"الأغوات" أغرى العمري والصراف
فيديو: الموصل تنقش القصائد على المساجد وتؤرّخ الإعمار بحساب “الجمّل”
تستعيد الموصل هذه الأيام طريقة “حساب الجمّل” القديمة، التي تمزج بين الحروف وما يعادلها من الأرقام، لتوثيق أحداث مهمة مثل تشييد الجوامع، وكانت تستخدم منذ العصر العباسي في توثيق ولادة أبناء الأعيان والملوك أو تأسيس المباني وغيرها من المناسبات، على شكل بيت شعر عبر الدمج بين الحروف والرياضيات،
وتوضع الأبيات منقوشة على واجهة المسجد أو المبنى المهم، أو القصيدة المهداة للشخص المعني، أو الراثية له. وفيها حسبما يعرف بحساب الجمّل، كل حرف من الحروف العربية يمثل رقماً، فمثلاً الألف = 1، والباء = 2، والجيم = 3، وهكذا.
في نهاية البيت الشعري تكتب كلمة “أرخ” أو “أرخت”، وبعدها جملة تكون أحرفها ترمز لأرقام، ومجموع هذه الأرقام يعطينا سنة الحدث. ويتحدث المهندس أحمد العمري لشبكة 964، عن تجربته خلال إعمار المساجد، وتفكيره بإعادة إحياء هذا الأسلوب، حين لاحظ وجود أبيات شعرية مؤرخة في جامع الأغوات، ومنها بدأ يفكر بإعادة استخدام هذه الطريقة في الجوامع الأخرى، مستعيناً بالشاعر الموصلي وليد الصراف لكتابة أبيات شعرية تؤرخ مواعيد بناء أو ترميم الجوامع، أو كما حصل في كتابة بيت شعري يؤرخ لجدارية في جامع النبي يونس حيث انتهت المخطوطة على الجدار بأبيات شعرية ختمت بقوله:
أرّختُ دامت علينا هذه المنحُ.
أو ما نقش من أبيات على مدخل جامع آخر:
أرّخ أباً .. لو أمس غاب اليوم عاد المسجدّ.
تفاصيل:
وليد الصراف يقول إن هذا الفن ليس سهلاً كما يبدو، فهو ليس مجرد شعر بل تأريخ دقيق لحادثة، ويجب أن تكون الأبيات متناسقة وتحمل معنى حقيقياً للحدث، ويضيف: “عندما طلب مني الدكتور أحمد كتابة أول بيت، ظننت أن الأمر بسيط، لكن اكتشفت أنه صعب جداً، لا يكفي أن يكون الشطر يحمل التاريخ، بل يجب أن ينسجم مع المعنى ويخدم الفكرة. ومن بين الجوامع التي وضعت فيها هذ النوع من الأبيات جامع الإمام الباهر، جامع النبي شيت، جامع الخضر، جامع عبدل، جامع النبي يونس، جامع النبي جرجيس، جامع الحاج منصور، جامع سلطان ويس، وجامع عمر الأسود.
أحمد العمري – صاحب فكرة إعادة التاريخ الشعري لمساجد الموصل، لشبكة 964:
التاريخ الشعري هو أسلوب يستخدمه القدماء في توثيق التاريخ شعراً، والذي كان بمثابة وزارة الإعلام سابقاً.
كانت طريقة التأريخ للأحداث عن طريق الحروف (أبجد، هوز)، ولكل حرف رقم معين (في حساب الجمّل).
في البيت الأخير من الشعر تُكتب “أرّخ” أو “أرّخت”، وبعدها تُكتب جملة، وحروفها ترمز إلى تاريخ إنشاء الجامع.
خلال عملي في إعمار الجوامع التراثية، لاحظت أبياتاً شعرية في جامع الأغوات، وفي كل بيت كان هناك تاريخ شعري، وبحسب قابلية الشعراء.
وضعت أبيات شعرية وثقت تاريخ الجوامع في:
جامع الإمام الباهر، كتبها صديقي الشاعر وليد الصراف.
كذلك أرخ أبيات في جوامع، النبي شيت، الأغوات، الخضر، عبدال، النبي يونس، النبي جرجيس، الحاج منصور.
في جامع سلطان ويس وجامع عمر الأسود، وُضعت أبيات كتبها الراحل الشيخ أكرم عبدالوهاب.
وفي الفترة الأخيرة استعنت بالدكتور عبد الستار فاضل، أرّخ إحدى اللوحات في جامع النبي يونس.
هذا الأسلوب يواكب بين المعنى والحدث والزمن، وهو جزء من تراثنا وتاريخنا، نحاول إعادته بأبهى صورة.
وليد الصراف – شاعر
تثبيت التواريخ بالشعر هو فن مستقل بحد ذاته، وأحياناً أكاد أن أقول إنه لا علاقة له بالشعر.
هو تأريخ لحادثة، والعرب منذ الجاهلية كانوا يؤرّخون لحوادثهم وابتكروا هذه الطريقة الحسابية، حيث يعطون لكل حرف رقماً.
بعد كلمة “أرّخ” ومشتقاتها مثل “أرّخت” أو “يؤرخ”، يبدأ حساب الرقم الخاص لكل حرف.
هذه الطريقة لم أكن أعرفها، حتى أتى الدكتور أحمد العمري وطلب مني أن أكتب، وحسبت أن الأمر سهل، لكن وجدتها مسألة صعبة.
في أول يوم أردت كتابة هذا النوع من الأبيات، احتجت ساعات ثم وصلت لمقطع.
المسألة ليست أن تؤرخ الشطر فقط، بل أن يكون متلائماً مع الأبيات التي قبله، وأن يعني الحادثة بالضبط في المضمون والمعنى، وهذا صعب.
الأمر الثاني الأكثر صعوبة هو أن تكتب في حدود المدح النبوي.
أي بحر من بحور الشعر ال16 يصلح أن نؤرخ فيه، وكتابتي لهذه الأبيات كانت مسؤولية كبيرة.
أشيد بجمعية “فعل الخيرات” التي أعادت تأهيل الجوامع التراثية بتبرعات الموصليين دون دعم حكومي، وما وظفه المهندس أحمد العمري من جهوده الهندسية في بناء الجوامع دون مقابل.