إيران أثبتت قوتها في العراق وإن غادر المالكي.. مقال ريناد منصور في “تشاثام هاوس”

يسلط الباحث المعروف ريناد منصور الضوء على دلالات ترشيح نوري المالكي إلى رئاسة الوزراء، وتداعيات القرار الذي ترك البلاد معلقةً منذ نحو شهر.

ناقش الباحث العراقي ريناد منصور جوانب متعددة من تداعيات ترشيح نوري المالكي لرئاسة الوزراء، ونبّه إلى أن أحداث الأيام الماضية لم تكشف فقط “وقائع صادمة” حول افتقار البلاد للسيادة أمام التدخلات الأميركية، بل كشفت كذلك أن إيران ما تزال قادرة على الرد بسرعة والتأثير على النتائج في العراق، ونقل الباحث البارز حديثاً خاصاً مع أحد “كبار المسؤولين العراقيين” يقول فيه إن “إيران ليست مجرّد شخص واحد هو المرشد الأعلى. بل هي دولة مؤسسات. وهذه المؤسسات موجودة في العراق، كما لو أنّ شيئاً لم يتغير”.

وحمل مقال ريناد منصور الموسّع عنوان “دلالات مسعى نوري المالكي لتولّي منصب رئيس الوزراء في العراق“، ونشرته منصة “كلام تشاثام هاوس” التابعة للمعهد الملكي الشهير، أحد أبرز مراكز التفكير السياسي في لندن، والذي يستضيف سنوياً جلسات خاصة بأوضاع العراق والمنطقة، كما نظم في تشرين الأول الماضي مؤتمراً حضره كبار المسؤولين العراقيين شخصياً أو عبر النوافذ التلفزيونية، وغطته شبكة 964 في قسم خاص.

واعتبر منصور -وهو زميل أول في المعهد- ترشيح المالكي من الأساس “خروجاً عن العرف السائد لدى النخب السياسية العراقية التي تفضل عادة رئيس وزراء ضعيف لا يشكل تهديداً لأي طرف” لكنه يشير أيضاً إلى احتمالية أن لا يصمد أمام الضغط المزدوج من الداخل والخارج، بالرفض الأميركي من جهة، واتساع خارطة القوى الداخلية المتحفظة.

وبعيداً عن النهاية المتوقعة لمسألة ترشيح المالكي، يذكّر منصور بقائمة أولويات ضاغطة سيتعين على الحكومة العراقية المقبلة التعامل معها فوراً، على رأسها الأوضاع في سوريا غرباً وهجمات حكومة دمشق على الكرد، والتهديدات ضد إيران شرقاً، إلى جانب المخاطر التي تتهدد دفع رواتب الموظفين عند أي حالة انكماش طويل الأمد في أسواق النفط، مع تفاقم الضغوط المُناخية وتأثيراتها الملموسة على المياه والحياة اليومية للسكان.

وفيما يلي نص مقال ريناد منصور كما ورد في موقع “كلام تشاثام هاوس“:

كشفت العودة المفاجئة للزعيم السابق المثير للجدل أنّ العراق ما يزال ساحة معركة بين الولايات المتحدة وإيران.

في 27 كانون الثاني/يناير، فاجأ الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكثيرين بتحذير صريح على مواقع التواصل الاجتماعي ذكَر فيه أنّ الولايات المتحدة ستسحب دعمها إذا أعاد العراق تعيين السياسي المخضرم نوري المالكي رئيساً للوزراء.

وقد كشف هذا التهديد العلني واقع التأثير الأجنبي في العراق، وهو ما يصرّ قادة البلاد على أنهم تجاوزوه. وعلى رغم ادعاءاتهم بتجديد السيادة، الذي تمثّل في انتهاء وجود القوات الأميركية وبعثة الأمم المتحدة العام الماضي، إلا أن العراق ما يزال ساحة معركة للتنافس بين الولايات المتحدة وإيران.

وعندما تشتد حدة هذا التنافس فإنّ هشاشة العراق سُرعان ما تتكشّف. وهذه المرة، حتى في الوقت الذي كانت فيه طهران تعاني من ضغوط داخلية وإقليمية متزايدة، فإنها لم تُظهِر أيّ علامات على إنهاكها استراتيجيّاً، بل استجابت على وجه السرعة للدفع بمرشَّحها المفضّل في بغداد. وفي الوقت نفسه، فإنّ واشنطن، التي بدت سابقاً منشغلةً وقصيرة النظر في ما يتعلّق بالعراق، وذلك في ظل قيادة رئيسٍ يميل إلى الاستعراض على حساب الاستراتيجية، سارعت منذ ذلك الحين إلى الاعتراض على المالكي ونفوذ إيران.

عودة المالكي؟

أثارت عودة ظهور المالكي مجدداً بصفته مرشَّحاً لمنصب رئيس الوزراء مفاجأة جميع الأطراف السياسية العراقية تقريباً. فقد شغل المالكي منصب رئيس الوزراء من عام 2006 إلى عام 2014، لكنّ لم يُنظر إليه منذ ذلك الحين على أنه مرشّح محتمل للعودة. ومع ذلك، ورغم عدم تولَّيه أيّ منصب رسمي لأكثر من عقد من الزمان، ظلّ المالكي أحد أكثر اللاعبين السياسيين نفوذاً في العراق، في نظام غالباً ما تمارَس فيه السلطة بشكل غير رسميٍّ وليس من خلال المؤسسات الرسمية.

كان المالكي رئيساً للحكومة عندما خسر العراق ما يقرب من ثلث أراضيه لصالح تنظيم الدولة الإسلامية في عام 2014، وهو انهيار أجبره في النهاية على الاستقالة. ويعزو العديد من المراقبين العراقيين والدوليين صعود تنظيم داعش إلى السياسات الطائفية التي اتُهمت حكومته بممارستها تجاه المجتمعات العربية السنية في شمال غرب العراق. في ذلك الوقت، تأكدت المعارضة لعودته من خلال رسالة من أعلى سلطة دينية شيعية في العراق في النجف، آية الله العظمى علي السيستاني.

ومنذ تغيير النظام في العراق، غالباً ما فضلت النُّخب العراقية المرشحين الضعفاء لرئاسة الوزراء، أي الشخصيات التي تحظى بتوافق الآراء وتقبلها جميع الأطراف لأنها لا تشكل تهديداً كبيراً لأيٍّ منهم.

وبعد انتخابات 2025 العراقية، كان من المتوقع استمرار هذا النهج الذي يُسفِر عن النتيجة المتوقعة لعملية تشكيل الحكومة الطويلة التي تعقِب الانتخابات. ولكن في تحوّل مفاجئ وغير متوقع في كانون الثاني/ يناير 2026، برز المالكي باعتباره المرشح الأوفر حظاً بعد أن حظي بتأييد أجزاء (وليس كامل) من “الإطار التنسيقي الشيعي” الحاكم، الذي ينقسم الرأي فيه حول المالكي. ورغم أن نجاحه ما يزال مستبعَداً، إلّا أنه يهدد بقلب العُرف السائد رأساً على عقب، ويمثّل عودة رئيس وزراء متحزّبٍ قوي.

يدُ طهران الراسخة

كذلك تُبيِّن عودة المالكي المحتملة نفوذَ إيران المستمر في العراق، حتى في الوقت الذي تواجه فيه طهران ضغوطاً متزايدة في الداخل وفي جميع أنحاء المنطقة.

وقد حافظ المالكي، منذ تركه لمنصبه، على علاقات وثيقة مع إيران. ومن بين آخر أعماله حين كان رئيساً للوزراء في عام 2014، إضفاء الطابع الرسمي على قوات الحشد الشعبي، وهي منظمة تضمّ مجموعات مسلحة. ولدى العديد من هذه المجموعات، بما في ذلك كتائب حزب الله، علاقات قوية مع طهران.

وقد جعل الانتشار الواسع لهذه الجماعات المسلحة شخصاً مثل المالكي ذو قيمة خاصة لإيران في سعيها لممارسة نفوذها على المشهد الأمني المجزَّأ في العراق. وقد اكتسبت هذه الأهمية بُعداً خاصّاً منذ اغتيال الولايات المتحدة في عام 2020 للجنرال الإيراني قاسم سليماني وزعيم قوات الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس في بغداد، ليَسقط بذلك اثنان من أهمّ صانعي القرار الذين حاولوا الحفاظ على تماسك التكتُّل المتنامي للجماعات المسلحة.

بالنسبة إلى طهران، يُعدّ العراق أكثر ساحات الصراع قيمةً من الناحية الاستراتيجية، بعد أن تآكل نفوذها وشبكاتها الحليفة منذ 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023. ويُشكّل العراق، الذي يتشارك حدوداً طويلة مع إيران، حاجزاً أمنياً حاسماً يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالاستقرار الداخلي لإيران. وفي وقت تتعرض فيه طهران لعقوبات قاسية، يعمل العراق أيضاً بمثابة شريان اقتصادي يتيح إمكانية الوصول إلى التجارة والعملة الصعبة والقنوات التي لا تزال تسمح بتداول البضائع الخاضعة للعقوبات.

لهذه الأسباب، لا يمكن لإيران أن تسمح باستمرار حالة عدم اليقين أو عدم الاستقرار في بغداد. وهذا ما يفسّر دعم طهران للمالكي. فهو شخصية موثوقة قادرة على فرض الانضباط على نظامٍ لم يعد بإمكان إيران أن تتركه في أيدي زعيم انتقالي ضعيف يحتاج إلى تعلُّم أبجديات السياسة.

هل فوجئت الولايات المتحدة؟

على النقيض من ذلك، تركت واشنطن العراقَ يتراجع إلى أسفل قائمة أولوياتها إلى حدٍّ بعيد. ومن خلال المبعوث الأميركي الخاص إلى الشرق الأوسط، ستيف ويتكوف، وجّهت إدارة ترمب جهودها إلى مناطق أخرى، بما في ذلك إسرائيل-فلسطين وإيران وسوريا ولبنان واليمن.

وفي ظِلّ تراجع الاهتمام بالعراق، عيّنت إدارة ترمب في تشرين الأول/ أكتوبر 2025 حليفاً مقرّباً من الرئيس ترمب، هو مارك سافايا، ليشغل منصب المبعوث الأميركي إلى بغداد. وكان سافايا لا يزال في مرحلة تهيئة نفسه للمنصب ولم يزر بغداد منذ تعيينه، مما ترك فراغاً في الحضور الأميركي، سواء أثناء انتخابات تشرين الثاني/نوفمبر أو بعدها.

وبمجرّد اتّضاح أنّ المالكي كان المرشح الأوفر حظاً للعودة إلى منصب رئيس الوزراء في محادثات تشكيل الحكومة بعد الانتخابات، تحركت واشنطن لإعادة الانخراط. ووفقاً لتقارير رويترز التي استشهدت بمصادر لم تُسمِّها، فقد أُزيحَ سافايا (وهو ما نُفِي في البداية) وأضيف العراق إلى مهام توم برّاك، سفير الولايات المتحدة في تركيا والمبعوث الخاص إلى سوريا. وقد أجرى برّاك ومسؤولون أميركيون آخرون سلسلة من المكالمات الهاتفية مع كبار القادة العراقيين لتأكيد معارضتهم لـ “حكومة تُنصّبها إيران”، في إشارة إلى ترشيح المالكي.

واقعٌ صادِم

أبرزت هذه الحادثة واقعاً صادِماً بالنسبة إلى العديد من العراقيين. فقد تمتعت البلاد بهدوء نسبي بالمقارنة مع الدول المجاورة التي غرقت في الصراع منذ 7 تشرين الأول/ أكتوبر. لكنّ هذا الاستقرار لا يزال هشاً. فهو قائم على أسس واهيةٍ ونظام سياسي لا يزال مجزأً وعُرضةً للتأثيرات الخارجية.

من جانبها، أظهرت إيران أنها ما تزال قادرة على الرد بسرعة والتأثير على النتائج في العراق. وكما قال لي أحد كبار المسؤولين العراقيين: “إيران ليست مجرّد شخص واحد هو المرشد الأعلى. بل هي دولة مؤسسات. وهذه المؤسسات موجودة في العراق، كما لو أنّ شيئاً لم يتغير”.

كما كشفت واشنطن عن استمرار نفوذها. فبالنسبة إلى العديد من العراقيين، كان منشور واحد على وسائل التواصل الاجتماعي للرئيس الأميركي كافياً لإعادة ضبط العملية السياسية، ما شكّل تذكيراً صارخاً بأنّ بلدهم يفتقر إلى السيادة الكاملة، على رغم الادعاءات الرسمية التي تنفي ذلك.

ماذا بعد؟

يبدو الآن أنّ ترشيح المالكي لن يصمد أمام هذا التلاقي بين الضغوط الداخلية والخارجية. لكن استمرار الاستقرار الهش في العراق يستوجب إتمام عملية تشكيل الحكومة بسرعة، وتجنُّب شلل آخر دام عاماً كاملاً أعقب الانتخابات السابقة.

وسيتعيّن على الحكومة المقبلة أيضاً مواجهة افتقارها إلى السيادة الكاملة، مع مواصلة عزل العراق عن الحروب الإقليمية التي ما تزال مستعرة من حوله. وإلّا فإن ذلك سيُعرّض البلاد لسلسلةٍ من الأزمات المتصاعدة.

وأبرز هذه الأزمات هي المواجهةُ المتجددة بين الولايات المتحدة وإيران. فأيّ تهديد وجودي للجمهورية الإسلامية سيؤثّر حتماً على العراق، مما سيُثقل كاهل النظام السياسي غير المؤهَّل للتعامل مع تداعيات تهديدٍ كهذا.

كذلك يواجه العراق تجدّد الاضطراب في سوريا على حدوده الغربية. وقد أدت التطورات الأخيرة، ولا سيّما هجوم دمشق على قوات سوريا الديمقراطية التي يقودها الأكراد في سوريا، إلى إعادة صياغة التوازن الأمني، بما في ذلك نقل آلاف المعتقلين من تنظيم داعش إلى العراق.

كما أنّ اقتصاد العراق يعتمد على الديون وارتفاع أسعار النفط، مما يعني أن أيّ انكماش طويل الأمد في أسواق النفط سيؤثر على قدرة الحكومة على دفع رواتب القطاع العام. ويضاف إلى ذلك تفاقم الضغوط المُناخية، التي تتجلى في نقص المياه الذي بدأ بالفعل في إعادة تشكيل الحياة اليومية.

وهذه تحديات لم يعد بإمكان العراق تجنّبها، وهو في حاجةٍ إلى حكومة قادرة على مواجهتها.