"وصفاتكم الجاهزة غير مجدية"
التحذير الدولي للعراق.. خبيرة تناقش تقرير صندوق النقد: اللوم عليكم أيضاً
تناقش الخبيرة الاقتصادية، سهام يوسف، التقرير الأخير لصندوق النقد الدولي والذي تضمن تحذيرات كبيرة للحكومة العراقية مع استمرار تراجع الإيرادات مقابل زيادة الإنفاق العام، ما يشكل عجزاً هيكلياً خطيراً في بنية الاقتصاد، حيث تنطلق الخبيرة في نقدها، لصندوق النقد نفسه، من حقيقة عدم معرفة الأخير بالسياق السياسي والاجتماعي العراقي، الأمر الذي يجعل تطبيق “الوصفات الجاهزة” التي يقدمها الصندوق أمراً بالغ الصعوبة، مع اصطدام مقترحاته بتفشي نفوذ الدولة العميقة وعرقلتها إصلاح الجاهز الضريبي بهدف زيادة الإيرادات غير النفطية مثلاً، كما يصطدم مقترح ترشيد الإنفاق بالواقع الاجتماعي الهش واعتماد ملايين العراقيين على الرواتب الحكومية وسط ضعف القطاع الخاص، وتوسع “الاقتصاد الموازي”، الحالة التي تضع العراق في مواجهة اختلال أمام كل برميل نفط يباع واستنزاف مستمر للاحتياطي المالي وارتفاع الدين العام الى 62%، وتراجع الاستثمار الأجنبي الى نسبة 0% من الناتج المحلي.
مقال سهام يوسف، تابعته شبكة 964:
في تقريره الأخير، وجّه صندوق النقد الدولي تحذيراً صارماً بشأن تفاقم مواطن الضعف المالي والاقتصادي، محذّراً من أن البلاد تتجه نحو عجز متزايد في الموازنة، في ظل تراجع أسعار النفط، وضعف الإيرادات غير النفطية، وتضخم النفقات الجارية، وخاصة في بند الأجور والمعاشات. التقرير يقدّم صورة دقيقة ولكن مثيرة للقلق حول واقع الاقتصاد العراقي، ويطرح تساؤلات جوهرية حول مدى استعداد الحكومة لاحتواء الأزمة المقبلة.
بحسب التقديرات، سيقفز عجز الموازنة من 4.2% من الناتج المحلي الإجمالي في 2024 إلى 9.2% في 2026، نتيجة انخفاض الإيرادات النفطية وغياب التنويع الحقيقي في مصادر الدخل. وفي الوقت الذي تتراجع فيه عائدات النفط من نحو 99 مليار دولار إلى 79 ملياراً خلال ثلاث سنوات فقط، لا تُظهر النفقات العامة أي مرونة، بل تستمر في الصعود، ما يعكس استمرار الدولة في إدارة مالية غير مستدامة.
وعلى الرغم من محاولات الحكومة لعرض خطط لتنويع الاقتصاد، إلا أن الواقع يقول خلاف ذلك. النمو غير النفطي تباطأ بشكل حاد إلى 1% فقط في 2024، بحسب تقديرات صندوق النقد، مقارنة بـ13.8% في العام السابق. هذا الانحدار يكشف أن القطاعات غير النفطية ما زالت محدودة التأثير، وتعاني من ضعف البنية التحتية، وانعدام الحوافز الحقيقية، وغياب البيئة الاستثمارية الجاذبة.
التقرير يسلّط الضوء على ارتفاع سعر التعادل المالي للنفط إلى 84 دولاراً للبرميل، مقارنة بـ54 دولاراً قبل أربع سنوات. وفي ظل أسعار عالمية لا تتجاوز 70 دولاراً حالياً، فإن الموازنة العراقية تعاني من اختلال داخلي في كل برميل يُباع، ما يعني أن الاستمرار بهذا النهج سيؤدي إلى استنزاف سريع للاحتياطي المالي، وارتفاع مستمر في مستويات الدين العام، المتوقع أن تصل نسبته إلى أكثر من 62% من الناتج بحلول 2026.
وفي موازاة ذلك، يتلاشى الاستثمار الأجنبي المباشر بشكل شبه كامل، مع بقائه عند 0% من الناتج المحلي حتى عام 2026، ما يُشير إلى غياب الثقة الدولية بالاقتصاد العراقي. وهو ما يعكس خللاً بنيوياً في بيئة الأعمال، وغياب الشفافية والحوكمة، وارتباك النظام القانوني، إضافة إلى غياب استراتيجية واضحة لجذب الاستثمارات النوعية.
النقد الذي يمكن توجيهه لصندوق النقد نفسه، هو أنه يقدّم وصفاً دقيقاً للمشكلة، لكنه لا يأخذ في الحسبان طبيعة السياق السياسي والاجتماعي العراقي، الذي يجعل من تطبيق “وصفات جاهزة” للإصلاح أمراً بالغ الصعوبة. فرفع الإيرادات غير النفطية مثلاً، يتطلب إصلاحاً ضريبياً شاملاً، لا يبدو أن الدولة قادرة عليه في ظل ضعف الدولة العميقة وتفشي الاقتصاد الموازي.
كما أن توصيات الصندوق بشأن ترشيد الإنفاق، وخاصة في بند الأجور، تصطدم بواقع اجتماعي هش، حيث يعتمد الملايين من المواطنين على الرواتب الحكومية كمصدر دخل رئيسي في ظل ضعف القطاع الخاص، وانعدام شبكات الأمان الاجتماعي الفعالة.
في النهاية، لا يُمكن معالجة العجز المالي والركود الاقتصادي في العراق دون قرارات إصلاحية شجاعة، تبدأ بإعادة هيكلة النفقات، وتحرير الاقتصاد من قبضة الدولة الريعية، وتفعيل الشراكة مع القطاع الخاص، وضمان استقلال المؤسسات الاقتصادية، وبناء قاعدة إنتاجية حقيقية.
تقرير صندوق النقد الدولي، تابعته شبكة 964:
يواجه العراق تهديداً بتفاقم العجز المالي على المدى المتوسط إثر تراجع إيرادات النفط بسبب انخفاض الأسعار فضلاً عن تزايد معوقات التمويل، في الوقت الذي ارتفع فيه تقدير سعر الخام اللازم لتحقيق التعادل في الميزانية ما يزيد عن 55%، بحسب صندوق النقد الدولي.
على الرغم من إشادة الصندوق بتمكن العراق من الحفاظ على الاستقرار الداخلي رغم الاضطرابات في المنطقة وحالة الضبابية العالمية، إلا أنه يتوقع أن تعرقل قيود التمويل وانخفاض إيرادات النفط الإنفاق المالي، مما سيلقي بظلال إضافية على النشاط الاقتصادي. أدى التوسع المالي الكبير في السنوات الأخيرة إلى تزايد مواطن الضعف في البلاد، ما فاقمه الانخفاض الأحدث في أسعار النفط، وفق التقرير الصادر عن المجلس التنفيذي للصندوق اليوم الأربعاء بعد اختتام مشاورات المادة الرابعة.
يُنتظر أن تسجل المالية العامة للعراق تراجعاً ملحوظاً، إذ يُقدر العجز في الموازنة العامة بنحو 4.2% من الناتج المحلي الإجمالي في 2024، ليتسع إلى 7.5% في 2025، ثم 9.2% في 2026. يأتي ذلك في ظل انخفاض الإيرادات النفطية من 36% من الناتج في 2024 إلى 31% في 2026، مقابل ارتفاع في الإنفاق العام من 43.5% إلى 43.8% خلال الفترة ذاتها، لا سيما في بند الأجور والمعاشات الذي سيصل إلى 24.5% من الناتج في 2026، بحسب الصندوق.
تسعى الحكومة العراقية لتنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على النفط، الذي يشكّل أكثر من 90% من إيرادات الدولة، حيث تم اتخاذ خطوات لتعزيز القطاعات غير النفطية مثل الزراعة والصناعة والسياحة، إلى جانب إجراءات لتحسين بيئة الأعمال وتقديم ضمانات للقطاع الخاص مستهدفين جذب الاستثمارات المحلية والأجنبية لتنمية القطاعات.
على الرغم من ذلك، ما زال النفط يشكل المصدر الرئيس للإيرادات والصادرات في البلاد، إذ يقدر متوسط إنتاج النفط الخام 3.9 ملايين برميل يومياً في 2024، ويتوقع أن يرتفع إلى 4.1 ملايين برميل في العامين التاليين. أما الصادرات النفطية بلغت 3.4 ملايين برميل يومياً في 2024، وسترتفع إلى 3.5 ملايين في 2025 و2026.
عائدات النفط تراجعت من 99.2 مليار دولار في 2024 ثم يتوقع تراجعها 84.2 مليار دولار في 2025 ثم إلى 79.2 ملياراً في 2026، متأثرة بانخفاض الأسعار التي تراجعت من متوسط عند 80.6 دولار للبرميل في العام الماضي، إلى 65.9 دولار للبرميل في العام الجاري، و62 دولاراً للبرميل في العام المقبل.
رفعت المؤسسة الدولية، التي تتخذ مقراً في واشنطن، سعر النفط اللازم لتحقيق التوازن المالي في العراق إلى 84 دولاراً للبرميل في 2024 من 54 دولاراً في 2020، لتعزو ذلك إلى التوسع في الإنفاق وضعف الإيرادات غير النفطية.
تراجع سعر خام برنت إلى قرابة 70 دولاراً للبرميل في الوقت الحالي، من مستوى يزيد عن 80 دولاراً والذي بلغه في مطلع العام الجاري. تتعرض أسعار النفط لضغوط جراء حالة التوترات التي تثيرها الرسوم الجمركية الأميركية ومخاوف من فائض في السوق.
ترجح تحليلات “بلومبرغ إنتليجنس” ظهور فائض في سوق النفط يتجاوز مليون برميل يومياً في النصف الثاني من العام. وما لم يُبطئ تحالف “أوبك+” وتيرة زيادة الإنتاج أو يتحسن الطلب بشكل غير متوقع، فقد تظل أسعار النفط تحت ضغوط هبوطية مستمرة حتى نهاية العام.
لكي تتفادى بغداد العراقيل المالية، فهي بحاجة لإجراء إصلاحات جوهرية لزيادة الإيرادات غير النفطية، والسيطرة على فاتورة أجور القطاع العام، وتعزيز إمكانات النمو غير النفطي، من خلال وضع أجندة إصلاح هيكلي طموحة.
تراجع نمو القطاع غير النفطي بالعراق إلى 2.5% في 2024 من 13.8% في 2023، وفق تقديرات صندوق النقد الصادرة، ويُتوقع أن يتفاقم التباطؤ إلى نمو عند واحد بالمئة فحسب في العام الجاري، قبل أن يتحسن قليلاً إلى 1.5% في العام المقبل، ما يعكس هشاشة الاقتصاد خارج قطاع الطاقة. يخالف ذلك بشدة توقعات الحكومة لنمو الاقتصاد غير النفطي عند 4% في العام الجاري، بحسب وزارة المالية العراقية في مايو الماضي.
استمرار تسجيل عجز أولي كبير في الميزانية غير النفطية للعراق، والذي بلغ نحو 59.3% من الناتج المحلي غير النفطي في 2024، وسيتراجع تدريجياً إلى 51.8% بحلول 2026. كما توقع الصندوق أن يقفز الدين الحكومي إلى 62.3% من الناتج المحلي الإجمالي في 2026، بعد أن ظل مستقراً عند 47.2% في 2024 و2025.
لفت الصندوق أيضاً إلى ارتفاع مخاطر الديون السيادية مما يستدعي في رأيه تدخلاً عاجلاً على مستوى السياسات. كما أشار إلى أنه يتعين على السلطات ضبط مستوى الدين على المدى المتوسط.
مؤشرات اقتصادية:
من المتوقع أن ينكمش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للعراق بنسبة 2.3% خلال عام 2024، قبل أن يعود للنمو بنحو 3.1% في 2025 و1.4% في 2026.تشير التوقعات إلى استقرار معدل التضخم في العراق عند مستويات منخفضة نسبياً، حيث يُقدر أن يبلغ 2.7% بنهاية عام 2024، مع ارتفاع طفيف إلى 2.9% في عامي 2025 و2026.
على صعيد الحساب الجاري، يُتوقع أن يتراجع الفائض من 2.0% من الناتج في 2024 إلى 0.2% في 2025، ليصل إلى عجز قدره 1.9% في 2026. كما ستتقلص الاحتياطيات الأجنبية من 100.3 مليار دولار إلى 79.2 مليار دولار خلال الفترة نفسها، ما يعادل انخفاضاً من 11.1 إلى 9.6 أشهر من الواردات.
من المقرر أن يستقر سعر صرف الدينار العراقي عند مستوى 1300 دينار للدولار الأميركي خلال السنوات الثلاث المقبلة، دون تغيير يُذكر. أما الاستثمارات الأجنبية المباشرة فتبقى شبه معدومة، بمعدل صفر بالمئة من الناتج الإجمالي على مدى الفترة حتى 2026.
يُقدر عدد سكان العراق في 2024 بنحو 44.4 مليون نسمة، مع ناتج محلي إجمالي للفرد يبلغ 6183 دولاراً سنوياً. وتُظهر البيانات الأخيرة استمرار معدل الفقر عند 23% وفق بيانات عام 2014، ما يشير إلى الحاجة لمزيد من الإصلاحات البنيوية والتنموية.
هناك تراجع في نمو المعروض النقدي (M2) بنسبة 4.3% في 2024، مع تعافٍ نسبي إلى 9.6% في 2025 و4.9% في 2026. في المقابل، من المتوقع أن ينمو الائتمان الممنوح للقطاع الخاص بنسبة 14.3% هذا العام، قبل أن يتباطأ إلى 5.4% ثم يرتفع مجدداً إلى 8.4%.