"أثرى مثلث عراقي"
6 ممالك تحالفت لتسقط آشور فنهض سهل نينوى لكن ما أصل تسميات المدن الخمس؟
رغم أن خلافاً جانبياً يؤشره المؤرخون على أصل تسمية "سهل نينوى" لكن المنطقة الشبيهة بالدلتا تشكل واحدةً من أثرى مناطق العراق تنوعاً وتاريخاً وأسراراً.
من هذه السهول المفتوحة كان مقاتلو آشور يقومون بتأمين الطعام ثم ينطلقون إلى حروبهم الطويلة، واليوم تتوسط تلك السهول مدن رئيسة تحافظ على أسمائها القديمة منها (بغديدا، برطلة، بعشيقة، القوش كرملس) وقد شرح الخبراء في هذا التقرير أصول تلك التسميات ومعانيها، بينما يحافظ السكان على إرث عمره 8 آلاف عام من الزراعة، في واحدة من أقدم المستوطنات البشرية الزراعية.
وسهل نينوى جغرافياً.. هو مساحة على شكل مثلث بين نهرين وكأنه دلتا النيل وإن بمساحة أصغر، أقصى شمال البلاد، إذ يمتد بين نهر الزاب الكبير شرقاً إلى نهر دجلة غرباً، ويبدأ بقاعدة واسعة شمالاً تصل إلى نحو 80 كم عند مرتفعات القوش، ثم يضيق تدريجياً باتجاه الجنوب حتى يلتقي النهران ويصب الزاب في دجلة قرب النمرود بعد أن يقطع النهران نحو 80 كم بشكل متواز.
وعلى الجانب الغربي للمثلث نهضت حضارة آشور في عاصمتها التاريخية نينوى التي تظهر أطلالها اليوم في الجانب الأيسر من مدينة الموصل، ويعتقد الباحثون إن منطقة سهل نينوى مثلت “السلة الغذائية” للإمبراطورية الآشورية.
وبحسب القراءات، فإن سهل نينوى تحول من مساحة زراعية إلى سكنية مأهولة، حين نزح سكان نينوى إلى السهل، بعد سقوط إمبراطورية آشور التي تحالفت ضدها الممالك الستة ومن بينهم الميديون والفرس والبابليون والسكيثيون، حتى أسقطوا نينوى عام 612 قبل الميلاد.
وباستثناء ضفاف النهرين، اعتمد المجتمع الزراعي في المناطق الداخلية لسهل نينوى على الأمطار، وبرع أهل تلك المدن في الزراعة الديمية حتى اليوم، وفي تغطيات شبكة 964 تقارير عديدة عن الزراعة الديمية في السهل، وروابطها أسفل هذا التقرير.
ومع اخضرار الأرض من جديد بفعل زخة مطر سخية واقتراب الربيع، وثقت الشبكة بعض الصور من السهل، كما تحدثت إلى خبراء ومؤرخين من السهل عن أصل تسميات المدن الرئيسية في المنطقة، وهي بغديدا وبعشيقة وبرطلة والقوش وكرملس.
ويتميّز السهل بتنوّعه السكاني والثقافي عل مستوى الأديان والقوميات، وهو واقع ضمن المناطق المتنازع عليها بين سلطة الحكومة الاتحادية وإقليم كردستان، وتتداخل سلطات الطرفين اليوم في المنطقة، لكن مدن السهل تشهد استقراراً نسبياً رغم التحديات الكبيرة المتعلقة بهجرة الشباب وانعدام فرص العمل أو الزراعة بسبب قلة الأمطار وعدم تفعيل مشاريع استجرار المياه من دجلة أو الخازر أو الزاب.
ويختلف الباحثون كما في هذا التقرير على أصل تسمية سهل نينوى بين مَن يعتقد أنها تسمية قديمة أصيلة، وآخر يقول بأنها مستحدثة بفعل دوافع سياسية جديدة.
بغديدا
يقول الأثري المتقاعد عبد السلام سمعان الخديدي، لشبكة 964 إن تسمية سهل نينوى تعود إلى جذور تاريخية قديمة، ولا تُعد تسمية إدارية حديثة، فنينوى تاريخياً لم تكن مدينة فحسب، بل عاصمة إمبراطورية آشورية واسعة اعتمد اقتصادها على الزراعة وامتدت إلى مساحات واسعة شكّلت مجتمعة السلة الغذائية للإمبراطورية، خصوصاً في إنتاج الحنطة والشعير.
أما تسمية بغديدا القريبة من الطرف الشرقي للسهل، وهي “بيث خدو” باللغة الأكدية فتعني بيت الفرح، وباللغة السريانية “بيت خديدا” أو “بيث خديدا”، ومعناها أيضا بيت الفرح، وأصولها أكدية واستمرت خلال الحقبة البابلية والآشورية، أما تسمية قضاء الحمدانية أو قره قوش فهي مسميات استعمارية تعود للعهد العثماني وما بعده.
وتكشف التنقيبات الأثرية في بغديدا، ولا سيما في موقع تلولياثا (تلياثا)، عن أقدم استيطان بشري زراعي يعود إلى الألف السادس قبل الميلاد، ما يؤكد أن بغديدا كانت مجتمعاً زراعياً مستقراً منذ عصور مبكرة، واستمر هذا الدور الزراعي عبر العصور، مع ارتباط السكان بالزراعة وتربية الحيوان وظهور الحِرَف والصناعات المرتبطة بها.
صور من بغديدا
برطلة:
يوضّح الباحث والإعلامي بهنام شمَنّي من ناحية برطلة في شمال شرق سهل نينوى، إن أصل الكلمة باللغة السريانية: بر طلا وتعني بالعربية: ابن الظل أو مكان الظلال بسبب أشجارها وبساتينها الكثيرة، وتعود التسمية للحقبة بين القرنين الرابع والسادس الميلادي.
وعن سهل نينوى عموماً يقول شمَنّي: هو سهل واسع يأخذ شكل مثلث، تحدّه جبال القوش من الشمال، ونهر الزاب شرقاً ونهر دجلة غرباً. وقد قامت على هذا السهل الحضارة الآشورية، حيث تقع عليه عواصم مهمة مثل نمرود وخورسباد، بينما تقع نينوى على أطرافه.
بعد سقوط نينوى عام 612 قبل الميلاد، انتقل كثير من سكانها إلى قرى السهل، ما يفسر استمرار مفردات لغوية آشورية في لهجات المنطقة. كما تؤكد مخطوطة سريانية من القرن الثاني عشر أن سكان برطلة وبغديدا وكرمليس وبعشيقة والقوش هم نينويون من أبناء هذا السهل. ويُعد سهل نينوى من أخصب السهول في شمال العراق، وقد شكّل عبر التاريخ مصدر الحبوب الرئيس لمدينة الموصل ومحيطها.
صور من برطلة
القوش:
ويؤكد لطيف بولا المهتم بشؤون تاريخ القوش شمال سهل نينوى على سفح الجبال أن أصل تسمية القوش باللغة الآرامية (أل قوش)، وتعني الإله القوي أو المكان المرتفع نظراً لموقعها الجبلي وأهميتها الدينية، وتعود لما بين القرنين (7-9) قبل الميلاد.
ويرفض بولا ربط تسمية سهل نينوى بالزراعة فقط، أو اعتبارها تسمية تاريخية قديمة ويقول: هذا الكلام غير دقيق. فالتسمية المتداولة اليوم حديثة نسبياً، وارتبطت بالوصف الجغرافي للمنطقة كسهل، وبالسياق الإداري والسياسي بعد عام 2003، خصوصاً مع إدراجها ضمن المناطق المتنازع عليها.
تاريخياً، كانت هذه المناطق جزءاً من محافظة نينوى ضمن حدود إدارية واسعة، ولم يكن مصطلح “سهل نينوى” مستخدماً بهذه الصيغة في العصور الآشورية. وعليه، فإن التسمية الحالية نتاج تطورات إدارية وسياسية معاصرة، وليست تسمية زراعية أو إمبراطورية قديمة.
صور من القوش
كرمليس:
ويشير سلام آل كبارا، مختار كرمليس شمال شرق سهل نينوى، إلى أن تسمية كرمليس تعود لما بين القرنين (1–3) الميلادي وهي كلمة سريانية (كرم ليس) وتعني بساتين العنب، كونها منطقة زراعية اشتهرت بأشجار الكروم، ويعتقد أن تسمية سهل نينوى تعود إلى أسباب تاريخية وجغرافية مرتبطة مباشرة بمدينة نينوى الأثرية. فالسهل يحيط بمدينة نينوى من جهتيها الشمالية والشرقية، وكان يمثل الحديقة الخلفية والعصب الزراعي للعاصمة الآشورية.
صور من كريملس
بعشيقة
ويرى الكتاب والإعلامي جلال إلياس سليم من بعشيقة شمال غرب سهل نينوى، أن كلمة (بيت شيقا) في اللغتين الآرامية والسريانية تعني: بيت السقي أو مكان الماء، بسبب وفرة الينابيع والزراعة فيها، وتعود لما بين القرنين ( 6-8)، قبل الميلاد.
وعن تسمية سهل نينوى يقول: جاءت أساساً لوصف طبيعته الجغرافية كمنطقة منبسطة ومنخفضة مقارنة بالمناطق الجبلية المحيطة. وقد عُرفت المنطقة تاريخياً بتسميات عدة، منها شيحنار وشحنار، ثم “الأرض السوداء” لخصوبة تربتها وكثرة محاصيلها.
وينقسم السهل حديثاً إلى قسمين، جنوبي يضم بعشيقة وبرطلة وكرمليس وبغديدا، وشمالي يضم الشيخان والقوش وتلكيف. وقد عُرفت نينوى تاريخياً بأنها سلة خبز العراق، لإنتاجها الواسع من الحنطة والشعير، إضافة إلى محاصيل أخرى مثل الزيتون في بعشيقة، التي كانت تضم عشرات الآلاف من أشجار الزيتون، فضلاً عن الخضروات والذرة التي أثبتت نجاحها الاقتصادي في السنوات الأخيرة.