"الترقيات تحولت إلى أداة نفوذ"

ضباط قفزوا من رائد إلى فريق خلال سنوات قليلة.. خبير أمني يرصد تضخم الرتب العسكرية

كشف قائد شرطة البصرة الأسبق والخبير الأمني جليل خلف، عن ما وصفه بـ”تضخم غير منضبط” في الرتب العليا داخل المؤسسة العسكرية قبل عام 2014، مبيناً أن منح رتب عسكرية رفيعة تم أحياناً خارج الضوابط عبر مكاتب القادة والوزراء، ما أدى إلى وصول ضباط إلى رتبة “فريق” في أعمار مبكرة وبفعل المحسوبية، فيما أشار خلال حوار مع الإعلامية سجد الجبوري، وتابعته شبكة 964، إلى أن تلك المرحلة شهدت أيضاً ضعفاً كبيراً في تسليح الجيش واقتصاره على أسلحة خفيفة، مع تقييد استخدام الأسلحة المتوسطة، الأمر الذي انعكس على كفاءة المؤسسة العسكرية آنذاك.

وكان القائد العام للقوات المسلحة رئيس مجلس الوزراء، علي الزيدي، قد وجه يوم الاثنين (29 حزيران 2026)، باعتماد الضوابط القانونية في منح الترقيات العسكرية الاستثنائية. وكشفت وثائق صادرة عن مدير مكتب رئيس الحكومة، وموجهة إلى الجهات الأمنية، عن توجيه باعتماد ما ورد في نص القانون مع استمارة تثبت بالأدلة أسباب استحقاق الترقية أو القدم.

وتعليقاً على توجيهات الزيدي، قال خلف، إنه “عندما كنت المفتش العسكري العام لوزارة الدفاع عام 2013 رفعت تقريراً قارنت فيه الجيش العراقي بالجيوش الأمريكية والروسية والصينية، ولاحظت وجود تضخم كبير في أعداد الضباط برتب فريق أول وفريق ولواء وعميد، كنا نجتمع في مجلس الدفاع مرتين سنوياً للنظر في الترقيات وفق شروط صارمة، منها شغل منصب آمر وحدة، وتوفر الملاك، والعمر، واجتياز الدورات العسكرية، ثم نفاجأ بوصول قوائم من القائد العام تتضمن ترقيات إلى رتبة فريق وفريق أول خارج هذه الضوابط. لذلك أصبح لدينا ضباط يبلغون رتبة فريق في سن الأربعين، رغم أن سن التقاعد 63 عامًا، وهو خلل كبير”.

وأضاف خلف “المشكلة أن المقربين من مكاتب القائد العام أو وزير الدفاع كانوا يحصلون على الترقيات بسهولة، بينما يُطبَّق القانون بحذافيره على الضباط العاملين في الوحدات القتالية، هذا الأمر أخلّ بالتوازن داخل وزارة الدفاع وأدى إلى تضخم كبير في الرتب العليا”.

وتابع خلف “وصل الأمر إلى أن ضابطًا جاء برتبة رائد، وبعد عام أصبح عميداً، ثم لواء، وبعدها فريق خلال سنوات قليلة، بينما تقوم المؤسسة العسكرية على التدرج واكتساب الخبرة. كما عاد بعض المفصولين السياسيين ومنحوا رتباً متقدمة، رغم ابتعادهم سنوات طويلة عن الخدمة وعدم امتلاكهم الخبرة الكافية لإدارة المؤسسة العسكرية”.

واقترح قائد شرطة البصرة الأسبق “تشديد ضوابط الترقيات، لأن رتبة الفريق والفريق الأول تمنح صاحبها امتيازات مالية وإدارية كبيرة، ولا يجوز أن تُمنح على أساس الولاءات أو الواسطة. كما أن وزارة المالية كانت تدقق معاملات الترفيع وتعيد غير المستوفية للشروط، وفي المقابل حُرم ضباط مستحقون من حقوقهم”.

وأشار إلى أن “الترقية هي الحافز المعنوي الأكبر للضابط. عندما يرى الضابط من هم أحدث منه خدمة أو أقل منه خبرة يحصلون على رتب أعلى، بينما يبقى هو في مكانه، فإن ذلك يحطمه نفسياً ويؤثر في معنوياته. لذلك أعتقد أن ملف الترقيات في وزارة الدفاع يحتاج إلى إصلاح حقيقي، وهو أمر يمكن معالجته إذا توفرت الإرادة”.

وقال خلف، إن “الحكومات والأحزاب لم تهتم بإعادة بناء الجيش، لأنها كانت تنظر إليه على أنه جيش النظام السابق، وهذا خطأ، فالجيش جيش الوطن وليس جيش أي نظام أو حاكم. واستمر هذا النهج حتى عام 2014، وبعد نكسة الموصل واجتياح داعش للمحافظات الغربية بدأ التفكير الجدي بتسليح الجيش بالطائرات والدبابات والمدفعية وغيرها”.

وبين أنه “حتى الأمريكان لم يكونوا ينظرون إلى الجيش العراقي نظرة صحيحة، ولم يرغبوا في تزويده بالأسلحة الحديثة بسبب عدم الثقة به. وكانوا يخططون لإنشاء ست قواعد عسكرية في الناصرية وواسط والبصرة وبغداد والموصل وأربيل، وكانوا ينوون البقاء طويلًا في العراق، لذلك لم يكونوا يريدون وجود جيش قوي قد ينقلب عليهم في أي لحظة”، موضحاً أنه “بعد عام 2014 بدأت الحكومات العراقية تتجه بجدية نحو تطوير الجيش، لكنني أعتقد أن هناك مخططًا كان يستهدف إضعاف المؤسسة العسكرية، وأنا كنت من المؤسسين وعشت تلك المرحلة بكل تفاصيلها”.