الاعتداء على الصحافي مصطفى الشمري في البصرة
تشاثام هاوس يراقب أثر حرب إيران على العدالة في العراق.. تقرير ليلى عامر
نشرت المحامية العراقية والناشطة المدنية ليلى عامر مقالاً تحليلياً في تشاثام هاوس، اليوم الاثنين (26 أيار 2026)، تناولت فيه تداعيات الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران وانعكاساتها على المجتمع المدني في العراق، مستعرضة هشاشة العمل المدني والإعلامي بالبلاد خلال التصعيد الإقليمي، مبينة أن منظمات المجتمع المدني والصحفيين والناشطين أصبحوا يواجهون ضغوطاً متزايدة بفعل تصاعد نفوذ الجماعات المسلحة وضعف مؤسسات الدولة، فضلاً عن تنامي الاستقطاب السياسي والأمني.
وتطرقت عامر لحالات استهداف صحفيين أثناء تغطية الاحتجاجات والأحداث الأمنية، إضافة إلى التضييق على المنظمات غير الحكومية عبر القيود القانونية والرقابية، كما أشارت إلى أن وقف إطلاق النار لم يؤد إلى استعادة المجتمع المدني، بل انتقلت الضغوط إلى أشكال أقل ظهوراً وأكثر استدامة من الترهيب، فيما دعت في ختام المقال إلى إصلاح المؤسسات المعنية بحماية الحقوق والحريات، وتعزيز استقلالية آليات المساءلة، وتوفير دعم دولي مرن للفاعلين المدنيين لضمان استمرار العمل المدني في العراق.
مقال ليلى عامر، نشرته في تشاثام هاوس، وتابعته شبكة 964:
كشفت الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران هشاشة الحيّز المدني في العراق. فمنذ سنوات، تُشكّل التهديدات الأمنية التي تستهدف منظمات المجتمع المدني، والقيود المفروضة على حرية التعبير والتجمع، سمات راسخة في البيئة المدنية العراقية. غير أن النزاع فاقم هذه الضغوط؛ إذ وسّعت الجهات المسلحة نفوذها، فيما ازداد ضعف مؤسسات الدولة، وأصبح الخطاب العام أكثر استقطاباً. وفي هذا السياق، بات الفاعلون المدنيون، ولا سيما المنخرطون في أعمال المساءلة، أو أولئك الذين يُنظر إليهم بوصفهم محايدين خلال النزاع، أكثر عرضة للاستهداف، في ظل تزايد التعامل مع مساءلة الجهات السياسية والأمنية باعتبارها شكلاً من عدم الولاء أو الاصطفاف مع أطراف خارجية، ولا سيما الولايات المتحدة.
وقد تجلّت هذه الدينامية في حوادث أخيرة استهدفت صحافيين كانوا يغطّون أخبار الحرب. ففي نيسان/ أبريل 2026، على سبيل المثال، تعرّض الصحافي العراقي مصطفى الشمّري لاعتداء بالضرب المبرح بأيدي مجموعة من المحتجين أثناء تغطيته تظاهرات أمام القنصلية الكويتية في البصرة، بعد اتهامه بالانحياز السياسي. وفي حادثة منفصلة في المدينة نفسها، تعرّضت الصحافية نور التميمي لاعتداء جسديّ وصودِر هاتفها أثناء تغطيتها تداعيات ضربة استهدفت جماعة مسلحة موآلية لإيران. وتُبيّن هذه الحوادث كيف بات يُنظر بشكلٍ متزايد إلى التدقيق والتغطية الإعلامية خلال فترات باعتبارهما تموضعاً سياسياً، بما يُعرّض الفاعلين المدنيين للترهيب والعنف. وفي ظل تزايد التصعيد الإقليمي، تبرز حاجة ملحّة إلى إصلاح المؤسسات الناظمة لعمل المجتمع المدني وتعزيز دعم الجهات الفاعلة المدنية، بما يتيح استعادة قَدر فِعليّ من المساءلة في العراق.
قيود مفروضة على المجتمع المدني قبل الحرب
كان الحيّز المدني في العراق يواجه قيوداً شديدة حتى قبل اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران. وقد أسهمت جهات رسمية وغير رسمية على حد سواء في خلقِ هذا المناخ، إلا أن الجماعات المسلحة شكّلت تهديداً دائماً بصورة خاصة. وخلال احتجاجات تشرين2019 وما بعدها، حين خرج العراقيون احتجاجاً على الفساد وسوء الإدارة، أدت التهديدات التي استهدفت الناشطين، وعمليات القتل والخطف التي نُفذت من دون محاسبة، إلى خلق مناخ من الخوف قلّصَ مساحة العمل المدني وأضعف جهود المساءلة.
وتفاقمت هذه الضغوط في عام 2020 عقب مقتل قاسم سليماني على يد الولايات المتحدة في بغداد، وهو ما أدى إلى تصاعد التوتر بين الفصائل المسلحة الموآلية لإيران والجهات المنخرطة في أعمال المساءلة، التي أصبحت الجماعات المسلحة تنظر إليها بصورة متزايدة باعتبارها مرتبطة بالولايات المتحدة أو متحالفة معها. ويجسّد اغتيالهشام الهاشميفي بغداد عام 2020، وهو مستشار لرئيس الوزراء مصطفى الكاظمي ومحلل بارز في شؤون الأمن والجماعات المسلحة، وكذلك اغتيال الناشطةرهام يعقوبفي البصرة في العام نفسه، هذا النمط بوضوح. فقد استُهدف كلاهما، جزئياً، بسبب انتقاداتهما المستمرة لنفوذ الجماعات المسلحة. كما عزّز قرار محكمة جنايات بغدادفي عام 2024 الإفراج عن المدان بقتل الهاشمي، رغم اعترافه بالجريمة، المخاوف بشأن الإفلات من العقاب، وسلّط الضوء على ضعف منظومة العدالة في مواجهة الجماعات المسلحة.
وخلال السنوات التي تلت ذلك، عملت الجهات المعنية بجهود المساءلة ضمن بيئة أكثر تسييساً، حيث دأبت الجماعات المسلحة على تصوير الانخراط مع الجهات الدولية باعتباره دليلاً على الاصطفاف مع قوى خارجية. وقد أسهمت هذه الدينامية في تضييق مساحة العمل المرتبط بالمساءلة، حتى قبل اندلاع النزاع الأخير.
كما كان للدولة دور مباشر في تقييد الحيز المدني. فقد استخدمت الحكومة نصوصاً قانونية، بما في ذلك المواد 433 و215 و220 من قانون العقوبات العراقي، لاستهداف النشطاء والصحفيين والمنتقدين عبر الإنترنت بموجب ذرائع من قبيل “الإخلال بالآداب العامة” و”المحتوى غير اللائق.” ويوضح اعتقال علي العبادي عام 2025، مدير المركز العراقي لحقوق الإنسان، الذي قيل إنه جاء على خلفية تقاريره في شأن المساءلة، وجرت ملاحقته بموجب المادة 433، كيف أصبح هذا العمل في حدّ ذاته سبباً للانتقام. ولم تسلم الأنشطة الثقافية والمدنية من ذلك، فقد حُظِر مهرجان “الناصرية تقرأ”، وهو فعالية أدبية سنوية في جنوب العراق، لأسباب أمنية، وقد اعتُقِل مُنظّمه في شباط/ فبراير 2026، في خطوة تعكس اتساع القيود المفروضة على الحيّز العام وحرية التعبير بصورة أشمل.
وواجهت المنظمات غير الحكومية ضغوطاً مماثلة، شملت تشديد الرقابة على مصادر التمويل، ولا سيّما التمويل الأجنبي، والتدخل في عملها عبر دائرة المنظمات غير الحكومية. وقد دفعت هذه القيود العديد من المنظمات إلى ممارسة الرقابة الذاتية وتقليص حضورها العلني، بما أضعف قدرتها على تعزيز المساءلة.
وتستند القوى الدافعة باتجاه تضييق الحيز المدني إلى منطق مشترك يتمثل في سعي الجهات النافذة إلى تجنّب التدقيق والمساءلة، والحفاظ على عناصر من النظام السياسي الذي تشكّل بعد عام 2003، إذ غالباً ما تُصوَّر مطالب الإصلاح باعتبارها تهديداً للاستقرار. وقد عززت احتجاجات تشرين هذا النهج الدفاعي، ما جعل السلطات أكثر حرصاً على منع تكرار حشدٍ مماثلٍ في المستقبل.
المجتمع المدني في أجواء الحرب
لقد زادت الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران من خطورة البيئة المدنية المقيّدة أصلاً في العراق. فقد جرت المواجهة بين الولايات المتحدة والجماعات المسلحة المدعومة من إيران، جزئياً، على الأراضي العراقية، ما جعل العمل المرتبط بالمساءلة أكثر حساسية من الناحية السياسية. وأصبح انتقاد نفوذ الفصائل المسلحة، أو معارضة ربط العراق بالمحور الإيراني، أو مساءلة السلاح الخارج عن سيطرة الدولة، أموراً قد تعرّض الناشطين لمخاطر متزايدة.
وقد كشف اغتيال الناشطة في مجال حقوق المرأة ينار محمد في 2 آذار/ مارس 2026 عن جسامة المخاطر السائدة في هذا المناخ. ووصفت المنظمات الحقوقية الدولية عملية اغتيالها بأنها جزء من نمط أوسع من الهجمات على المدافعين عن حقوق الإنسان، محذّرة من أن استمرار الإفلات من العقاب يواصل تشجيع الجناة. وقد عكس اعتقال الناشط البيئي مرتضى الجنوبي في 4 آذار/ مارس، عقب احتجاجات سلمية بشأن حقوق المياه والبيئة، اتجاهاً موازياً، وهو استغلال الدولة لظروف الحرب لتبرير فرض المزيد من القيود على العمل المدني.
ويُشكّل غياب المساءلة عن هذه الأفعال في حدّ ذاته شكلاً من أشكال الضرر. ذلك أنَّعدم محاسبة أيّ شخص على مقتل ينار محمد، حتى بعد وقف إطلاق النار، يُعزّز الحجة القائلة بأنّ الصراع لم يولّد مُجرّد مخاطر مؤقتة، بل رسّخ حالة الإفلات من العقاب البنيوية التي يواجهها المجتمع المدني العراقي.
وقد امتدت هذه القيود لتشمل عمل المنظمات غير الحكومية أيضاً. ففي رسالة مؤرّخة في 3 آذار/ مارس 2026، قيل إنها صادرة عن الأمانة العامة لمجلس الوزراء العراقي، جرى توجيه وزارة الماليةلإجراء تدقيق ضريبي على المنظمات غير الحكومية. وربطت منظمات المجتمع المدني هذه الإجراءات بحالة التصعيد الإقليمي، معتبرةً أنها تندرج ضمن نمط أوسع من الضغوط المتزايدة على الجهات المنخرطة في أعمال المساءلة.
ما بعد وقف إطلاق النار
لم يؤدِّ وقف إطلاق النار إلى استعادة الحيز المدني. فعلى رغم تراجع الأعمال القتالية واسعة النطاق، لا تزال الشروط البنيوية التي تقيّد عمل المجتمع المدني قائمة بقوة، بما في ذلك استمرار نفوذ الجهات المسلحة، وضعف آليات المساءلة، ومحدودية الحماية المتاحة للناشطين. وبدلاً من أن تفضي مرحلة ما بعد وقف إطلاق النار إلى انفتاح فعليّ في الحيّز المدني، شهدت في معظمها انتقالاً من العنف المرتبط مباشرة بالنزاع إلى أشكال أكثر استدامة وأقل ظهوراً من الترهيب والإكراه. كما بات العديد من منظمات المجتمع المدني يعمل بحذر أكبر وبحضور علنيّ أقل، نتيجة الضغوط الأمنية والسياسية. وقد أضعف هذا التراجع عن العمل العلنيّ المرتبط بالمساءلة قدرة القطاع على أداء دور موازن للسلطة في المجال العام.
وما تزال الجماعات المسلحة تمارس نفوذها من خلال التهديدات والهجمات الموجّهة. ففي 21 نيسان/ أبريل، نجا الناشط ضرغام ماجد من محاولة اغتيال ثانية في بابلخلال أقل من عامين، نُفّذت، بحسب ما أُفيد، على يد مسلّحين يستقلون دراجات نارية، في نمط متكرر للهجمات التي تستهدف الناشطين في العراق.
كما تزيد حالة عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي الأوسع من حدّة هذه الضغوط. فقد أدت أزمة تشكيل الحكومة الممتدة، إلى جانب تدهور الأوضاع الاقتصادية الناتج عن العقبات التي تواجه صادرات النفط، إلى تقليص التمويل المتاح للمبادرات المدنية. وأدى ذلك إلى زيادة اعتماد منظمات المجتمع المدني على الجهات المانحة الخارجية، مع تعريضها في الوقت نفسه لمزيد من تشديد الرقابة والقيود التشغيلية عليها.
نحو استعادة الفضاء المدني
لقد عمّقت الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران الأزمة التي يواجهها الحيّز المدني في العراق. ولئن كان لدى العديد من الفاعلين السياسيين الحافز للإبقاء على ضعف مؤسسات الدولة، فإنّ على صانعي السياسات ذوي التوجّه الإصلاحي، والهيئات الرقابية، العمل على تعزيز المؤسسات وآليات المساءلة. ويعني هذا عمليّاً ضمان تمتّع اللجنة العليا المستقلة لحقوق الإنسان بقدرة فعلية على التحرّي، وبالاستقلالية السياسية، وبالقدرة على متابعة الانتهاكات من دون تدخّل. وينبغي تشجيع دائرة المنظمات غير الحكومية على الابتعاد عن الممارسات التقييدية والتوجّه نحو تمكين عمليات المجتمع المدني.
ويمكن للشركاء الدوليين مواكبة هذه الجهود من خلال تقديم دعم مرن ومنخفض المخاطر – بما في ذلك تدابير الحماية والأمن الرقمي والمساعدة القانونية – مما يحدّ من تعرُّض المنظمات العاملة في ظروف صعبة للخطر. وسيتعيّن على الجهات الفاعلة في المجتمع المدني نفسها التكيّف، من خلال بناء التحالفات، ووضع استراتيجيات توثيق أقل ظهوراً، واتّباع نُهج مناصرة جماعية تساعد في استمرار أعمال المساءلة في بيئة تزداد تقييداً.
وفي نهاية المطاف، يظلّ الحفاظ على الحيّز المدني ضرورة أساسية، ليس فقط لجهود المساءلة، بل أيضاً لتعزيز مَنعةِ النظام السياسي العراقي وترسيخ شرعيّته على المدى الطويل.