مقال للباحث ريناد منصور
العراق وسوريا ولبنان أمام فرصة تاريخية.. ممرات جديدة تتجاوز مضيق هرمز
قد تتجاوز المسارات الجديدة للطاقة والتجارة مضيق هرمز وتغيّر الشرق الأوسط، لكن ثمة تحديات كبرى ما تزال قائمة.
كشفت الحرب على إيران، وما نجم عنها من اضطراب في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، عن هشاشة مسارات التجارة والطاقة القائمة، وأخلّت بتوازن القوى القديم في أنحاء الشرق الأوسط.
وفي هذا السياق، يسعى العراق وسوريا ولبنان إلى الاستفادة من موقعها بين أوروبا والخليج وتعزيز ترابطها عبر خطوط أنابيب النفط والغاز والطرق والسكك الحديدية ومسارات الربط الرقمي. وبعد أن كانت البلدان الثلاثة في صلب نظام إقليمي تقوده إيران، تسعى حكوماتها اليوم إلى تعزيز سيادتها من خلال تنويع علاقاتها الاقتصادية، في تحوّل تدعمه إدارة ترمب.
غير أنّ هذه البلدان تسعى إلى تحقيق ذلك في ظل احتلالات أجنبية وعمليات عسكرية، وفي الوقت نفسه تواجه فساداً مستشرياً في الداخل، وأنظمة سياسيةً مجزأةً تمنح الجماعات المسلحة نفوذاً واسعاً.
وعليه فإنّ قدرتها على اغتنام هذه الفرصة لتعزيز ترابطها ـ وسيادتها ـ لن تتوقف على البنية التحتية التي تُنشئها فحسب، بل أيضاً على مدى قدرتها على إصلاح مؤسسات الدولة بما يمكّنها من إدارة هذه البنية والإشراف عليها.
تغيّر مسارات الطاقة
أدى الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز إلى اضطرابٍ شديد في تدفقات الطاقة في المنطقة، بما في ذلك صادرات العراق.
وقبل الحرب، كان العراق يصدّر نحو 3.3 ملايين برميل يومياً من حقوله النفطية الجنوبية. وبحلول الأسبوع الثاني من آذار/ مارس، انهارت الصادرات من جنوب العراق. ثم بدأت تتعافى تدريجياً منذ منتصف نيسان/ أبريل، لتصل إلى 2.3 مليون برميل يومياً في آب/ أغسطس، مدعومةً بتقديم العراق خصومات للمشترين، وبسماح إيران، وفقاً للتقارير، لناقلات النفط العراقية بالمرور عبر المضيق.
أما سوريا ولبنان، فكان تأثُّرهما بأزمة هرمز أقل مباشرةً، نظراً إلى أن أياً منهما ليس من كبار مصدّري النفط، فضلاً عن تمتعهما بمنفذ إلى البحر المتوسط. غير أن الأزمة دفعت باتجاه إعادة تشكيل محتملة لمسارات التجارة والطاقة في المنطقة، في ظلّ بحث دول مثل العراق عن بدائل.
وتتاح لكل من بيروت ودمشق فرصة للاستفادة من موانئهما على البحر المتوسط ومِن شبكات النقل لديهما بوصفها بوابات تربط الخليج بالأسواق الأوروبية ضمن منظومة إقليمية للتجارة آخذة في التشكل من جديد.
خط الأنابيب العراقي ـ السوري
يسعى العراق بالفعل إلى تنويع مسارات صادراته بعدة طرق. إذْ تعمل بغداد على زيادة الصادرات عبر ميناء جيهان التركي على البحر المتوسط، الذي يتدفق إليه النفط الخام العراقي بالفعل، كما تناقش إحياء فكرة طالَ تعثُّرها لإنشاء خط أنابيب يصل إلى ميناء العقبة الأردني على البحر الأحمر.
ويسعى العراق وسوريا أيضاً إلى إنشاء خط أنابيب جديد لنقل النفط الخام العراقي غرباً إلى البحر المتوسط، بهدف توفير بديلٍ آخر لبغداد يخفف اعتمادها شبه الكامل على التصدير عبر مضيق هرمز.
وكثيراً ما يوصف هذا الممر المخطط له بأنه إحياء لخط أنابيب كركوك ـ بانياس التاريخي، الذي كان ينقل النفط من شمال العراق إلى الساحل السوري. غير أن المشروع يتضمن إنشاء بنية تحتية جديدة لتشكيل شبكة أوسع تربط حقول العراق الجنوبية والشمالية بمركز تجميع في حديثة غرب العراق، يمكن أن يتدفق النفط منه غرباً عبر سوريا إلى ميناء بانياس على البحر المتوسط، وشمالاً باتجاه تركيا.
وتشير التقديرات إلى أنّ تكلفة المشروع ستبلغ نحو 15 مليار دولار، وأن أعمال إنشائه ستستغرق على الأرجح نحو أربع سنوات. وتفيد تقارير بأن إدارة ترمب تدعم الخطة في إطار استراتيجية للحد من نفوذ إيران الإقليمي من خلال تنويع مسارات التصدير وتقليل الاعتماد على مضيق هرمز.
ومن شأن الشبكة الجديدة، التي يُقترح أن تبلغ طاقتها الأولية نحو مليوني برميل يومياً، أن تتيح للعراق تحويل جزء كبير من صادراته بعيداً عن مضيق هرمز، بما يحدّ من أوراق الضغط التي تمتلكها إيران. لكنها ستوفّر مسارات بديلة عن مضيق هرمز بدلاً من أن تحل محله؛ إذ تتجه معظم صادرات العراق من النفط الخام إلى الأسواق الآسيوية، ولا سيما الصين والهند، التي يمكن الوصول إليها من الخليج بسرعة أكبر بكثير مقارنةً بالبحر المتوسط.
ممرات جديدة بين الشرق والغرب
يبحث لبنان وسوريا أيضاً في إعادة تأهيل خطوط السكك الحديدية التي يمكن أن تربط في نهاية المطاف الساحل اللبناني، عبر سوريا، بالعراق وتركيا والخليج. وفي هذا الشهر، عاين مسؤولون لبنانيون وسوريون مساراً محتملاً لخط سكة حديد تربط ميناء طرابلس اللبناني بمدينة حمص السورية. وقد يشكل ذلك خطوةً أولى نحو استعادة سوريا دورها بكونها دولةَ عبور، مع إمكانية أن تصبح طرابلس بوابةً على البحر المتوسط.
ولئِن بدت إعادة بناء خط سكة حديد طرابلس ـ حمص القصير قابلةً للتنفيذ، فإنّ إنشاء ممر إقليمي أشمل سيتطلب بنيةً تحتيةً أكبر بكثير وسيواجه تحديات عدة. فقد تعثرت خطط لبنان السابقة لإحياء خط السكك الحديدية نفسه قبل بدء الأعمال، لأسباب من بينها مشكلات التمويل وسوء الإدارة. كما تعرّضت شبكة السكك الحديدية السورية لأضرار جسيمة جرّاء الحرب، وتُقدّر الحكومة أن إعادة تأهيلها قد تكلف نحو 5.5 مليارات دولار.
ويمتد السعي نفسه إلى تعزيز الترابط ليشمل المجال الرقمي. إذ يُراد من شبكات الألياف الضوئية الجديدة عبر العراق وسوريا أن توفّر لدول الخليج مسارات برية بديلة لنقل الكميات الهائلة من البيانات التي تمرّ حالياً عبر كابلات بحرية معرضةً للمخاطر.
الطاقة في مرمى الهجمات
في الوقت الراهن، لا تزال هناك فجوة كبيرة بين الواقع والطموحات. فالعراق وسوريا ولبنان تمضي في مشاريع البنية التحتية هذه في ظل حرب لا تملك السيطرة على مسارها، وفي وقت تواجه فيه احتلالاً أو تدخلاً خارجياً.
ففي لبنان، تحتل القوات الإسرائيلية منطقةً أمنيةً أعلنتها من جانب واحد في الجنوب، فيما نزح أكثر من مليون شخص. وفي سوريا، سيطرت إسرائيل على المنطقة العازلة منزوعة السلاح في كانون الأول/ ديسمبر 2024، وحافظت على وجود عسكري فيها منذ ذلك الحين.
وفي أنحاء الشرق الأوسط، أصبحت البنية التحتية للطاقة هدفاً رئيساً للهجمات، إذ تعرّضت منشآت الطاقة وأصولها لأكثر من 100 هجوم خلال الأشهر الستة الأولى من الحرب. وهاجمت إيران منشآت للطاقة في أنحاء الخليج، فيما استهدفت إسرائيل مستودعات لتخزين الوقود ومنشآت للغاز داخل إيران.
ولا تزال إيران تتمتع بنفوذ من خلال شبكاتها السياسية والمسلحة في أنحاء المنطقة، بما في ذلك جماعات متجذرة داخل العراق ولبنان، أظهرت مراراً قدرتها على تهديد البنية التحتية الحيوية.
ففي العراق، على سبيل المثال، تعرّض حقل كورمور للغاز لهجمات متكررة بالصواريخ والطائرات المسيّرة نُسبت إلى ميليشيات. وفي الآونة الأخيرة، أدت هجمات انطلقت من الأراضي العراقية إلى إغلاق مؤقت لخط أنابيب النفط السعودي شرق ـ غرب، المصمم هو الآخر لتقليل اعتماد الرياض على مضيق هرمز. كما هاجم الحوثيون ناقلات نفط سعودية وسيطروا هذا الشهر على ساحل مضيق باب المندب.
ولا يقتصر تهديد البنية التحتية على الجماعات المسلحة المتحالفة مع إيران. فقد استهدفت إسرائيل مراراً البنية التحتية للنقل خلال الصراع الحالي، بما في ذلك في لبنان، وهذا ما أظهر كيف يمكن للصراع أن يعطّل الشبكات المادية التي يتوقف عليها تعزيز الترابط. وفي شرق سوريا، الذي يُفترض أن يمرّ عبره ممر الطاقة العراقي الجديد المقترح، هاجمت جماعات مسلّحة، من بينها تنظيم داعش، آبار النفط وشاحنات نقل الوقود.
عقبات داخلية
وثمّة عقبة أخرى تتمثل في الفساد المتجذّر. فالعراق ولبنان وسوريا تقع جميعها في مراتب متدنية على مؤشّر مدرَكات الفساد الصادر عن منظمة الشفافية الدولية.
وفي الأنظمة السياسية التي تُشكل فيها العقود العامة وسيلةً رئيسيةً لتوزيع الريوع، يمكن للمشاريع العملاقة أن تتيح للأحزاب السياسية فرصاً لتحقيق مكاسب محتملة من العقود، وغالباً ما يكون ذلك على حساب تنفيذ المشاريع نفسها.
ويرتبط بذلك أيضاً تشرذم هذه الدول ذاتها. فمشاريع البنية التحتية بهذا الحجم تتطلب مؤسسات قادرةً على تنسيق القرارات على مدى سنوات، وإنفاذ العقود، وحماية الأصول، وتوحيد المصالح المتنافسة حول مشروع مشترك.
غير أن السلطة في العراق وسوريا ولبنان لا تزال مجزأةً بين فصائل سياسية ومؤسسات متنافسة وجِهات مسلحة. وهذا يجعل الحكومات عاجزةً عن ضمان أمن المشاريع أو تمويلها، في ظل قدرة أطراف متعددة على عرقلة إنجازها أو استخلاص الريوع منها. وينشأ عن ذلك اختلال جوهري بين حجم الطموحات والقدرة على تحقيقها.
تعزيز الترابط لا يضمن السيادة
زادت الحرب من الأهمية الاستراتيجية للموقع الجغرافي للعراق وسوريا ولبنان. ففي ظلّ بحث الدول والشركات عن بدائل لمضيق هرمز، يمكن للبلدان الثلاثة أن توفّر ممرات بديلة تربط الخليج بالبحر المتوسط وأوروبا.
وسوف يتوقف الأمر على قدرة العراق وسوريا ولبنان على اغتنام هذه الفرصة لتحديد ما إذا كانت هذه البلدان ستتمكن من الإسهام في تشكيل النظام الإقليمي بعد الحرب، أم أن هذا النظام سيتشكّل من حولها مرةً أخرى.
لكن تعزيز الترابط لا يعني بالضرورة تعزيز السيادة. فقد توفِّر خطوط الأنابيب والسكك الحديدية والممرات التجارية الجديدة لهذه الدول بدائل تقلل من أوجه الاعتماد التي كرسها النظام الإقليمي السابق، لكنها لا تستطيع وحدها تحقيق السيادة. إذ يقتضي تحقيق ذلك مؤسسات قادرةً على إنجاز هذه المشاريع وحمايتها.
وإذا أراد العراق وسوريا ولبنان اغتنام الفرص التي يتيحها النظام الإقليمي المتغير، فلن يكفي أن تُنشِئ هذه البلدان مسارات جديدة تعبر حدودها، بل ستحتاج أيضاً إلى بناء دول قادرة على إدارة شبكات الربط الجديدة هذه، وضمان استفادة شعوبها من عوائدها، لا أن تقتصر تلك العوائد على النُّخب.
ريناد منصور
نائب المدير برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تشاتام هاوس