حاكمية شيعية حتى بثمن إلغاء الإطار

فائق زيدان يجد الحل ويغلق صندوق الخطايا: انتخاب مباشر للرئيس “تقريباً”

بعد أسبوعين على رسائل أطلقتها قوى مدنية ومعارضة التمست تدخل القضاء لإنهاء الانسداد السياسي نشر كبير القضاة تصوراً مثيراً.

يستعين رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان بقاموس جديد، ويكرر مفردة الخطأ والخطيئة في جملة قصيرة واحدة، وهو يصف تفسير الكتلة الأكبر عام 2010، لكنه يفتح ثغرة في جدار الانسداد السياسي، ويقترح حلاً يبدو في متناول اليد لإنقاذ البلاد من الفوضى، عبر قيام المحكمة الاتحادية بإعادة تفسير معنى “الكتلة الأكبر” من جديد بما ينهي الأزمة السياسية، بل ويلغي الوظيفة الفعلية للإطار الشيعي وكل الإطارات، ويقرب الناخب العراقي من تجربة الانتخابات الرئاسية، ويعيد ثقة الناخبين المحبطين بالانتخابات والعملية الديمقراطية.

وبينما تتصادم الصواريخ والمقاتلات فوق سماء العراق، تعلق البلاد في أزمة سياسية منذ شهور، فالحكومة مازالت بصلاحيات “تصريف الأعمال اليومية”، والبرلمان وقواه السياسية عاجزة عن اختيار طاقم حكومي جديد.

“كان تفسيراً سياسي الأثر”

وفي مقال تأسيسي نشرته صحيفة الشرق الأوسط فجر الثلاثاء (3.3.2026) وحمل عنوان “خطيئة التفسير الخاطئ للدستور” يعود القاضي زيدان إلى “روح الدستور” قبل نصوصه، ويقول بأوضح العبارات إن تفسير المحكمة الاتحادية عام 2010 لمعنى الكتلة الأكبر التي يجب أن تشكل الحكومة بعد الانتخابات “شابه عدد من المثالب الدستورية” حين سمحت لأي مجموعة من الكتل أن تتحالف بعد الانتخابات وتشكل الحكومة بصرف النظر عن الفائز الأول في الانتخابات، ويشير القاضي إلى أن ذلك التفسير “خالف ظاهر النص الدستوري الواضح الذي لم يشر إلى تحالفات لاحقة، ما يفيد وفق القراءة الحرفية أن المقصود هو الكتلة الفائزة فعلياً في الانتخابات”.

وفي انتقاد التفسير أيضاً.. قال القاضي زيدان في المقال ذاته إن ذلك “التفسير يمس بإرادة الناخب؛ لأنه يسمح بتشكيل الكتلة الأكبر بعد الانتخابات، حيث يؤدي إلى تغيير النتيجة السياسية التي عبّر عنها الناخب في صناديق الاقتراع، مما يُضعف مبدأ المشروعية الشعبية؛ ويؤدي إلى خلق عدم استقرار سياسي بفتح باب التحالفات اللاحقة، ويجعل تشكيل الحكومة خاضعاً لمفاوضات معقدة قد تطول لأشهر، كما حدث بعد انتخابات 2010 و2018 و2021 و2025.. (..) فقد تحول مصطلح الكتلة الأكبر إلى محور صراع سياسي دائم بسبب تفسير سياسي الأثر أكثر منه قانوني الصياغة”.

القاضي زيدان وتنبيه قديم من تفسير 2010

موقف القاضي فائق زيدان من تفسير المادة 76 (الكتلة الأكبر) لم يولد بعد لقاءاته الأخيرة بالمبعوث الأميركي توماس براك، بل يعود اعتراضه إلى أكثر من 4 أعوام، حين كتب مقالاً شهيراً في لحظة عراقية صعبة، وحمل عنوان “تعديل الدستور. .. ضرورة يفرضها الواقع السياسي“، كما أنه ناقش جانباً من المبحث في كتابه الصادر عام 2020 بعنوان “رقابة القضاء الدستوري على الحدود الدستورية بين السلطات“.

وخلال أزمة انتخابات العام 2021 توجه رئيس الجمهورية حينها برهم صالح بسؤال إلى الاتحادية عن شرعية استمراره في المنصب رغم انتهاء ولايته ومرور 4 أشهر على انتخاب برلمان جديد، وأجابت المحكمة الاتحادية في 13 شباط 2022 -اجتهاداً- باستمرار الرئيس في منصبه حتى انتخاب رئيس جديد، رغم الخرق الدستوري في تجاوز الفترة الدستورية لانتخاب الرئيس الجديد، والمحددة بثلاثين يوماً بعد أول جلسة للبرلمان المنتخب.

كان جواب الاتحادية حينها جزءاً من سلسلة قرارات تسبب كل واحد منها فور صدوره بعاصفة سياسية، بعد أن علقت البلاد بين تحالف الصدر الفائز، والأحزاب الشيعية المصرة على تشكيل حكومة ائتلافية تضمهم جميعاً.

في اليوم التالي وبعد قرارات الاتحادية وتفسيراتها، أي في 14 شباط 2022 نشر القاضي زيدان مقاله، ونبه إلى ضرورة قيام البرلمان بتعديل عدد من مواد الدستور، على رأسها المادة 76 من الدستور، ومنح القائمة الانتخابية الفائزة الحق في تكليف مرشحها بتشكيل الحكومة، بدلاً عن فتح المجال لتحالفات تتشكل بعد الانتخابات، وبإمكانها أن تقصي الفائز الأول.

اتحادية جديدة.. تفسير جديد

أما المقال الذي نشرته صحيفة الشرق الأوسط قبل ساعات، بقلم القاضي زيدان، فيفتح المجال إلى مسار آخر قد ينهي الأزمة، إذ يضع 3 مسارات لإنهاء مشكلة الكتلة الأكبر، أحدها يمكن تطبيقه فوراً!

يكرر القاضي اقتراح قيام البرلمان بتعديل الدستور وكتابة صيغة واضحة لا تقبل الاجتهاد في مسألة مَن يشكل الحكومة بعد الانتخابات، أو إصدار تعديل لقانون مجلس النواب بما يعالج مشكلة الكتلة الأكبر دون الحاجة لتعديل الدستور، لكنه يفتح باباً ثالثاً هو قيام المحكمة الاتحادية بتغيير تفسيرها السابق الذي أصدرته عام 2010، وإصدار تفسير جديد يمنح القائمة الفائزة حق تشكيل الحكومة، خاصةً وأن 15 عاماً مرّت على التفسير السابق، كما أن المحكمة تتألف اليوم من تشكيل ورئاسة جديدة.

ما معنى هذا سياسياً الآن؟

إذا أعادت المحكمة الاتحادية تفسيرها، ومنحت القائمة الفائزة الأولى التي تشكلت قبل الانتخابات حق تشكيل الحكومة مهما كان حجمها، فإن ائتلاف الإعمار والتنمية بزعامة رئيس الوزراء محمد شياع السوداني سينال البطاقة، بما يعني أن على رئيس الجمهورية الجديد تكليف السوداني بتشكيل الحكومة، ليكون على الأخير إقناع القوى السياسية خلال أسبوعين بالتصويت لحكومته، وهو أمر ممكن مع بعض اللقاءات والتفاهمات، فلم يسبق أن وصل رئيس وزراء بكابينته إلى البرلمان ولم ينل الثقة.

من الناحية القانونية.. لا ينهي هذا التفسير الجديد -على فرض صدوره- مشكلة رئيس الجمهورية الذي ينبغي أن يتسلم منصبه ليكلف رئيس الوزراء، فانتخاب رئيس الجمهورية مازال يحتاج إلى حضور ثلثي أعضاء البرلمان أي 220 نائباً من أصل 329، وهو رقم كبير يصعب جمعه في العادة إلا بتفاهمات كبيرة، لكن الأمر سيختلف بشكل واضح.

سيعني هذا التعديل في التفسير إجراء فصل نسبي بين ملفي الرئاسة ورئاسة الوزراء، وعلى سبيل المثال، تقول القوى الكردية -التي تحوز رئاسة الجمهورية عرفاً- أنها اتفقت بالفعل على اسم واحد للرئاسة، لكنها تنتظر حسم القوى الشيعية لمرشح رئاسة الوزراء، لكي يعرف رئيس الجمهورية مَن سيكلف في الساعة التالية لانتخابه!.. يتسبب ذلك بتعطيل الدولة بالكامل في دائرة مفرغة من الخرق الدستوري.

من أجل هذا.. تتجمد الحياة السياسية والإدارية في البلاد ويدخل خرق المدة الدستورية لانتخاب رئيس الجمهورية الشهر الثاني، بينما بقي أسبوع فقط لتدخل البلاد في خرق جديد هو تجاوز أقصى موعد -افتراضي- لتمرير رئيس الوزراء، وهو 11 آذار.

إذا أعادت المحكمة الاتحادية تفسير المادة 76، وجعلت تشكيل الحكومة من حق القائمة الفائزة، فإن ملف رئاسة الجمهورية سيغدو ملفاً كردياً منفصلاً تقريباً عن رئاسة الوزراء، لأن رئيس الوزراء سيكون محدداً سلفاً بنتائج الانتخابات.

نسخة عراقية من نظام شبه رئاسي

الإحباط ليس خافياً.. يلاحظه القاضي زيدان بين الناخبين، فمهما كان الحزب الذي ينتخبه الناخب، فإن رئيس الوزراء المقبل سيكون ناتجاً عن اتفاقات بين كتل أصغر، أو “بيضات قبان”، أو مرشحي تسوية، مع قائمة من الشخصيات التي تولت رئاسة الوزراء بمقعد أو مقعدين أو بلا مقاعد في البرلمان، صحيح أن هذا جزء من الأنظمة البرلمانية، لكن خبراء كثر يشيرون إلى أن الوضع القانوني القائم لا يمنح الفائز الأول أي امتياز، وهو ما يؤشره القاضي زيدان أيضاً.

بإصدار التفسير الجديد، سيمكن لكل قائمة أن تعلن مبكراً للناخبين مرشحها لرئاسة الحكومة، وسيمكن للناخبين أن يعرفوا مسبقاً أنهم يختارون -بشكل غير مباشر- رئيس الوزراء المفضل لديهم عبر انتخاب القائمة التي يرأسها، وحينها سيضمن الناخب ورئيس القائمة الفائزة، الحصول على فرصة تشكيل الحكومة، وهو ما قد يعكس مسار الإحباط الشعبي وتراجع نسب التصويت.

قد يغدو هذا المسار حلاً لزيادة التمثيل وتشجيع العملية الانتخابية، دون العودة إلى نظام رئاسي يخاف كثيرون انزلاقه إلى الدكتاتورية.

الحاكمية الشيعية.. الإطار.. الصدر.. المالكي؟

عملياً.. ستعني إعادة التفسير إلغاء الحاجة لوجود الإطار التنسيقي الشيعي، وبالتالي إلغاء بقية الإطارات الوليدة، فالكتلة الأكبر سيتم تسجيلها تلقائياً حتى قبل الجلسة الأولى للبرلمان، وبالتحديد عند مصادقة المحكمة الاتحادية على النتائج النهائية التي تعلنها المفوضية العليا للانتخابات.

سيحتاج الفائز الأكبر إلى بقية الكتل من أجل الحصول على الأغلبية لتمرير حكومته، لكن حاجته ستكون بنفس المقدار للقوى الشيعية والكردية والسنية وغيرها.

تعتمد قوى سياسية شيعية مصطلحاً جديداً هو “الحاكمية الشيعية” ولم يتضح معناه بالدقة، لكنه جزء من فكرة أن السلطة الأولى في العراق يجب أن تكون للغالبية الشيعية، ومن أجل هذا كان الإطار التنسيقي يمثل مجلساً خارج البرلمان يضمن أن المناصب ستولد على طاولة القوى الشيعية التقليدية بصرف النظر عن نتائج الانتخابات، وهو ما كان يشكل عامل اطمئنان من فقدان السلطة فيما لو أخفقت الأحزاب الشيعية في الانتخابات.

اعتماداً على تلك الفكرة، اعترضت القوى الشيعية على زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر بعد انتخابات العام 2021، وطالبته بتحقيق الإجماع الشيعي في تشكيل الكتلة الأكبر وتحديد رئيس الوزراء، لكن فكرة الإجماع الشيعي تعاني في هذه الأيام، مع انقسام الإطار على تيارين بشأن ترشيح نوري المالكي لرئاسة الوزراء.

إذا أقر التفسير الجديد للكتلة الأكبر، لن يحل مكروه بالحاكمية الشيعية، لأن الغالبية ستبقى تتمثل في نتائج الانتخابات، لكن تشكيل الحكومة قد يخرج من بيوت الساسة ويعود إلى البرلمان.

حارس “مدني” لتداول السلطة

اعتادت تجارب الشرق الأوسط على اعتماد العسكر كضامن يحمي النظام كما في تجربة تركيا ما بعد كمال أتاتورك، لكن يمكن ملاحظة دور خاص يلعبه قضاة المحكمة العليا في حماية النظام وخاصة في دول مثل ماليزيا وباكستان.

وحتى في الأنظمة الدينية مثل إيران، فقد تمت صياغة سلطات الفقهاء على شكل مؤسسات قضائية وبينها مجلس صيانة الدستور ومجمع تشخيص مصلحة النظام فضلاً عن مجلس خبراء القيادة، وهي طبقات من السلطة الفقهية والقضائية تتولى حماية النظام ومعالجة “ثغرات الديمقراطية والانتخابات وتداول السلطة”.

وباستمرار الطريقة الحالية في تشكيل مفوضية انتخابات من القضاة المرتبطين بالسلطة القضائية العليا، فقد تتضح يوماً بعد آخر ملامح غطاء قضائي، يتولى الإشراف أو الحماية والتحقق من مسار التجربة الديمقراطية العراقية.

النص الكامل لمقال القاضي فائق زيدان “خطيئة التفسير الخاطئ للدستور“.