"حصر السلاح أصعب مهمة"

إشارة “لا لبس فيها” من واشنطن تايمز: العراق بدأ يدير نفسه بعد 100 يوم للزيدي

تراجع صحيفة “واشنطن تايمز”، 100 يوم لحكومة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، حيث ترى أن الفترة كانت كافية لتقديم إشارة أولى لا لبس فيها بأن العراق لم يعد واقفاً في المكان نفسه، وأن العراقيين بدأوا يديرون دولتهم وهي تأخذ زمام المبادرة من الداخل، كما أن العراق بدأ يتحرك من إدارة الأزمات إلى إدارة مستقبله، مستنداً إلى ثلاثة ملفات رئيسية يقول الكاتب تيم كونستانتين في مقاله، إنها رسمت ملامح المرحلة الجديدة، التي استهلت بانفتاح خارجي بدأ من واشنطن بشراكة تركز على الاقتصاد والاستثمار والطاقة بدلاً من طلب الدعم الأمني، وحملة لمكافحة الفساد شملت توقيف أكثر من 210 مسؤولين ونواب وموظفين ورجال أعمال واسترداد ملايين الدولارات وكميات من الذهب، إلى جانب فتح الملف الأكثر تعقيداً، وهو حصر السلاح بيد الدولة وإنهاء الحاجة إلى الفصائل المسلحة والقوات الأجنبية بعد 30 أيلول.

ويخلص الكاتب إلى أن هذه الملفات ليست منفصلة، بل تلتقي عند هدف واحد هو استعادة سلطة الدولة وهيبتها وقرارها السيادي، معتبراً أن المئة يوم لا تكفي للقول إن العراق تغير، لكنها كانت كافية، بحسب رأيه، للقول إن اتجاهه بدأ يتغير.

مقال تيم كونستانتين في واشنطن تايمز، تابعته شبكة 964:

عندما تؤدي إدارة أمريكية جديدة اليمين، غالباً ما تبدأ وسائل الإعلام بإطلاق توقعات كبيرة بشأن ما يمكن إنجازه خلال أول 100 يوم، فالزخم الذي تمنحه الانتخابات الوطنية، والحماس المصاحب لوصول رئيس جديد، ورأس المال السياسي الذي يحمله معه، كلها عوامل ترفع سقف التوقعات وتدفع نحو انطلاقة سريعة منذ اليوم الأول.

في خريف عام 2025، أجرى العراق انتخابات، لكن الأمر استغرق خمسة أشهر بعد فرز الأصوات حتى اختار البرلمان العراقي رئيساً جديداً، الذي بدوره كلّف رئيس الوزراء المكلّف علي الزيدي بتشكيل الحكومة، وبعد ذلك، نال السيد الزيدي ثقة البرلمان، وقد استغرقت العملية نحو 180 يوماً، وبعد هذا المسار الطويل، كان الشعور بضرورة التحرك العاجل واضحاً.

قد يقول كثيرون إن 100 يوم في العراق ليست سوى لحظة عابرة في حياة دولة أنهكتها الأزمات، وأثقلتها سنوات من الخلافات والحسابات والقلق، لكن يبدو أن هذه المدة كانت كافية للعراقيين وللعالم لكي يدركوا أن شيئاً ما بدأ يتغير بجدية، في اختبار مبكر لاتجاه الدولة: هل ستواصل بغداد إدارة أزماتها، أم ستبدأ بإدارة مستقبلها؟

في السياسة الخارجية، لم ينتظر الزيدي طويلاً ليضع العراق في قلب المعادلة الدولية، وكانت واشنطن أول وجهة خارجية له، بدعوة من الرئيس ترامب، في زيارة حملت أكثر من رسالة.

لم يذهب العراق إلى الولايات المتحدة لمجرد طلب الدعم الأمني، بل ذهب لطرح شراكة جديدة تتمحور حول الاقتصاد والاستثمار والطاقة والبنية التحتية، وبناء علاقة لا تقوم على إدارة الأزمات، بل على خلق مصالح مشتركة.

وهنا تكمن أهمية الزيارة: العراق يتحرك بعيداً عن صورته كدولة لا تحظى بالاهتمام إلا عندما تندلع فيها أزمة، نحو صورة بلد يقدّم فرصاً للاستثمار والشراكة.

لكن طريق بناء الدولة لا يمر عبر الاقتصاد وحده، فعلى الصعيد الداخلي، فتح الزيدي أحد أكثر الملفات حساسية، وهو ملف النزاهة واسترداد الأموال العامة، فالكثير من الحكومات حول العالم تطلق وعوداً بمكافحة الفساد، لكن الحكومة العراقية الجديدة دفعت هيئة النزاهة إلى تكثيف التدقيق والتحقيقات في العقود الحكومية.

كان كثير من العراقيين متشككين، فقد سمعوا هذه الوعود من قبل، ثم جاءت عملية «الفجر» لتبعث برسالة سياسية وقانونية واضحة: لا حصانة لمن يمد يده إلى أموال الشعب العراقي، وكما نقول في الولايات المتحدة: لا أحد فوق القانون، ووفقاً لوسائل إعلام عراقية، جرى توقيف ما لا يقل عن 210 مسؤولين ونواب وموظفين ورجال أعمال بين 28 حزيران و9 آب.

وخلال الأيام القليلة الماضية، تصدرت عناوين الأخبار عبارات من قبيل: «العراق يصادر 26 مليون دولار أخرى نقداً و60 كيلوغراماً من الذهب» و«اعتقال مسؤول في الكهرباء العراقية بحوزته ملايين الدولارات نقداً»، وأصبح واضحاً أن الحملة ليست مجرد استعراض إعلامي، بل إنها حقيقية، كما وجّه الزيدي بإنشاء حساب خاص تُودع فيه الأموال المستردة من قضايا الفساد، على أن تُستخدم لخدمة الصالح العام.

لكن أكبر تحدٍ أمام الحكومة الجديدة للسيد رئيس الوزراء قد يكون ملف السلاح، ففي دولة تمتلك فيها الفصائل المسلحة أسلحة ومعدات ذات طبيعة عسكرية، من المعروف أن إخضاع السلاح لسيطرة الدولة ليس قراراً إدارياً يمكن تنفيذه بتوقيع أو بيان، بل هو صراع طويل ومعقد يرتبط بموازين قوى تشكلت على مدى سنوات.

وكإحدى مبادرات حكومته خلال أول 100 يوم، اختارت حكومة الزيدي مواجهة المشكلة بشكل مباشر، وأعلنت أن الدولة يجب أن تكون صاحبة السلطة الوحيدة في القرارات الأمنية.

وقال الزيدي بوضوح إن القوات العراقية قادرة على حماية البلاد، وإنه لن تكون هناك حاجة إلى الفصائل المسلحة أو القوات الأجنبية بعد 30 أيلول، مؤكداً أن الحكومة تمضي قدماً في استعادة السيطرة على السلاح ووضعه تحت سلطة الدولة.

وهنا تتقاطع الأهداف الثلاثة الرئيسية. فالعراق الذي يريد جذب الاستثمار الأجنبي يحتاج إلى الأمن. والعراق الذي يريد استعادة أمواله يحتاج إلى قضاء قوي ومؤسسات قوية. والعراق الذي يريد بناء شراكات متوازنة مع العالم يحتاج، قبل كل شيء، إلى قرار سيادي لا يستطيع أي طرف آخر أن ينازع الدولة فيه.

قد يكون من المبكر، بعد 100 يوم فقط، إعلان أن العراق قد تغير، لكن ليس من المبكر القول إن اتجاه العراق بدأ يتغير. وهناك فرق شاسع بين حكومة تقضي وقتها في إخماد الحرائق، وحكومة تحاول في الوقت نفسه إعادة بناء البيت.

ولعل أكثر ما يلفت النظر في هذه المئة يوم هو أن السيد الزيدي لم يتعامل معها باعتبارها فترة قصيرة لاختبار النوايا، بل باعتبارها فرصة لتغيير قواعد اللعبة. فالسياسة الخارجية، ومكافحة الفساد، ووضع السلاح تحت سيطرة الدولة، ليست قضايا منفصلة؛ بل هي في جوهرها معركة واحدة عنوانها استعادة سلطة الدولة وهيبتها وقدرتها على الفعل.

لم تنتهِ المهمة بعد مرور 100 يوم على تشكيل الحكومة الجديدة، لكن المسار قد تحدد. فالعراق يتحدث مع واشنطن باعتباره دولة تسعى إلى الشراكة والمصالح المتبادلة، ويفتح أبوابه أمام الاستثمار بدلاً من حصر علاقاته في طلب المساعدة، ويضع مؤسسات النزاهة في مواجهة مباشرة مع الفساد، ويوضح في ملف السلاح أن القرارات الأمنية لا يمكن أن تكون موزعة بين مراكز متعددة للسلطة.

ولهذا، فإن السؤال الصحيح عند تقييم أول 100 يوم من حكومة الزيدي ينبغي أن يكون: هل اقترب العراق من أن يصبح الدولة التي يريدها شعبه؟

الإجابة النهائية ستحتاج إلى مزيد من الوقت. لكن 100 يوم كانت كافية لتقديم إشارة أولى لا لبس فيها: العراق لم يعد واقفاً في المكان نفسه. والعراقيون بدأوا يديرون دولتهم وهي تأخذ زمام المبادرة من الداخل.

وربما يمكن وصف أول 100 يوم من حكومة الزيدي بأنها إعلان عن بداية جديدة: عراق يريد أن يكون صاحب قراره، وحارس أمنه، وأميناً على ثروته العامة، وشريكاً تحظى مصالحه ومكانته باحترام الآخرين.