مقال الدكتور هشام داود

“الزيدنة” كتعبير سياسي.. من “حزام السبع” إلى “يوم السيادة”

ثمة تحوّل طريف يستحق، ربما، أن يجد له مكاناً في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والسياسية للعراق، فالعراقي الذي اعتاد على امتداد عقود أن يختتم خطابه السياسي ببيت من الشعر، مستدعياً بذلك مخزوناً ثقافياً يمنح الكلام شيئاً من الحكمة والوجاهة، يبدو أنه انتقل اليوم إلى طور أكثر شعبية ومحلية، باتت فيه بعض المفاهيم الكبرى ــ الدولة والسيادة والاستراتيجية والأمن القومي وموازين القوى ــ تجد خاتمتها في مثل شعبي، وأحياناً في حِسْجة عراقية خالصة. ولعل عبارة “الليل يطلك بالنهار” كانت واحدة من أكثر اللحظات كثافة في هذا التحول؛ فهي، في اقتصادها اللغوي المدهش، تختصر علاقة الإنسان بالزمن وتعاقبه الحتمي في أربع كلمات، وقد شاءت المفارقة أن تُقال في ألمانيا، البلد الذي أثقل الفكر الحديث، من كانط وهيغل إلى هايدغر، بكتب كاملة عن الزمن والعقل والتاريخ. وربما كان على الفلسفة الألمانية، بعد قرنين من الجهد، أن تفسح مكاناً صغيراً للحِسْجة العراقية التي وصلت إلى النتيجة نفسها بطريق أقصر بكثير.

ولا أقول ذلك انتقاصاً من المثل الشعبي، بل ربما العكس، فالمثل والحِسْجة ينتميان إلى واحد من أقدم أشكال تكثيف الخبرة الاجتماعية، حيث تختزن الجماعة في عبارة قصيرة ما راكمته من معرفة بالقوة والخوف والحذر والقرابة والتحالف والخديعة، من دون أن تحتاج في كل مرة إلى بناء جهاز مفاهيمي كامل لشرحها. ولذلك فإن الطريف ليس أن تدخل الحِسْجة إلى السياسة، فهي كانت دائماً جزءاً من الحياة السياسية والاجتماعية العراقية، وإنما أن تنتقل من المجلس والديوان والشارع إلى لغة الدولة والاستراتيجية والأمن القومي، ثم أن تعبر الحدود بدورها وتجد طريقها إلى قاموس القادة العسكريين الأجانب.

وعند هذه النقطة يمكن، بشيء من الدعابة وبكثير من الاحترام، الحديث عن شيء من “زيدنة” اللغة السياسية؛ فالسيد رئيس الوزراء لم يخترع، بطبيعة الحال، الحِسْجة العراقية ولا الشعر الشعبي، لكنه منح هذا المخزون حضوراً لافتاً في الخطاب السياسي الرسمي، مستفيداً من معرفته بالشعر والأهازيج ومن قدرة هذا النوع من الكلام على إصابة المعنى بسرعة، وأحياناً على ترك السامع أمام سؤال أصعب من العبارة نفسها. وحين بدأ القادة العسكريون الأمريكيون يستعيرون بدورهم أمثالاً عراقية في الحديث عن الاستراتيجية والأمن، أمكن القول إن “الزيدنة” تجاوزت، ولو للحظة، حدود العراق.

“اتحزّم للواوي بحزام السبع”

لكن الإنصاف يقتضي القول إن الاستخدام الأمريكي الأخير للمخزون الشعبي العراقي كان أكثر توفيقاً في علاقته بالسياق. فحين استعار قائد التحالف المثل العراقي “اتحزّم للواوي بحزام السبع”، لم يكن اختياره اعتباطياً. فالواوي، أي ابن آوى، يحضر في المخيال الشعبي العراقي بوصفه حيواناً ضعيفا ولكنه حذر ومراوغ، فيما يحيل السبع إلى القوة والخطر والرهبة. فالمعنى هنا لا يقوم على أن الواوي يرتدي حزام السبع أو يستعير قوته، بل على من يواجه الواوي ان لا يستهين به صغيراً أو ضعيفاً، وأن يستعد له كما لو انه سيواجه خصماً كبيراً. فالمثل، في جوهره، حكمة شعبية في الحذر وتقدير المخاطر: لا تقِس خطر الخصم بحجمه الظاهر، ولا تجعل ضعفه المفترض سبباً في التهاون معه. ومن هذه الزاوية تحديداً بدا استخدام المثل موفقاً في سياقه السياسي والعسكري، لأنه نقل بكلمات عراقية قليلة فكرة استراتيجية مألوفة: أن التهديد الصغير، أو المراوغ قد تكون كلفة الاستهانة به أكبر من حجمه.

وما يجعل استعارة قائد التحالف للمثل موفقة هو السياق الذي وضعه فيه، فقد دعا العراق إلى عدم الاستهانة بأي تهديد، كبيراً كان أم صغيراً، ثم أورد المثل قبل أن ينتقل مباشرة إلى الحديث عن حصر السلاح بيد الدولة. وبذلك يمكن قراءة الحِسْجة هنا باعتبارها تحذيراً من أن يتحول “الواوي” إلى قوة أكبر منه حين يُمنح “حزام السبع”، أي حين تمتلك قوة محدودة أدوات أو موارد أو غطاءً يتيح لها أن تتصرف بما يتجاوز حجمها الأصلي. وفي الحالة العراقية يكتسب المثل، بطبيعة الحال، دلالة إضافية: فحين تتمكن جماعات مسلحة أو قوى دون الدولة من استخدام جانب من مؤسسات الدولة ومواردها وشرعيتها، مع الاحتفاظ في الوقت نفسه بسلاحها ومنطقها وقرارها الخاص، يصبح “حزام السبع” استعارة سياسية شديدة الإيحاء. ولعلها حالة نادرة يكون فيها انتقال الحِسْجة من التداول الشعبي إلى اللغة الاستراتيجية.

الأنثروبولوجية الاجتماعية لا تنظر إلى المثل الشعبي في الثقافات المحلية باعتباره مجرد طرفة لغوية، إنه صيغة مكثفة للمعرفة الاجتماعية، تحمل تصوراً عن القوة والتراتبية والحماية والقرابة والتحالف والخداع. غير أن نقل الشعر أو المثل من ديوان شيخ أو افندي إلى عالم الدولة لا يصنع، لوحده، طقساً سياسياً ولا عقيدة استراتيجية. في السابق كان السياسي العراقي يختم كلمته ببيت شعر، أو ان يتصدر التظاهرات شاعر ليضفي على خطابه شيئاً من الوجدان والحماس ــ يكفي الرجوع إلى رائعة الجواهري في ساحة السباع “أخي جعفر”.. أما اليوم فقد تقدمت الأمثال الشعبية والحِسْجة والطقوس العشائرية خطوة إضافية، وأصبحت في العراق جزءاً من تفسير السياسة نفسها. والفارق مهم: الرمز الشعبي يستطيع إضاءة الواقع، لكنه لا يستطيع أن يحل محل المفهوم والمؤسسة.

ترامب وإعادة ترتيب التاريخ القريب

أما الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فقد ذهب في المناسبة نفسها، (“يوم السيادة” في التعبير الرسمي العراقي)، إلى مكان آخر تماماً. فكلمته في 30 أيلول لم تكن احتفالية فقط، فخلف نبرة الانتصار يمكن قراءة رسالة سياسية واضحة: الولايات المتحدة تقول إنها أنهت مهمتها العسكرية داخل العراق، وأخرجت قواتها وكامل معداتها، ولم تكرر مشهد انسحابها المتخاذل من أفغانستان، كما حرص ترامب بنفسه على تأكيد ان ما سيأتي أصبح مسؤولية عراقية إلى حد بعيد. وفي خاتمة رسالته أعرب عن أمله بأن يكون رئيس الوزراء الزيدي قادراً على “التعامل مع الأمور جيداً”.

لكن عبارة “لقد غادرنا” تحتاج بدورها إلى بعض التوضيح أمريكيا وأيضا عراقيا. فالانسحاب العسكري من الأراضي العراقية لا يعني انسحاب الولايات المتحدة من العراق بالمعنى الاستراتيجي، كما أن الوجود العسكري المباشر ليس سوى أداة واحدة من أدوات النفوذ الأمريكي، فهناك الاستخبارات، والتدريب والتعاون الأمني، والدبلوماسية، والعلاقات الاقتصادية والمالية، فضلاً عن بنية عسكرية أمريكية إقليمية تجعل العراق واقعاً داخل مجال عمليات أوسع بكثير من حدوده. والأهم أن التقارير عن مرحلة ما بعد الانسحاب تشير صراحة إلى انتقال جانب من مهام مكافحة داعش والدعم إلى خارج العراق، ومنه الأردن، وإلى استمرار الدعم الاستخباري والتدريبي، كما أشارت إلى ذلك “واشنطن بوست”. لذلك فإن صورة “خرج آخر جندي وانتهت أمريكا في العراق” تصلح للطقس السياسي الاحتفالي الداخلي أكثر مما تصلح لوصف موازين القوة في عصر الحروب الهجينة وغير المتناظرة، حيث لم تعد السيطرة الاستراتيجية تحتاج بالضرورة إلى ثكنة في قلب البلد.

غير أن ترامب، وهو يقدم هذه الرسالة، حشر أكثر من عقدين من التاريخ الأمريكي في العراق داخل سردية واحدة: ففي كلمته يبدو غزو العراق عام 2003 وما أعقبه، ثم عودة القوات الأمريكية عام 2014 وانطلاق عملية Inherent Resolve، وكأنها رحلة عسكرية واحدة بدأت مع جورج بوش الابن وانتهت معه شخصياً سنة 2026، مع أن الوقائع أكثر تعقيداً وتقطعاً من ذلك بكثير. فقد انتهى الوجود العسكري الأمريكي الواسع في العراق في نهاية عام 2011، في عهد باراك أوباما، بعدما تعذر الاتفاق مع حكومة نوري المالكي على الشروط القانونية التي تسمح ببقاء قوة أمريكية متبقية، وفي مقدمتها الخلاف بشأن الحصانة القانونية للجنود الأمريكيين. ثم عادت القوات الأمريكية إلى العراق بعد ثلاث سنوات من انسحابها، ولكن هذه المرة في سياق سياسي وأمني مختلف جذرياً عن ذلك الذي حكم الوجود العسكري المباشر والكثيف بين عامي 2003 و2011.

كان العراق آنذاك يعيش تصاعداً حاداً في الاستقطاب المذهبي واتساعاً لحركات الاحتجاج، في المناطق الغربية كما في أوساط مدنية عراقية أوسع، بالتوازي مع تنامي التنظيمات الجهادية التكفيرية، فيما كانت الحرب الأهلية السورية قد فتحت فضاءً إقليمياً واسعاً لصعود داعش وجبهة النصرة وانتقال نشاطهما عبر الحدود. وفي صيف 2014 انهارت قطاعات كبيرة من الجيش العراقي أمام هجوم داعش، وسقطت الموصل ومناطق واسعة من شمال البلاد وغربها خلال فترة وجيزة، حتى بات التنظيم يهدد بغداد ومحيطها، وفي تلك الظروف طلبت حكومة نوري المالكي، رسمياً وعلى عجل، المساعدة العسكرية الأمريكية، بما فيها القوة الجوية، وهو طلب أكد رئيس هيئة الأركان الأمريكية آنذاك مارتن ديمبسي استلامه، قبل أن يتطور التدخل لاحقاً إلى تحالف دولي واسع ضد داعش. أي إن القوات الأمريكية عادت هذه المرة بطلب من الحكومة العراقية، وفي إطار سياسي وقانوني مختلف عن ذلك الذي حكم وجودها بعد غزو عام 2003.

لكن المفارقة لم تتوقف عند ذلك، فواشنطن التي استجابت لطلب حكومة المالكي كانت قد وصلت، في الوقت نفسه، إلى قناعة بأن الانهيار العراقي لا يمكن معالجته عسكرياً فقط، وأن الأزمة ترتبط بطبيعة النظام السياسي وبحدة الاستقطاب الطائفي الذي طبع الولاية الثانية للمالكي، ولذلك تزامنت الاستجابة العسكرية مع ضغوط داخلية وخارجية من أجل احداث تغيير سياسي في بغداد، انتهت بعد أسابيع بمغادرة المالكي رئاسة الحكومة ومجيء حيدر العبادي بدلا عنه، فيما أخذ الدعم الدولي للعراق ضد داعش شكله العسكري والسياسي الجديد، المستند هذه المرة إلى طلب رسمي عراقي وموافقة الحكومة على وجود القوات الأجنبية والأطر القانونية المنظمة لعملها وموافقة المالكي على إعطاء الجنود الامريكان صفة المحصنين دبلوماسيا، ولا نعرف حقيقة سبب تسمية مغادرة جنود من عشرات الدول تمت دعوتهم رسميا للدفاع عن العراق امام داعش بانه يوم انتزاع السيادة!

فإلى جانب التقديم العراقي لهذا السياق التاريخي، تظهر بالتوازي قراءة ترامبية لتلك المرحلة التاريخية غير البعيدة: عند ترامب كما عند السلطات العراقية والعديد من الفصائل المسلحة وأحزاب الاطار التنسيقي، الوقائع لا تختفي تماماً، لكنها تُنتزع من سياقاتها ومن تسلسلها الزمني، ثم يعاد ترتيبها داخل سردية أبسط وأكثر ملاءمة للرسالة السياسية المطلوبة في اللحظة الراهنة.

ما بعد “يوم السيادة”

ومع ذلك، يصعب الاعتراض على كلمة واحدة استخدمها ترامب quagmir، المستنقع أو المحنة. العراق كان بالفعل محنة أمريكية، ولكن ربما لأسباب أعمق مما توحي به تغريدته. فالحرب التي بدأت عام 2003 لم تحقق النتيجة الاستراتيجية التي بُني عليها خطابها السياسي (عدا الإطاحة بالنظام الدموي لصدام حسين)، وكانت الحرب الأشد كلفة بشرياً ومالياً للولايات المتحدة بعد حرب فيتنام، ومدمرة للعراق، وأعادت تشكيل توازنات المنطقة بطرق لم تكن واشنطن تقصد معظمها. وبعد ثلاثة وعشرين عاماً، تنسحب القوات الأمريكية من بلد ينظم انتخابات دورية ودستوراً ومؤسسات رسمية، لكنه يملك أيضاً نظاماً سياسياً أصبحت فيه جماعات مسلحة وقوى حزبية لا تؤمن بالدستور والديمقراطية وتداول السلطات جزءاً من بنية الدولة نفسها، وفي الوقت ذاته تحتفظ بعض هذه الأطراف السياسية والمسلحة بهوامش قوة وقرار لا تخضع دائماً لمنطق الدولة.

وهنا تصبح المسألة أكثر إثارة من ثنائية “الاحتلال والمقاومة”، فالدولة العراقية لم تختفِ، لكنها تحولت في أجزاء مهمة من وظائفها إلى مركز لإدارة الريع وتوزيعه، بينما أصبحت السيطرة على موارد الدولة ومؤسساتها واحدة من أهم أدوات إعادة إنتاج القوى السياسية والاجتماعية. والنفط، بوصفه المورد الريعي المركزي، لا يمول جهاز الدولة فحسب، بل يدخل عبر الرواتب والعقود والتعيينات والمؤسسات وشبكات الحماية والتهريب في إعادة تشكيل النسيج الاجتماعي نفسه، وفي إنتاج تراتبيات جديدة بين الجماعات السياسية والمذهبية والإثنية والمناطقية. وهذا تحديداً ما يجعل سؤال الدولة أكثر تعقيداً من سؤال وجود القوات الأجنبية أو غيابها.

لذلك تبدو تسمية 30 أيلول ( “يوم السيادة” ) ذات دلالة رمزية مفهومة، لكنها تفتح سؤالاً أكثر مما تغلقه. فـ”انتزاع” السيادة، أنثروبولوجياً وسياسياً، ليس مجرد طقس عبور من وجود جندي أجنبي إلى غيابه، ولا يتحقق بمجرد إنتاج تاريخ احتفالي جديد، إنه قبل ذلك قدرة الدولة على تحويل حدودها ومؤسساتها وقانونها واحتكارها للقوة إلى واقع اجتماعي وسياسي مستقر. وإذا كان بقاء قوات التحالف يسحب من قبل الفصائل واحدة من أهم ذرائع استمرار “المقاومة”، فإن الاختبار يبدأ بعد خروجها لا قبله: ماذا تفعل الدولة بالسلاح الذي كان يبرر نفسه بوجود الأجنبي بعدما غاب هذا الأجنبي تحديدا (يبدو ان الوجود العسكري الإيراني غير معني بذلك)؟

ولعل المفارقة الأخيرة أن ترامب، وسط هذا كله، وجد وقتاً ليخبر العراقيين أن علي الزيدي فاز بانتخابات لم يكن متوقعاً أن يفوز بها، وأنه حقق فيها انتصاراً كاسحاً. ومن حق العراقيين بالتأكيد أن يسعدوا بهذا التقدير الكبير لرئيس حكومتهم، لكن يبقى من حقهم أيضاً، وبشيء من الفضول لا أكثر، أن يسألوا الرئيس الأمريكي: عن أية انتخابات، تحديداً، يتحدث حين يقول إن السيد الزيدي فاز فيها بشكل مذهل؟

وهكذا ربما يكون المشهد كله أكثر تركيباً من مجرد “زيدنة السياسة”: جنرال أمريكي يستعير مثلاً عراقياً فيصيب به جانباً دقيقاً من مأزق الدولة، ورئيس أمريكي يستعيد تاريخ العراق فتختلط في روايته بعض الوقائع والتواريخ، بل ويفتعل انتخابات، فيما يحتفل العراقيون بيوم جديد لـ”السيادة”، ليعود السؤال القديم نفسه، أقل شاعرية وأكثر إلحاحاً: من يرسم سياسة الدولة، ومن يحتكر السلاح، ومن يتخذ القرار بعد مغادرة آخر عسكري ومستشار من قوات التحالف الدولي؟ وربما يحق للعراقيين، في “يوم السيادة” تحديداً، أن يضيفوا سؤالاً آخر، ولو همساً : ومتى يغادر العسكريون والمستشارون الإيرانيون، العراق؟

مقال الدكتور هشام داود

الباحث في الأنثروبولوجية السياسية