نيويورك نشرت وثائق عمر محمد

عبد الوهاب الساعدي أنقذ الدب.. البابا وبترايوس يختمان كتاب عين الموصل

صدر في نيويورك كتاب«عين الموصل: حرب التاريخ ضد داعش» تأليف المؤرخ العراقي الشاب عمر محمد. وقد نشرته دار «سكاي هورس» في 312 صفحة وخمسة عشر فصلاً. وهو إذ يروي ما جرى من داخل المدينة خلال الاجتياح وحرب التحرير، فقد حظي بمقدمة كتبها الراحل البابا فرنسيس بخط يده، ومقدمة أخرى من الجنرال ديفيد بترايوس، المدير الأسبق لوكالة المخابرات المركزية، وشهادتان من العراق: الفريق الركن عبد الوهاب الساعدي، الذي تذكر أحداثا يختلط داخلها الطريف بالعجيب وعمليات الإنقاذ الشاقة والعاطفية للعوائل والتي شملت في مسارها حتى المخلوقات النادرة في حديقة الحيوان خصوصاً أحد الدببة مع أسد اسمه سيمبا.

المؤرّخ والجنرال

تتعرض المدن للاحتلال مرّتين: مرّةً حين تدخلها الرايات، ومرّةً حين يُنتزع منها صوتها. الأولى تُرى من الفضاء، والثانية لا يراها أحد. في حزيران 2014 خسرت الموصل أرضها في أيام، لكن الخسارة الأعمق جاءت بعد ذلك بقليل، حين صارت المدينة تُروى بلسان قاتلها: تاريخها يُعاد كتابته، وشوارعها تُعاد تسميتها، وذاكرتها تُدار من منبر. عند تلك اللحظة لم يعد السؤال عسكرياً. صار السؤال: من يمتلك القدرة على قول ما يجري عن أحوال المدينة. من يمتلك حكاية الموصل؟

الكتاب الذي صدر في نيويورك قبل أيام — «عين الموصل: حرب التاريخ ضد داعش» — يحاول صوغ جواب ذلك السؤال، وإن حمل اسم مؤلفٍ واحد. لأن حكايته الحقيقية ليست حكاية رجل، بل حكاية مدينةٍ رفضت أن تموت بصمت، فوجدت لنفسها حنجرةً في غرفةٍ صغيرة لا يراها أحد. كان يمكن لتلك الحنجرة أن تكون أيّ أحد؛ صادف أنها كانت مؤرخاً شاباً ظنّ أن حياته ستمضي بين الأرشيفات، فإذا بالأرشيف نفسه يصير فعل حياةٍ أو موت. كل جملة تُكتب كانت مجازفة، وكل اسمٍ يُسجَّل كان ديناً في ذمّة المستقبل. لم يكن ذلك بطولةً بالمعنى الذي تحبّه الشاشات. كان أقرب إلى العناد القديم الذي تعرفه المدن العريقة: أن تحفظ نفسها عن ظهر قلب، كي لا يحفظها أحدٌ عنها غلطاً.

وفي الضفة الأخرى من الحكاية يقف جنرال. الفريق الأول الركن عبد الوهاب الساعدي كان يقود قواته في قتالٍ يصفه الكتاب بأنه كان (حرب شوارع) بالمستوى الأعنف حضرياً منذ الحرب العالمية الثانية، حين بدأ يصله صوتٌ لا يعرفه، يحمل إليه من داخل المدينة ما ينقذ أرواحاً. يكتب في شهادته: «كانت تلك المعلومات دقيقة. كانت في حينها. أنقذت أرواحاً، وتصرّفتُ بناءً عليها». ثم يقول عن ذلك: «لم يكن صوتاً من بعيد. كان صوت الموصل نفسها، يصلني من قلب المدينة حين أُسكتت شوارعها». تأمّلوا هذه الجملة من رجل ميدان لا من شاعر. القائد الذي جاء يستعيد الأرض أدرك أن ما يصله عبر الهاتف هو المدينة ذاتها، وقد ضاقت بها السبل فصارت تتكلم من حيث تستطيع. وحين عرف لاحقاً صاحب الصوت، كتب عنه ما لا يكتبه الجنرالات عادةً: «رجلٌ كان هناك، رأى، وسجّل، وتحمّل كُلفة الشهادة. عمر محمد هو ذلك الشاهد. هذا هو السجل الذي تستحقه الموصل، وأنا فخورٌ بأن أُضيف اسمي إليه».

الساعدي يبحث عن دب وأسد!

والمؤرّخ عمر محمد بدوره يروي الجنرال كما رآه من ضفّته. يوثق في الكتاب، أغرب طلبٍ حمله ذلك الخط: «تجاوب عبد الوهاب الساعدي مع الأمر، ولم يستخفّ به». كان الطلب إنقاذَ أسدٍ ودبّةٍ يحتضران بين حطام حديقة المدينة، لم يبقَ من حيواناتها سواهما. كان يمكن لأيّ قائدٍ في الدنيا أن يقفل الخط. لكن الساعدي كتب لاحقاً: «في أعقد معركةٍ حضرية خلال هذا القرن، كان أحد الاتصالات التي تلقّيتُها من مؤرّخٍ يطلب منّي إنقاذ أسد. أخذتُه بجدّية، ولا أزال. حربٌ بهذا الحجم تختبر ما يكون القائد مستعدّاً لحمايته، والجواب لا يقبل الانتقاء». وبعد أيامٍ من ترتيبات الممرات والحماية، سأل الجنرالُ المؤرّخَ — بما يصفه الكتاب بـ«تلك الدعابة الجافّة التي لا يملكها إلا رجلٌ رأى من الأمور ما يجعله لا يُفاجأ بشيء» — : «وهل تريدوننا أن نحمّمهما أيضاً؟». يكتب المؤرّخ: «ضحكت. كانت من المرّات القليلة التي ضحكتُ فيها في تلك الشهور». في الخراب، الضحكة الواحدة وثيقةٌ أيضاً: دليلٌ على أن شيئاً في الإنسان لم يُهزم.

أما الأسد سيمبا، فقد بلغ محميته في عمّان بعد محاولتين وتسعة أيامٍ على الحدود. ولمّا فُتح صندوقه، نظر إلى العشب وتراجع. «لم يكن قد مشى على عشبٍ من قبل». من قرأ هذا السطر عرف أنه لم يعد يقرأ عن حيوان. الكائن الذي وُلد في القفص يخاف الحرية أول ما يراها — وكم من مدينةٍ، وكم من إنسان، وقف مثل سيمبا على حافة العشب يتردّد. حتى الجنرال ضمّن شهادته سطراً عن ذلك: «حتى رفق الحيوان كان حاضراً في حساباتنا». إنقاذ الأسد والدبّة لم يكن ترفاً وسط المأساة؛ كان إعلاناً بأن الحياة — كل حياة — ليست غنيمة، وأن المدينة تعود إلى نفسها حين يعود فيها الرفق قبل الكهرباء. ويختم الكتاب ذلك الفصل بسطرٍ واحد: «اثنتان وتسعون عائلة. وأسدٌ ودبّ. ليس سيئاً بالنسبة إلى مؤرّخ».

5 قيادات تذكرها بترايوس

وفي صدر الكتاب صفحةٌ كتبها البابا فرنسيس بخط يده، وقدّمه الجنرال ديفيد بترايوس الذي كتب: «قلتُ يومها إن الأمر كان أشبه بأن يكون لنا رجلُ مخابراتٍ معتّق على الأرض. ولم أقلها جزافاً. لقد أمضيتُ سنواتٍ أعتمد على أفضل القدرات الاستخبارية في العالم — في خمس قيادات قتالية، ثم مديراً لوكالة المخابرات المركزية. ما أنتجته عين الموصل ضاهى أرقى التقارير الاستخبارية — وقد جاء من فردٍ واحد، يعمل وحده».

سطر أخير من عبد الوهاب الساعدي

لكن أصدق ما في شهادات الكتاب يبقى ما كتبه الساعدي عن أهل المدينة نفسها: «أهل الموصل قومٌ يتحلّون بوعيٍ نادر والتزامٍ أصيل، ويتمسّكون بالقانون ونظام مدينتهم كما لا يتمسّك به كثيرون». هذه ليست مجاملة؛ هذه إعادة اعتبارٍ لمدينةٍ ظُلمت مرتين: مرةً بمن احتلّها، ومرةً بمن اختصرها في محتلّيها.

ويبقى السطر الذي يختصر الكتاب كله، سطرُ قائد المعركة: «خضتُ معركة تحرير الموصل. وخاض عمر محمد معركةً كي لا تُمحى تلك المعركة. كنّا على الخط نفسه». خطٌّ واحد وقف عليه جنرالٌ ومؤرّخ، وعبَرت منه مدينةٌ وعائلاتٌ وأسدٌ ودبّة — من الصمت إلى الكلام، ومن القفص إلى العشب.

قضاة وكنائس ومخطوطات

ولأن الذاكرة بلا قانونٍ تبقى جرحاً مفتوحاً، يضع القضاء ختمه على هذه الحكاية. يكتب القاضي رائد المصلح، رئيس محكمة استئناف نينوى: «في تلك الأيام العصيبة التي مرّت على مدينتنا العزيزة حين غاب صوت القانون وسادت الفوضى كان هناك جهد صادق حرص على توثيق ما جرى وحفظ الوقائع كما هي تمهيداً لليوم الذي تعود فيه الموصل إلى موقعها الطبيعي تحت مظلة العدالة والقانون». والقضاء في نينوى، بكلماته، لا ينظر إلى الكتاب «بوصفه سرداً شخصياً فحسب» بل يعدّه «وثيقة مهمة تسلط الضوء على طبيعة الجرائم التي ارتكبها تنظيم داعش»، لأن «دور القضاء لا يقتصر على الفصل في النزاعات بل يمتد إلى حماية الحقيقة وصون الذاكرة من الضياع». ثم يكتب الجملة التي تليق بأن تُنقش: هذا الكتاب «وفاءٌ لضحايا الموصل ورسالة للأجيال القادمة بأن ما جرى لن يُنسى وأن الحق يبقى قائماً مهما طال الزمن وأن الموصل ستبقى مدينة للعلم والقانون». هكذا تكتمل الدائرة: ما دُوّن خُفيةً في ليل الاحتلال يصير سنداً في نهار العدالة.

وثمّة شهادةٌ أخرى ستصل إلى قلب كل من يعرف ما جرى لكنائس الموصل وأديرتها. المطران نجيب ميخائيل، رئيس أساقفة الموصل الذي حمل مخطوطات المدينة من النار قبل أن تطبق عليها، كتب عن الكتاب: «ينتمي عين الموصل إلى المخطوطات التي حملتُها من النار. لقد أعطى عمر محمد الموصلَ كتاباً سيبقى بعد آسريها، كما بقيت مخطوطاتنا بعد آسريها». رجل الدين الذي أنقذ ذاكرة المدينة المكتوبة يضع هذا الكتاب في العهدة نفسها — وليس في وسع ناقدٍ أن يقول أكثر.