم في بعشيقة شمال برطلة، إلى جانب مزار الإمام زين العابدين، الإمام الرابع عند الشيعة الذي يبعد 10 كم عن مركز المدينة باتجاه الجنوب.

ويروي بهنام شمني جانباً من أحداث جسام يُعتقد أنها حصلت قريباً من برطلة في حدود القرن الرابع الميلادي، ويقول إن المنطقة كانت تخضع لمملكة أو ولاية تُسمى “آثور” تتبع الفرس، وملكها اسمه سنحاريب (مختلف عن الملك الآشوري) وقد آمن ابنه وابنته بهنام وسارة بدعوة “مار متي” فقرر الملك قتل ولده وابنته، وقد دُفنا قرب النمرود، 40 كم جنوباً، حيث تقع برطلة في منتصف المسافة تقريباً بين مرقد مار متي ومار بهنام وأخته سارة.

ينقل شمني عن وثائق حكومية تعود للعام 1936 أن تاريخ المدينة قد يعود إلى 5 آلاف عام قبل الميلاد.

في القرن 18 انتقل إلى برطلة سريان باسخرا، سميل، قوب، باشبيتا، زنكنة، جبارة، ومن بلاد إيران، كما يقول بهنام، وكانت محلاتها محدودة هي محلة قصرا، محلة بيرا دبي عيسى، محلة البلدية، محلة تانكي، محلة مار كوركيس خاثا.

واليوم، تحظى برطلة باهتمام كبير فهي على طريق أربيل – الموصل الذي يمر منه الآلاف يومياً، وتنتعش أوضاعها الاقتصادية بشكل تدريجي، وتضم خليطاً متنوعاً من العراقيين، وتبعاً لاتساعها وعدد نسماتها فهي من بين أكثر مدن سهل نينوى التي تغطيها شبكة 964.