آخر نتائج مجتمع الجيولوجيا العراقي
هل ارتفعت أرض النجف تحت الضريح أم انخفضت الكوفة؟
يقتفي علماء النجف والعالم بقايا الدلائل على طرق الصحراء بحثاً عن مزيد من الإجابات حول ما حصل على هذه الأرض.
مشهد ملحمي يحاول مجتمع الجيولوجيين العراقيين إكمال أجزائه يوماً بعد يوم، تندفع أمواج المياه المتلاطمة إلى النجف قادمةً من أراضي السعودية (بتسمية اليوم) على مدى 2 مليون سنة، بينما تواصل أرض الأنبار الارتفاع إلى الأعلى ببطء وتجبر الفرات على الانزلاق من مجراه القديم غرب كربلاء والنجف ليهاجر نحو بابل، وعبر ملايين السنين، ستواصل وديان السعودية من الجنوب والفرات من الشمال بناء المرتفع النادر الذي يستقر فوقه اليوم مرقد الإمام علي، وبهذا.. فإن أرض النجف ارتفعت، وأرض الكوفة وبحر النجف انخفضت، فكان المشهد الذي تميزت به مدينة الحكايا والأسرار.
ماذا ترى من الأعلى
إذا وقفت عند ضريح الإمام علي وسط النجف ونظرت شرقاً ستجد الكوفة منخفضة أمامك، وإذا نظرت غرباً ستجد بحر النجف منخفضاً أيضاً. أي أن النجف الحالية تقف على مُرتفع بين منخفضين، يشبه ذراعاً بارزاً لا يتجاوز عرضه 10 كم، ويحاول العلماء العراقيون والأجانب منذ عقود العثور على تفسير جيولوجي وقراءة بقايا ذكريات الأرض على الأحافير والصخور لفهم هذا الارتفاع الذي يتجاوز 35 متراً عن محيطه القريب، و60 متراً عن مستوى سطح البحر، فإلى أين وصل العلم في فهم هذه الظاهرة؟
المشهد الذي يمكن تخيله بين الفرات والسيول هو التفسير العلمي -حتى الآن- لجغرافيا النجف وكربلاء الغريبة عن بقية مناطق السهل الرسوبي، وعبر هذا التقرير محاولة لاختصار 3 ملايين سنة على 4 صفحات!
أرض بارتفاع مئذنة
ومن أجل تقريب الأمر لغير المتخصصين، يستخدم علماء الجيولوجيا مثالاً مثيراً.. “إذا وقفت عند ضريح الإمام علي، فأنت في الحقيقة تقف على ارتفاع يساوي أعلى قمة مئذنة مسجد الكوفة، الذي لا يبعد أكثر من 8 كم”، فالكوفة ترتفع 30 متراً عن مستوى سطح البحر ثم ترتفع مئذنة مسجدها 30 متراً آخر، أما في النجف فإن قاعدة مرقد الإمام علي عند الأرض ترتفع 60 متراً عن سطح البحر.
علماء أوروبا يفتشون منذ العهد الملكي
حاورت شبكة 964 الجيولوجي العراقي وأستاذ الجغرافيا في جامعة الكوفة، البروفيسور عايد جاسم الزاملي، وقد استعرض للشبكة أهم التفسيرات المعتبرة التي غاص شخصياً في مصادرها، برصيد يفوق 50 بحثاً ودراسة وأطروحة، وتجوال ميداني على امتداد الخارطة التي يشرّحها منذ 3 عقود.
واستعاد الزاملي عدداً من نظريات علماء أجانب قضوا أعمارهم في محاولة فهم جغرافيا وادي الرافدين، مثل الجيولوجي الهولندي فوتا سيزر والجيولوجي الإنكليزي راؤول ميتشل وهو أول رئيس لقسم علوم الأرض في جامعة بغداد، وهما عالمان عاشا في العراق الملكي خلال الخمسينات وفترة مجلس الإعمار، وصولاً إلى الثمانينات وقدما دراسات ميدانية.
وتستند التحليلات أيضاً إلى الجيولوجي العراقي موسى جعفر عطية، الذي اغتيل عام 2007 والجيولوجي العراقي جعفر الساكني (توفي 2013) فضلاً عن مجلة تراث النجف، التي صدر منها عددان فقط (2009 و2013) وهي بإشراف رجل الدين المعروف سامي البدري، المهتم بتقديم فرضيات عن تاريخ النجف وعلاقتها بالنصوص الدينية وقصة سفينة نوح والميثيولوجيا، عبر مراجعة النصوص الآرامية والسريانية والعبرية فضلاً عن العربية والانكليزية.
النجف على خارطة المرتفعات العراقية
أعلى نقطة في العراق تقع في أربيل عاصمة إقليم كردستان وهي قمة جبل “شيخا دار” على الحدود العراقية الإيرانية بارتفاع 3611 متراً فوق مستوى سطح البحر، وكذلك جبل هلكرد بارتفاع قريب يصل إلى 3607 أمتار، وأدنى نقطة هي الفاو جنوباً عند مستوى الصفر تقريباً لقربها من بحر الخليج، أما الكوفة فترتفع 25 متراً، وهي بذلك لا تختلف كثيراً عن بقية السهل الرسوبي العراقي المنبسط الذي تقع عليه معظم مدن وسط العراق وجنوبه، أما هضبة النجف فرغم التصاقها بالسهل الرسوبي إلا أنها تبدو أكثر انتماءً جيولوجياً إلى مرتفعات البادية العراقية الغربية، إذ تلامس الأنبار في بعض المناطق ارتفاعات تتجاوز 400 متر عن سطح البحر.
ما هو بحر النجف؟
لا يحتار العلماء كثيراً لفهم انخفاض الكوفة (شرق النجف).. فهي جزء من منخفض السهل الرسوبي الممتد أكثر من 1000 كم مع جريان النهرين الخالدين، منذ دخولهما من دهوك والقائم وحتى المصب في القرنة ثم الفاو، لكن انخفاض الضفة الغربية عند بحر النجف هو ما أثار فضول علماء أوروبا.
يقع بحر النجف ملاصقاً للمدينة من الجهة الغربية، طوله 41 كيلومتراً وعرضه بين 10 و16 كيلومتراً، ومساحته نحو 410 كيلومترات مربعة، ومياهه مالحة، وتنحدر الأرض قرب ضفافه إلى صفر عن مستوى سطح البحر في بعض المناطق فضلاً عن أعماقه الأبعد بكثير.
طيلة عقود.. تغذى بحر النجف شتاءً من جداول وادي أبو خمسة ووادي المالح ووادي الرهيماوي، وصيفاً من مياه الأراضي الزراعية المحيطة به، إذ تجري في أراضي بحر النجف ثلاثة جداول متفرعة من الفرات، جدول الهاشمي المعروف بالدسم، وجدول الديرية المعروف بجدول الحيرة، وجدول نعماني المعروف بجدول أبو زروع.
هل ارتفعت النجف أم انخفضت الكوفة وبحر النجف؟
البروفيسور الزاملي يحاول تبسيط التفسيرات لغير المختصين، والأحداث تعود إلى نحو 3 ملايين سنة، حين عاشت أوروبا وشمال الكرة الأرضية العصر الجليدي (البلايستوسين) بينما حلّ العصر المطير في الوقت ذاته على مناطق الجنوب ومنها الشرق الأوسط الحالي والعراق وشبه الجزيرة العربية.
يفترض العلماء أحداثاً استمرت 3 ملايين سنة انتهت إلى شكل النجف والعراق اليوم.
الفرات يقرر الهجرة
بينما كان الفرات يتدفق في مساره القديم غرب كربلاء والنجف والسماوة، كانت الأرض تحته تتحرك وتصعد بفعل صدامات تكتونية بين الصفائح، وبنهاية العصر الجليدي، أي قبل نحو 10 آلاف عام، بلغ ارتفاع الأرض قرب هيت ما لم يحتمله الفرات، فهاجر النهر الكبير إلى الشرق بعيداً، ثم عاد ليستقر في مساره الحالي شرق الحواضر العراقية.
سار الفرات إذن ملايين السنين غرب كربلاء والنجف، وغرب كل المدن التي يمر بها في خارطته اليوم.
يفترض العلماء والباحثون ومنهم الزاملي إن “الرفع التكتوني” الذي حصل جنوب هيت هو ما غيّر مجرى الفرات إلى يومنا هذا.
يُسمى الارتفاع التكتوني الذي نقل الفرات شرقاً “تركيب نفاطة وعواصر”، لكن الزاملي ينبّه إلى أن هذا “الرفع التكتوني” لم يُدرس جيولوجياً بشكل كافٍ حتى الآن.
بصمات الفرات وإرثه على الخارطة
تشير نظرية الجيولوجي فوتا (1957) وقريباً منها أيضاً نظرية ميتشل، أن مصرفاً عظيماً كان يبدأ من غرب الموصل ثم يصل إلى بحر النجف، ومنه جنوباً إلى السماوة، التي كانت تُعرف قديماً بالبطائح ثم إلى المصب في خور عبد الله على البحر.
لاحقاً، توصل الجيولوجي العراقي جعفر الساكني إلى أن هذا “المصرف العظيم” الذي تخيله فوتا وميتشل، ليس سوى نهر الفرات في الطور الأول، أي في العصر الجليدي قبل نحو 2 مليون سنة، وبقصة ينقلها الزاملي، فقد طار الساكني بطائرة بحثية، متتبعاً مسار الفرات الأول، ولاحظ أن سلسلة البحيرات والمنخفضات الممتدة من الثرثار، الحبانية، الرزازة، ثم بحر النجف، تطابق بقايا المسار القديم لنهر الفرات الذي فكّر به.
الفرات لن يرفع النجف وحده
إن بحر النجف إذن، مع جاراته من بحيرات الشمال والجنوب على المسار الأول لنهر الفرات، كما يكاد يُجمع علماء المجتمع الجيولوجي في العراق، لكن انخفاض بحر النجف، وارتفاع النجف، لا يتعلقان فقط بمسار الفرات القديم.
يعتقد البروفيسور الزاملي وينقل عن مصادره من العراقيين والأجانب، أن ارتفاع النجف ناجم عن آلاف السنين من تدفق الترسبات التي كانت تتدفق من مرتفعات الجزيرة العربية في الجنوب إلى الأراضي العراقي عبر وديان مازال بعضها معروفاً حتى الآن.
من قرب مدينة القائم، تبدأ سلسلة الوديان بوادي عكاشات، ثم وادي حوران، ثم وادي الغدف، ثم وادي عرعر وصولاً إلى وادي الخر الذي يقابل النجف.
مليون عام من سيول السعودية نحو العراق
يولي علماء النجف اهتماماً خاصاً بوادي الخر، ويعتقدون أن تدفقاته الكبيرة لعبت دوراً في تشكّل المدينة، والمشهد المُفترض هو موجات مطرية تستمر مئات السنين ثم تتوقف قبل أن تعود من جديد في سلسلة دورات استمرت 2 مليون سنة، حتى الوصول إلى “دورة فورم” بالألمانية Würm، ثم سينتهي العصر الجليدي في أوروبا (المطير في الجنوب) قبل نحو 11 ألف عام.
طيلة ملايين السنين -كما يقترح المجتمع العلمي العراقي- كانت الوديان القادمة من الجزيرة العربية وعلى رأسها وادي الخر والأبيض تخفض بحر النجف، وتنحف كتف المجرى وترمي عليه الرواسب وترفع ما باتت اليوم النجف الحالية.
بهذه الطريقة وعلى مدى 1,750,000 سنة، نشأت هضبة كربلاء – النجف الممتدة من النجف باتجاه كربلاء على مساحة 3 آلاف كم2 وبارتفاعات تتجاوز 70 متراً أحياناً.
فلماذا لا يرتفع السهل الرسوبي والكوفة بفعل تدفقات الفرات مثل النجف؟
يحيل البروفيسور الزاملي إلى نظرية الجيولوجيين جورج مارتن ليز (George Martin Lees) ونورمان فالكون(Norman Leslie Falcon) في تفسير السهل الرسوبي العراقي.
يعتقد العالمان -وفقاً للزاملي- إن هناك “تراكيب تحت سطحية هابطة” في أقسام السهل الرسوبي الجنوبية ومنها الكوفة، تزيد من انخفاض سطحه كلما تراكمت عليه الرسوبيات، وبهذا فإن الرسوبيات إذا كانت قد تسببت بارتفاع أرض النجف، فإنها لن تتسبب بارتفاع السهل الرسوبي لأن الأرض في السهل تنخفض بنفس مقدار الترسبات التي تصبها الأنهار فوقها، وهو ما يفسر وفق الزاملي سبب ارتفاع النجف بترسبات الوديان والعصور المطيرة، وعدم انطباق ذلك على بقية مناطق السهل الرسوبي المنخفضة.