6 كتب شغلت مثقفي العراق

لا تغلق الدار.. محبو علي بدر والنقاد راجعوا تاريخ النشر من خلف الأحمر حتى “بنغوين”

يتلقى الكاتب العراقي البارز علي بدر دعوات تضامنية من محبيه للتراجع عن قرار إغلاق دار “ألكا”، وهي الخطوة التي اتخذها متأثراً بحملة وصفها “بالقاسية” استهدفت اسمه وداره وتاريخه ومنجزه، وكتب بدر أكثر من مرة، معبراً عن خيبته وشعوره بالخذلان والإحباط، وأنه قرر إغلاق كل شيء بعد صدمته بما قرأه من هجوم، أما أصل القصة فبدأت حين نشر أحد الباحثين عناوين مؤلفات نشرتها دار “الكا” وقال إن أسماء كتابها أو مترجميها مختلقة.

وعلي بدر، روائي عراقي ذائع الصيت عربياً، من مواليد بغداد مطلع الستينات، أنهى دراسته للأدب الفرنسي في جامعة بغداد، ثم أكمل دراسة الفلسفة في جامعة بروكسل في بلجيكا، وفي رصيده 19 رواية، ومجموعة قصصية واحدة، وست دراسات فلسفية، وثلاث مسرحيات، وديوانا شعر، وكتب العديد من المساهمات في الصحف العربية والعالمية مثل الحياة، الأخبار، السفير، لوموند، ليبراسيون، واشنطن بوست، الصنداي تايمز، والإندبندنت.

“فضيحة”

ووضع الكاتب صادق الطائي مفردة “فضيحة” في بداية منشوره عن الكتب الستة، نهار الجمعة، وسريعاً حصد “لايكات” كثيرة جداً، أكثر من كل مقالاته الأخرى المهمة عن الصين وأميركا وأزمة أوكرانيا، لكنه ورغم عنوانه الذي ينهي التساؤل ويعتبر الأمر “فضيحة” عاد في منشوره إلى سياق أقرب لعمله الصحفي، وبدأ يثير تساؤلات عن أصول تلك الكتب، وحقيقة المترجمين.

“شواء علي بدر”

تحول الأمر في الساعات اللاحقة إلى “حفلة شواء علي بدر” باللفظ الذي استخدمه أحد محبيه، ودافع المهاجمون عن نزاهة الثقافة والمهنية.

صدرت ردود علي بدر على مراحل، كما لو أنه أراد بعض الوقت للتحقيق في الأمر، لكنه سارع إلى تأكيد أن دار “ألكا” التي أسسها، لم تعد تحت إدارته منذ عامين، وقد تسلمتها شقيقته فاطمة بدر، ومع هذا.. قال بدر إنه سيغلق الدار الذي أسسه إذا ثبت وجود أي خطأ، وهو ما أعلنه بالفعل بعد يومين، مقراً بالخطأ.

وانتقد بعض متابعي علي بدر، استغراقه في مهاجمة منتقديه والحديث عن “الكناغر والبناطيل والأحذية” وسائر المقتنيات.. بدل إيضاح ما حصل بالفعل.

ولاحقاً.. عبّر بدر عن ألمه من مثقفين قرروا التوجه للكتابة الفضائحية بدل تنبيهه إلى هذا الخطأ بالتواصل المباشر ليتم تداركه.

الفخ في مكان آخر

ويمكن فهم ما حصل وفق رواية بدر، بأن مؤلفاً واحداً انتحل صفة وسيط، وتمكن من خداع دار “ألكا” وأرسل الكتب الستة بأسماء مختلفة لمؤلفين ومترجمين، وانشغلت الدار بتدقيق المتون والنصوص والأفكار والمراجع ومضمون الكتب، وكان كل شيء سليماً وفق لعلي بدر، لكن الفخ كان في مكان آخر، وهو أسماء المؤلفين والمترجمين.

ويبدو هذا التفسير الأقل خطورة، فالقضية هنا أمام كاتب حقيقي، قرر تأليف كتب ونسبتها إلى أسماء أجنبية مزيفة، لهدف غير معروف، أما الأخطر، فهو أن يكون المؤلف الحقيقي هو الذكاء الاصطناعي! وهو ما يفتح باب تساؤلات لا تنتهي، فهذه المطبوعات يمكن أن تتحول لاحقاً إلى مصادر يستخدمها الباحثون في كتب أخرى، ويمكن أن يتسبب هذا بمخاطر كبيرة، فالكتب الستة ليست خواطر أو قصائد، بل تناقش موضوعات في التاريخ والسياسة والتوثيق.

تعليق د. نصير غدير

وفتحت القضية نقاشاً عابراً للإشكال الأخير، وأفرد الأديب العراقي وخبير اللسانيات د. نصير غدير نعيمة، منشوراً مفصلاً للمقارنة بين “النحل والانتحال”.

وعبّر غدير عن رفضه لفكرة النحل وقال إنه لا يشجعها، بل يرفضها، إلا أنها ظاهرة ضاربة في القدم، وقال “..نعلم جيداً أن أغلب الأدب العربي قبل الإسلام وفي صدره الأول، كان عرضة للاختلاق من قبل الناحلين، مثل خلف الأحمر وحماد الراوية، ولولاهما ولولا أمثالهما لما كان لنا هذا الإرث الأدبي الضخم والواسع والعميق..”.

وبحسب غدير، فإن القضاة أو المحكمين يواجهون أيضاً صعوبة في تجريم هذه الظاهرة، فأن يقرر كاتب تسجيل كتاب ألفه باسم كاتب آخر، أو باسم مستعار، فإن البحث عن الجانب الجنائي في هذا الفعل يبدو أمراً محيراً.

وبالنسبة لغدير، فإن الجانب الأهم في هذا النقاش، هو ضرورة إبعاد الكيانات التجارية عن التدخل أو التحكيم، مثل اتحاد الناشرين أو غيره.

“لا تغلق الدار”

أورد مساندو علي بدر، قصصاً أخرى مماثلة، وقال الأديب السوري البارز هاني نديم، إن دار “بنكوين” الشهيرة وقعت في خطأ مماثل، لكنها لم تقرر إغلاق الدار، بل اتباع السياق المعروف في هذه الحالات، وهو الإيضاح والاعتذار وسحب النسخ.

ويقول بدر إن الدار ليست مكاناً تجارياً يدر الأرباح الكبيرة، بل هي مكتب مفتوح في بغداد للقراءة المجانية، وتلقى بدر مئات التعليقات التي تشير إلى مدى تكرار هذه الحوادث في عالم النشر، وضرورة رفع مستوى التدقيق والإقرار بالأخطاء، وفي الوقت ذاته عدم الانسحاب أمام الهجمات التي قد تكون عفوية أو تجارية أو شخصية أو سياسية أو صادرة عن محبين يحرصون على نزاهة المشهد الثقافي العراقي.

وعبّر الأكاديمي العراقي عبد الخالق حسن عن أسفه لقرار انسحاب الدار من العراق، وقال إن الوسط الثقافي العراقي يتحول فجأة إلى سهل أدغال أفريقي تنتشر فيه الوحوش!