تقرير ايرسبايس غلوبال

بلا صاروخ واحد.. كيف أسقط ترامب 27 شركة طيران إيرانية على الأرض؟

في حروب هذا العصر، لا يحتاج جنرالات واشنطن إلى إطلاق صاروخ واحد لإسقاط طائرة من السماء، تكفي جرة قلم من وزارة الخزانة لتجعل مدرجات الشرق الأوسط مصيدة صامتة تُقصقص أجنحة طهران على الأرض، كما فعلت عقوباتها بالخطوط الجوية العراقية بعد غزو الكويت. هكذا استيقظ الإيرانيون، حسب موقع “إيرسبايس غلوبال” المعني بالطيران، ليجدوا 27 شركة طيران معزولة عن العالم بلا وقود ولا قطع غيار، بعدما أغلقت عواصم المنطقة – من دبي ومسقط وحتى النجف – أبوابها هرباً من سياط العقوبات الثانوية. وبينما تلجأ طهران إلى أدراج “إيكاو” بشكوى تبدو بلا طائل، يكتشف المسافر والتاجر والمريض فجأة أن التحليق في الشرق الأوسط لم يعد مسألة فيزياء ومحركات، إنما خريطة ألغام ترسمها حسابات ترامب لتجبر أسطولاً عتيقاً على التكدس فوق الأرض.

تقرير لوك بيترز، لصالح ايرسبايس غلوبال، ترجمته شبكة 964:

عقوبات ترامب على شركات الطيران الإيرانية: كيف تؤثر في قطاع الطيران الإيراني؟

فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على أنشطة 27 شركة طيران إيرانية، تاركة المسافرين أمام خيارات محدودة وتذاكر سفر متصاعدة التكاليف.

بدأ قطاع الطيران الإيراني يرزح تحت وطأة الآثار المباشرة لأحدث حزم العقوبات التي فرضتها إدارة ترامب، مع إلغاء واسع للرحلات وتعليق مسارات جوية دولية بالغة الأهمية.

وأعلنت طهران يوم الاثنين 28 أيلول/سبتمبر أنها قدمت شكوى رسمية إلى منظمة الطيران المدني الدولي (إيكاو) بشأن القيود الأمريكية، في وقت تسعى فيه سلطات الطيران المدني الإيرانية إلى إعادة تشغيل المسارات المعلقة.

فما الذي استهدفته واشنطن تحديداً، وكيف تنعكس هذه الإجراءات على شركات الطيران الإيرانية ومسافريها؟

كيف تستهدف العقوبات الأمريكية شركات الطيران ومورديها؟

في الثامن من أيلول/سبتمبر، فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات طالت 27 شركة طيران إيرانية، من بينها “إيران إير تور”، و”خطوط طيران آسمان”، و”قشم إير”، و”كيش إير”، و”سبهران إيرلاينز”، و”زاغروس إيرلاينز”. كما طالت هذه الإجراءات الموسعة شركات أجنبية في الخارج وُجهت إليها اتهامات بتقديم الدعم لقطاع الطيران الإيراني.

وتأتي هذه التدابير ضمن سياق حملة الضغوط الاقتصادية الأوسع التي يقودها الرئيس دونالد ترامب ضد طهران. وتقول الخزانة الأمريكية إن قطاع الطيران استُخدم لنقل الأسلحة والعناصر والشحنات غير المشروعة، وهي ادعاءات تمثل الركيزة الأساسية لقراراتها العقابية.

ولم تعطل واشنطن تحليق كل طائرة إيرانية في الجو، بل استهدفت الشركات والأنشطة التجارية الدولية التي تعتمد عليها، ملوحة بعواقب وخيمة لأي شركات أجنبية تواصل تقديم الدعم للناقلات الخاضعة للعقوبات.

ويشكل هذا النهج، المعروف بالعقوبات الثانوية، ضغطاً مباشراً على الشركات خارج حدود الولايات المتحدة. فبالنسبة لأي شركة طيران، يمثل فقدان الوصول إلى إمدادات الوقود أو خدمات المناولة الأرضية والخدمات الأساسية الأخرى عائقاً يحول دون تشغيل المسار الجوي، حتى مع توفر الطائرة وجاهزيتها.

ما هي المسارات الجوية الإيرانية التي عُلقت؟

برزت تداعيات القرار بوضوح في 24 أيلول/سبتمبر، وأفادت وكالة “رويترز” بحظر هبوط طائرات الشركات الإيرانية في وجهات عدة تشمل الإمارات وسلطنة عمان، في أعقاب انقضاء المهلة التي حددتها واشنطن للشركات الأجنبية لإنهاء تعاملاتها مع الناقلات الإيرانية.

وأعلنت الهيئة العامة للطيران المدني في دولة الإمارات تعليق الرحلات الجوية التي تسيرها شركات الطيران الإيرانية من الدولة وإليها اعتباراً من 24 أيلول/سبتمبر وحتى إشعار آخر. واختص الإعلان بالشركات المشغلة الإيرانية تحديداً، دون أن يعني ذلك توقف كافة الرحلات الجوية بين البلدين.

وتعد دبي مركزاً دولياً محورياً لحركة الملاحة الجوية، مما يجعل فقدان الوصول إليها خسارة بالغة الأثر لشركات الطيران الإيرانية والمسافرين على حد سواء.

ورغم ذلك، لم تشهد حركة الطيران الإيراني شللاً تاماً؛ ففي 24 أيلول/سبتمبر واصل مطار الإمام الخميني في طهران إدراج رحلات مجدولة إلى وجهات شملت الصين وأرمينيا وباكستان، وهو ما عكس صورة عن الشبكة المتبقية دون أن يمثل تأكيداً حتمياً لتشغيل كافة تلك الرحلات على أرض الواقع.

لماذا تخلق العقوبات تحديات في صيانة الطائرات؟

بالنسبة لشركات الطيران، لا يعني فقدان الوصول إلى المطارات الإقليمية الكبرى خسارة نقل المسافرين والعوائد المالية فحسب، بل يتمثل التحدي الأطول أمداً في مواصلة صيانة وتأهيل الطائرات المطلوبة لخدمة المسارات المتبقية.

ويتطلب تشغيل أي أسطول جوي شبكة واسعة من الشركات المتخصصة في توريد قطع الغيار والصيانة والدعم الفني. وإذا قدرت تلك الجهات الموردة أن التعامل مع الناقلات الإيرانية يعرضها لطائلة العقوبات الأمريكية، فإنها قد تنسحب وتوقف خدماتها فوراً.

وتكابد شركات الطيران الإيرانية بالأساس صعوبات بالغة في اقتناء طائرات حديثة وقطع غيار بعد سنوات طويلة من العقوبات الدولية. ويعمل الجانب الأكبر منها بأساطيل متقادمة، مما يجعل الحصول على أعمال الصيانة والمكونات البديلة مسألة في غاية الأهمية.

وقد يؤدي تضييق سبل الوصول إلى الصيانة إلى بقاء الطائرات فترات أطول في انتظار الإصلاحات، مما يقلص عدد الطائرات المتاحة لخدمة المسافرين. ويمثل ذلك نتيجة تشغيلية محتملة، دون أن يعد دليلاً قاطعاً على انعدام معايير السلامة في كل طائرة متأثرة.

وتفيد وزارة الخزانة الأمريكية بأنها ستدرس الطلبات المتعلقة بسلامة الطيران كل حالة على حدة، وهو ما يفتح مساراً ضيقاً لطلب الاستثناءات، دون أن يوفر إذناً شاملاً لعمليات الدعم الفني والصيانة.

كيف تؤثر القيود على المسافرين؟

يتجسد الأثر المباشر في تراجع الخيارات المتاحة؛ فمدينة دبي تشكل نقطة وصل حيوية تربط الشرق الأوسط بأوروبا وآسيا ومختلف مناطق العالم، مما يجعل فقدان الرحلات التي تسيرها خطوط إيرانية إلى الإمارات ذا أثر يمتد إلى ما وراء هذه الوجهة وحدها.

وقد يواجه المسافرون مسارات رحلات أطول، ومحطات توقف إضافية، وتكاليف مالية متصاعدة. وقد يلجأ البعض إلى السفر براً نحو دول الجوار قبل استكمال رحلاتهم جواً، مما يضيف مزيداً من الجهد والوقت والنفقات.

كما لا يعد الانتقال إلى الحجز عبر شركات الطيران الأجنبية حلاً ميسراً دوماً؛ فبالتزامن مع استهداف الشركات الإيرانية، علقت وزارة الخزانة الأمريكية التراخيص والتفويضات التي كانت تغطي بعض رحلات العبور والهبوط داخل إيران لشركات طيران غير أمريكية تستخدم طائرات تجارية أمريكية المنشأ أو خاضعة لسيطرة واشنطن، مما وسع نطاق القيود لتتجاوز الشركات المملوكة لإيران.

وتكتسب هذه التداعيات أثراً عميقاً على العائلات، والطلبة، وأصحاب الأعمال، والمسافرين بغرض تلقي العلاج أو الزيارات الدينية.

وأعلن العراق في 26 أيلول/سبتمبر سعيه للحصول على استثناءات أمريكية لبعض المطارات للسماح باستئناف الرحلات الجوية لدواعٍ إنسانية، غير أن تقديم طلب الاستثناء لا يعني صدور الموافقة عليه أو استئناف الرحلات فعلياً.

هل تستطيع الناقلات الإيرانية الحفاظ على رحلاتها الدولية؟

يشمل التحرك الإيراني الراهن مساعي دبلوماسية تهدف إلى إعادة فتح الأجواء، إلى جانب تقديم الشكوى الرسمية أمام منظمة “إيكاو”. ولا يقدم أي من هذين المسارين ضمانة فورية لعودة الرحلات المعلقة إلى العمل.

وسيعتمد الأثر البعيد المدى على مدى استعداد وقدرة المطارات الأجنبية، والموردين، والمؤسسات المالية على مواصلة تقديم خدمات الدعم للناقلات الإيرانية من الناحية القانونية، فضلاً عن احتمالية منح استثناءات محددة.

وحتى اللحظة، نجحت هذه التدابير في تقليص مستوى التواصل الدولي لإيران دون أن تشل حركة قطاع الطيران كلياً. وتواجه شركات الطيران ضغوطاً متزامنة من جانبين: تراجع المسارات الجوية التي تدر عوائد مالية، وتعاظم الصعوبات في تأمين الخدمات الضرورية لإبقاء طائراتها محلقة في الأجواء.