تقرير "جاست سكيورتي"

سجون العراق مكتظة 300%.. أربع عقبات تواجه نقل عناصر داعش

في تقرير لمجلة “جاست سكيورتي”، المتخصصة بشؤون القانون والسياسة والحوكمة، أشارت فيه إلى أن عملية نقل آلاف السجناء المرتبطين بتنظيم داعش من شمال شرق سوريا إلى العراق يطرح 4 مشكلات قانونية، تبدأ أولاً بأن العراق يواجه أصلاً اكتظاظاً في سجونه يقدر بنحو 300%، ما يثير تساؤلات حول قدرته على استيعاب دفعات جديدة من المحتجزين، إلى جانب مدى التزام بغداد بتعهداتها الدولية في ما يتعلق بضمانات المحاكمة العادلة وظروف الاحتجاز، في ظل تقييمات دولية تؤكد أن أوضاع السجون العراقية لا ترقى إلى الحد الأدنى من المعايير.

وفيما يتعلق بمسألة كلفة الاحتجاز والجهة التي ستتحمل الأعباء المالية لنقل وإبقاء آلاف السجناء، يطرح التقرير أسئلة حول ذلك وإذا ما جرى مساومات في اجتماع الرياض، سيما أن فرنسا في 2020 دفعت مليوني دولار للعراق مقابل احتجاز سجناء ومحاكمتهم، في حين أن الإشكالية الأبرز تتعلق بالاختصاص القضائي، إذ يشير التقرير إلى أن العراق لم يسنّ تشريعاً وطنياً يجرم الجرائم ذات الاختصاص العالمي مثل الإبادة الجماعية أو الجرائم ضد الإنسانية، كما أن النصوص الدستورية العراقية المتعلقة بالاختصاص لا تشمل جرائم الإرهاب، ما يضعف الأساس القانوني لمحاكمة أشخاص من جنسيات أجنبية لا تربطهم صلة إقليمية واضحة بالعراق.

وفي ضوء هذه الثغرات القانونية، حذر التقرير من ترتيبات مالية لتعويض العراق مقابل قبول آلاف المنقولين، الأمر الذي يؤدي لتكريس احتجاز تعسفي طويل الأمد، مع تضاؤل احتمال الإفراج عمن لا يتوافر أساس قانوني لاحتجازهم، كما يرى أن الحل الأكثر اتساقاً مع القانون الدولي يتمثل بإعادة الدول رعاياها ومحاكمتهم لديها، لافتاً في الوقت ذاته إلى تهرب بعض الدول من تحمل هذه المسؤولية.

تقرير مجلة just security، ترجمته شبكة 964:

اجتمع التحالف العالمي ضد داعش هذا الأسبوع في الرياض وهو يواجه مشكلة واحدة جوهرية: ماذا يفعل بالسجون والمخيمات الاستثنائية في شمال شرق سوريا، والتي دعم وجودها واستمراريتها طوال 7 سنوات؟

الجواب، كما ورد في بيان مشترك لحكومتي الولايات المتحدة والسعودية، يُظهر بوادر توتر، رغم التأكيدات على الاستمرارية في السياسة السابقة:

جدّد المشاركون التأكيد على أولوياتهم، بما في ذلك النقل السريع وضمان أمن محتجزي داعش، وإعادة رعايا الدول الثالثة إلى بلدانهم، وإعادة دمج عائلات مخيمي الهول وروج في مجتمعاتهم الأصلية بصورة تحفظ كرامتهم، والاستمرار في التنسيق مع دمشق وبغداد بشأن مستقبل حملة هزيمة داعش في سوريا والعراق. كما رحّب المشاركون بالحكومة السورية بصفتها العضو التسعين في تحالف هزيمة داعش. وأكد أعضاء التحالف استعدادهم للعمل عن كثب مع الحكومة السورية، وشجعوا الأعضاء على تقديم دعم مباشر للجهود السورية والعراقية.

هذا التوتر – كما نرى – هو بمثابة مواجهة قسرية مع واقع طويل الأمد تمثل في التعاقد من الباطن مع جهة مسلحة غير حكومية (قوات سوريا الديمقراطية) لإدارة مشكلة احتجاز صنعتها الدول بنفسها، إضافة إلى الاعتماد على حلفاء معقدين مثل المملكة العربية السعودية لقيادة جهود معالجتها.

التحديات التي تواجه الدول المجتمعة في الرياض لا تنبع من عدم قانونية الاحتجاز الواضحة، ولا من عمليات النقل الجماعي التي تبدو وكأنها تتبنى مبدأ الإعادة القسرية (refoulement) على نطاق واسع، بل من أن نقل السجناء من سوريا إلى العراق يثير إشكالات قانونية وعملية معقدة.

في 21 كانون الثاني/يناير، وبينما كان الجيش السوري يستعيد مناطق كانت خاضعة لسيطرة الأكراد في شمال شرق سوريا، بدأت الولايات المتحدة، بدعم من التحالف ضد داعش، نقل رجال وفتيان أجانب محتجزين على أساس الاشتباه بارتباطهم بتنظيم داعش إلى العراق. وقد بُرر النقل خطابياً بالمخاوف بشأن أمن السجون، وبشائعات عن هروب سجناء أو إطلاق سراحهم من قبل قوات سوريا الديمقراطية قبل فقدان السيطرة الإقليمية، إضافة إلى رفض دول غربية المخاطرة بإمكانية إطلاق سراحهم. في ذلك اليوم، وخلال ساعات مكثفة، تم نقل أول 150 سجيناً، على ما يبدو على دفعات صغيرة، إلى سجون في العراق. وفي اليوم نفسه، أكدت القيادة المركزية الأميركية (CENTCOM) أنها تتوقع المساعدة في نقل نحو 7,000 محتجز إلى العراق خلال أيام.

حتى وقت كتابة هذا النص، تم التحقق من نقل ما لا يقل عن 500 شخص، وربما ما يصل إلى 4,583 محتجزاً عبر الحدود. ويُعدّ هذا النقل العابر للحدود، على أساس مزاعم الانتماء الإرهابي، لرجال وفتيان محتجزين دون محاكمة أو إجراءات قانونية لما يقرب من عقد من الزمن، سابقة غير مسبوقة عالمياً.

في المقابل، تأرجحت الحكومة العراقية بين التأكيد أن عمليات النقل لن تمس بالأمن الوطني العراقي، وبين التشديد القاطع على أن هذه العمليات “مؤقتة”. كما أصر العراق على أن تتولى الدول الأجنبية استعادة رعاياها لاحتجازهم ومحاكمتهم في بلدانهم الأصلية. وربما هي أيضاً تشعر بوجود ما يريب.

بالتوازي، شهدت التطورات على الأرض تسارعاً كبيراً، بما في ذلك مغادرة أعداد كبيرة من النساء والأطفال مخيم الهول. ولا يزال أساس إطلاق سراحهم غير واضح (سواء كان بمبادرة ذاتية أم بإجبار من القوات المسيطرة)، كما أن وجهتهم غير معروفة (إلى احتجاز آخر في مواقع غير محددة، أو إلى حرية في مدن مثل إدلب، أو إلى سيطرة قسرية من أفراد أو عشائر محلية). وبعد سنوات من احتجاز النساء في “سجن داخل سجن”، لم يعد “الملحق” سيئ السمعة في مخيم الهول قائماً. ومع مغادرة النساء للمخيم، تتزايد المخاوف بشأن السلامة الجسدية للنساء والأطفال الذين ما زالوا محتجزين لدى قوات سوريا الديمقراطية في مخيم روج، في ظل ادعاءات بوقوع عنف جسدي وسرقة ومضايقات.

شهدت المنطقة عمليات نقل سابقة. ففي مطلع 2019، تم نقل رجال فرنسيين من شمال شرق سوريا إلى بغداد. وفي عام 2020، حكمت المحكمة الجنائية المركزية في بغداد على 11 منهم بالإعدام شنقاً. وفي أيلول/سبتمبر 2025، نُقل 47 محتجزاً فرنسياً آخرين إلى العراق لمحاكمتهم. وهذه هي عمليات النقل التي نعلم بها.

كنا قد أشرنا الشهر الماضي إلى أن هذه العمليات السورية-العراقية تنتهك بشكل صريح مبدأ عدم الإعادة القسرية، بما يثير المسؤولية القانونية الدولية لكل من الدولة الإقليمية والدولة الناقلة لانتهاك حظر عرفي في القانون الدولي. كما وصفنا الغياب شبه الكامل لضمانات المحاكمة العادلة في العراق في قضايا الإرهاب، والعقوبة الإلزامية بالإعدام بموجب تشريعات مكافحة الإرهاب العراقية.

نطرح هنا معضلة مختلفة: هل يمكن للعراق قانوناً، بموجب القانونين الوطني والدولي، أن يحاكم هؤلاء الأفراد بتهم الإرهاب أو الجرائم الأساسية استناداً إلى الاختصاص القضائي العالمي؟

نحدد أربع مشكلات:

أولاً: هل يستطيع العراق استيعاب هذا التدفق الضخم الجديد من المحتجزين، في ظل الاكتظاظ الممنهج (بنحو 300%) في نظامه السجني، نتيجة ارتفاع الإدانات بجرائم الإرهاب المحلية واحتجاز أعداد كبيرة بانتظار المحاكمة؟

ثانياً: هل يمكن للعراق احتجاز هؤلاء مع الالتزام بالتزاماته الدولية بشأن المحاكمة العادلة وظروف الاحتجاز المتوافقة مع حقوق الإنسان؟ إذ إن ظروف الاحتجاز في العراق متردية للغاية، وقد خلصت تقييمات دولية متعددة إلى أنها تنتهك الحد الأدنى من المعايير الدولية.

ثالثاً: من سيتحمل تكلفة النقل والاحتجاز لما يصل إلى 7,000 شخص؟ في عام 2020، أُفيد بأن الحكومة الفرنسية دفعت مليوني دولار لكل محتجز للعراق مقابل احتجازهم ومحاكمتهم. ونظراً لسرعة اتخاذ قرار النقل، يبدو من غير المرجح أنه تم الاتفاق مسبقاً على ترتيبات الدفع وسائر الآليات. ومن المرجح أن يكون ذلك جزءاً من المساومات في الرياض.

رابعاً: هل يمتلك العراق اختصاصاً قانونياً لمحاكمة هذه القضايا؟

صرّح قاضٍ مؤثر في مجلس القضاء الأعلى العراقي، في بيان غير ملزم قانونياً، بأن “القضاء العراقي يملك الاختصاص الجنائي لمحاكمة جميع مرتكبي الجرائم الإرهابية داخلياً، بغض النظر عن جنسية الجناة أو مكان وقوع الجريمة”. وهذا ادعاء واسع. غير أن التصريحات الخطابية لا تحدد ما سيحدث فعلياً في المحكمة. فالمبدأ الأساسي لسيادة القانون يقتضي وجود رابطة اختصاصية بين الدولة والمتهم أو الجريمة. أي أن يكون المتهم عراقياً، أو أن تكون الجريمة ارتكبت على الأراضي العراقية، أو أن يكون الضحايا عراقيين.

ولا نعرف جنسية جميع المنقولين أو الأفعال المنسوبة إليهم أو أماكن وقوعها. غير أن محامين وأسر محتجزين في عمليات نقل سابقة أكدوا أن بعض الرجال لم تطأ أقدامهم العراق قط. وقد جادل محامون سابقاً بأن العراق لا يملك الاختصاص القضائي لمحاكمة منقولين من الاحتجاز السوري، ونعتقد أن هذا الدفع سيتكرر وقد يكون في محله.

وفقاً لمحامية فرنسية تمثل بعض الرجال المنقولين في خريف 2025، وزارت موكليها في العراق أوآخر كانون الثاني، فإن مقابلات السلطات العراقية مع المحتجزين تهدف إلى حملهم على الاعتراف بأنهم أمضوا وقتاً في العراق قبل سقوط “الخلافة”. ويكشف ذلك عن انشغال واضح لدى السلطات العراقية بمسألة الرابطة الإقليمية.

الأهم أن العراق لم يسنّ تشريعاً وطنياً يجرّم الجرائم ذات الاختصاص العالمي مثل الإبادة الجماعية أو الجرائم ضد الإنسانية، ما يعني أن توجيه هذه التهم غير ممكن حالياً. وحتى لو تم سن قانون على عجل، ستبرز إشكالية عدم رجعية القوانين الجنائية.

كما أن المادة 13 من الدستور العراقي بشأن الاختصاص العالمي لا تشمل جرائم الإرهاب. أما المادة 9 من قانون العقوبات، التي تنص على سريان أحكامه على “كل من يرتكب خارج العراق جريمة تمس الأمن الداخلي أو الخارجي للدولة أو النظام الجمهوري”، فهي على الأرجح غير منطبقة على الإرهاب، لأن جرائم الإرهاب مشمولة في قانون خاص هو قانون 13 لسنة 2005. وبالتالي، في غياب أدلة واضحة على وجود رابطة إقليمية، قد لا يكون هناك أساس قانوني لمحاكمة هؤلاء أمام المحاكم العراقية.

قد يلجأ المجتمعون في الرياض إلى التعاون القضائي المتبادل كأفضل خيار، من خلال تنفيذ مبدأ “إما التسليم أو المحاكمة” (aut dedere aut judicare)، الوارد في قرارات مجلس الأمن 1373 (2001) و1456 (2004). غير أن غياب تعريف عالمي موحد للإرهاب، إضافة إلى اتساع وغموض تعريف الإرهاب في القانون العراقي، يمثلان عقبة أساسية.

رغم العجلة في النقل بهدف توجيه اتهامات، فإن بعض الخطوات تبدو غير مدروسة. ومع بدء محكمة تحقيق الكرخ في بغداد تحقيقات إرهابية، يثور القلق بشأن جودة الأدلة، لا سيما في ظل مزاعم استخدام التعذيب وانتزاع الاعترافات، وظروف الحرب ضد تنظيم الدولة منذ 2014. والافتراض بوجود ملفات قانونية جاهزة لآلاف المحتجزين يبدو مبالغاً فيه، حتى لو وفّر غطاءً لدول تتهرب من مسؤولياتها في الإعادة إلى الوطن.

في ضوء هذه العيوب القانونية، يُخشى من محاولة تعويض العراق مالياً مقابل قبول آلاف المنقولين ضمن عملية قانونية تتعارض مع أبسط متطلبات سيادة القانون، أي وجود أساس قانوني واضح للحرمان من الحرية وتوجيه الاتهام.

أين يقودنا ذلك؟

أولاً: إلى احتمال ترسيخ الاحتجاز التعسفي وغير القانوني كأمر واقع في العراق، أي نقل ظاهرة الاحتجاز التعسفي من سوريا إلى العراق، مع ما قد يشكله ذلك من سابقة عالمية.

ثانياً: يقتضي مبدأ سيادة القانون الإفراج عن من لا يوجد أساس قانوني لاحتجازهم، لكن الممارسة في سوريا والعراق تجعل هذا الاحتمال ضعيفاً.

ثالثاً: الحل الأكثر توافقاً مع القانون الدولي هو أن تعيد الدول رعاياها وتحاكمهم وفقاً للقانون أو تطلق سراحهم مع اعتماد آليات مراقبة وإعادة تأهيل. غير أن تلك الدول تسعى إلى تفادي هذا المسار المنطقي والضروري.

وقد يكون الدرس هنا بسيطاً: فكّر جيداً – أو استشر خبراء قانون دولي أكفاء – قبل أن تنقل أشخاصاً بين “ثقوب قانونية سوداء”.