شاهد على قرن من التنوير
الحلة لا تنسى سوق الحطابات وعبد الكريم الماشطة في محلة جبران
محلة جبران (الحلة) 964
في محلة جبران الحلاوية عاش الشيخ عبد الكريم الماشطة، المفكر العراقي المعروف، والسياسي والناشط الحقوقي المولود عام 1881، ومن هنا قرب مسجد شيدته العائلة، قاد نضاله في صفوف الجبهة الوطنية أبان العهد الملكي، وقلده اليسار العالمي في مؤتمر “براغ” بالوسام الذهبي تقديراً لجهوده ضمن “مجلس السلم”، وإلى هذه الأزقة الضيقة، جاء الشاعر الجواهري ماشياً في سوق “الحطابات”، ليلتقي الماشطة ويطلق عليه لقب “أبو ذر الحلة” نسبة للصحابي الجليل.
وتعد محلة جبران واحدة من أهم محلات المدينة تاريخياً، وجزءاً من حاضرتها، حيث سكنها عبد الرزاق شريف، أول رئيس بلدية للمدينة، وسمي الزقاق يومها بـ”عگد الريّس” ثم صار يعرف بـ”سوق الحطابات” بعد أن تحول الى مكان لبيع الحطب الذي تحضره نساء الريف الى المدينة، ثم تغير حال السوق ليمسي مع أيام الحصار في التسعينيات مكاناً مهماً لبيع الخردة والمواد المستعملة والملابس وما شابه.
عامر تاج الدين – باحث ومؤرخ، لشبكة 964:
ولد عبد الكريم المشاطة في محلة جبران عام 1881 في نفس منطقة سوق الحطابات حالياً، وكان لعائلة الماشطة “ديوخانة” تجتمع فيها الناس وكان لهم مسجد في المنطقة أسسه جدهم.
عبد الكريم الماشطة وصل إلى مرحلة الاجتهاد وله مكانة في المجتمع، وكان يرتدي العمامة، وهو مفكر وصحفي أيضاً، وغالبية الناس تتردد على منزله.
في عام 1945 زاره الشاعر محمد مهدي الجواهري بعد أن سمع بدوره في الحركة الوطنية، وجاءه إلى منزله ووصفه بـ”أبي ذر الغفاري في الحلة”.
كان يختلف عن رجال الدين بسبب نشاطه السياسي والثقافي، وكان مؤيداً للوطنيين، ومنخرطاً في جماعة حزب الأهالي خلال الحكم الملكي، ومع تاسيس مجلس السلم العالمي، افتتح الشيخ عبد الكريم فرعاً لها في الحلة، ولكن رغم قربه من اليساريين والشيوعيين، غير أنه لم يكن عضواً في الحزب الشيوعي العراقي.
في عام 1954 حضر المؤتمر الأول لمجلس السلام في وارسو، ممثلاً عن العراق ومنح الوسام الذهبي في المؤتمر الثالث عام 1959 رغم وفاته، تكريماً لمواقفه الوطنية.
كان عبد الكريم الماشطة رجلاً وطنياً، وله علاقات طيبة مع الجميع، وكان ملماً بالفلسفة القديمة والفلسفة الصوفية، وكان أهل الحلة يكتبون اسمه على جدران الأزقة تأييداً له خلال انتخابات عام 1954، وامتلأت أزقة محلة جبران بشعارات “انتخبوا الماشطة لأجل الخبز للجياع، والعمل للعاطلين” وكلما مسحها عناصر الأمن، عاد الناس لكتابتها مرة أخرى.
صلاح اللبان – شاعر ومؤرخ:
في سوق الحطابات تقع دار الشيخ عبد الكريم الماشطة، ومن بعده مباشرة بيت عبد الرزاق شريف، وهو أول رئيس بلدية في الحلة فسمي “عگد الريّس” أو سوق الحطابات.
سوق الحطابات يقع في نهاية الشارع الطويل الذي يبدأ من محلة الأكراد، مروراً بمسجد أبو الطين وصولاً إلى مستشفى الأطفال حالياً، وهو زقاق ينتهي بـ “المسابج”، وكان يباع فيه الحطب حين كانت العوائل الحلية تعتمد عليه في التدفئة والطبخ، حينما كانت الحياة بسيطة.
كانت النساء الريفيات يأتين بالحطب على شكل (نگلات) من السعف والكرب، ويتم نقلها بواسطة الدواب (الحمير والبغال)، ولكن صار هناك تحول في السوق بعد ستينيات القرن الماضي، بعد دخول الأدوات الخاصة بالطبخ والتدفئة وانتهى الاعتماد على الحطب.
تحول السوق فيما بعد إلى سوق لبيع المواد الخردة والأدوات المستعملة وشهد رواجاً في تسعينات القرن الماضي خلال فترة الحصار الاقتصادي الذي فرض على العراق.