علي المدن و"تخوم الوعي الديني"
السيستانية.. كتاب عراقي يبدأ مع زملاء الصدر ويسأل عن مصير النجف
صدر حديثاً عن «دار الحكمة» في لندن وبغداد كتاب «تخوم الوعي الديني» للباحث والكاتب العراقي علي المدن، وهو موزع على سبعة فصول منها 170 صفحة مخصصة لما يسميه “الظاهرة السيستانية” في قراءة العلاقة المتجذرة منذ قرون بين رجل الفقه ورجل الدولة في سياسة العراق، وتتضمن أسئلة تطرح للمرة الأولى في مجال التداول الثقافي العراقي، وهو أمر يستند إلى السيرة العلمية للباحث علي المدن الذي أمضى عقودًا بين جامعات وحوزات قم والنجف، ملاحقاً تاريخ التشيع وإرث زملاء وطلاب محمد باقر الصدر كمرحلة تطور هائلة للمرجعية الدينية بعد التوازنات العالمية الجديدة التي أنتجتها الحرب العالمية الثانية، وهو يقدم وعداً للقراء والباحثين بالمزيد في أطروحة الدكتوراه التي ستصدر كتاباً، يلاحق تاريخ التشيع الديني والسياسي في القرن الأخير من عمر الدولة العراقية، وصولاً لسؤال: أين ستكون النجف بعد المرجع السيستاني؟
أيديولوجيا أحزاب العراق الدينية وسؤال الوطن
يوضح المدن كيف أثرت «أيدولوجيا المنفى» على مفهوم الوطن نفسه. إذ تحول من انتماء جغرافي وتاريخي جامع لكل المواطنين على نحو متساوٍ، إلى «وطن افتراضي» تمليه العقيدة المشتركة. وبموجب هذا التحول، أصبحت شرعية العمل السياسي مرتبطة برضا القيادات العقائدية العابرة للحدود، وتغليب مصالح تلك الجهات -الأجنبية- على الإرادة الشعبية والمصالح الوطنية.
ويفرد الكتاب مساحة لتحذير دقيق من المشروع الشامل لـ«أسلمة الدولة»، الذي تسعى قوى الإسلام السياسي لفرضه عبر ثلاثة مجالات أساسية: أسلمة الجهاز الإداري، وأسلمة السياسة الخارجية لتخضع لأهداف عقائدية عليا، وأسلمة القوانين لتشمل مختلف مؤسسات المجتمع.
ويرى المدن – الذي عاش ودرس لعقود طويلة في قم، عاصمة ولاية الفقيه – أن هذا التوجه يتصادم جذرياً مع فلسفة الدولة المدنية الحديثة. كون الدولة الأيديولوجية تصادر حريات الاعتقاد والتدين الفردي، وتعيد صياغة حياة الإنسان وفق قوالب صارمة تقوض الأنظمة القائمة على الحريات الشخصية وتهدد استقرار المجتمع العراقي المتنوع.
المستويات الأربع
يتوزع جزء من التحليل الفكري داخل الكتاب على أربعة مستويات وفصول متداخلة وصريحة:
موقف المرجعية الدينية: يسلط الضوء على حوزة النجف وكيفية تعاملها مع الواقع السياسي في محاولة لضبط التوازن الدقيق بين الشرعية الدينية ومتطلبات الدولة الحديثة.
الفكرة الوطنية: يناقش أزمة غياب «النظرية الوطنية» كبديل جاهز، والتوتر الحاصل الذي أربك مفهوم الدولة لصالح الهويات الفرعية والطائفية.
الفاعل السياسي الديني: يعالج إشكالية تحول الفاعل الديني عند ممارسة السلطة إلى مسبب رئيسي في عزل المجتمع وتفتيت مؤسساته الرسمية.
حدود الفقه الموروث: يناقش مدى كفاية الفقه التقليدي في إدارة مجتمع متقدم، مع ملاحظة كيف اتخذت بعض الطقوس والممارسات هوية دفاعية مأزومة.
صدمة «تشرين» الكبرى والمواطنة
ويختم علي المدن كتابة بالتوقف عند احتجاجات تشرين عام 2019، والتي يعدها الصدمة الكبرى للنظام السياسي العراقي وتصحيحاً مفصلياً في مسار الوعي العام.
فبفضل هذا الحراك الشبابي، تحولت المطالب الشعبية من دائرة الهويات الرمزية والمذهبية التي طالما استثمرت فيها قوى الإسلام السياسي، إلى المطالبة الصريحة بـ«المواطنة الفاعلة» والوظيفة الخدمية العامة للدولة. وبحسب الكتاب، أصبح الاحتجاج آلية ضغط وطنية لتصحيح الاختلالات البنيوية العميقة، والتأسيس لوعي جديد يتجاوز الأيديولوجيا الدينية باتجاه مفهوم الدولة الحديثة.