متظاهر عراقي يحمل العلم العراقي خلال الاحتجاجات المناهضة للحكومة في بغداد، العراق، 30 نوفمبر/تشرين الثاني 2019. رويترز/خالد الموصلي.
مجتمع يتغير أسرع من مؤسساته
عودة لتشرين: تحرير المستقبل من تهديد الماضي – مقال الدكتور هشام داود
مجتمع يتغير أسرع من مؤسساته
تحلّ بعد نحو ثلاثة أسابيع الذكرى السابعة للحركة الاحتجاجية التي باتت تُعرف في العراق بـ«تشرين». وبعد سبع سنوات، تبدو العودة إليها ضرورية، ليس فقط لما أحدثته في حينها، بل للأسئلة التي تركتها مفتوحة حتى اليوم.
لم يقف خلف تشرين حزب سياسي، ولا تنظيم ذو قيادة مركزية يمكن انتظار عودته إلى الساحات بالأسماء والوجوه نفسها. كانت ظاهرة اجتماعية وسياسية واسعة، ولحظة وطنية تأسيسية في تاريخ العراق الحديث، عبّرت، بكل ما حملته من تنوع وتناقضات، عن تطلع جيل جديد إلى دولة أكثر عدلاً واستقلالاً وقدرة على تمثيل مواطنيها. ولم تكن معزولة عن المزاج العام في البلاد، فقد حظي حق المتظاهرين ومطالب الإصلاح بدعم واضح من الرأي العام والمرجعية الدينية، واتسعت المطالبة بـشعار أساسي “نريد وطن” والإصلاح واستعادة القرار السيادي إلى ما يتجاوز حدود الساحات والقوى المشاركة فيها. وكانت تشرين، في امتدادها وتأثيرها، أكبر وأطول حركة احتجاجية شهدها العراق منذ عقود، أسقطت حكومة ودفعت نحو انتخابات مبكرة أعادت رسم جانب من الخريطة السياسية وكشفت الحجم الانتخابي الفعلي للعديد من الأحزاب والقوى المسلحة ما دون الدولة.
ولم تكن تشرين ظاهرة عراقية معزولة، بل تنتمي، بخصوصيتها المحلية، إلى نمط أوسع من الحركات الاحتجاجية التي عرفتها مجتمعات عديدة خلال العقود الأخيرة، حين خرجت أجيال جديدة إلى الفضاء العام من خارج الأحزاب والتنظيمات التقليدية، مدفوعة بأزمة التمثيل واتساع المسافة بين المجتمع ومؤسسات السياسة، وبالشعور بأن النظام القائم لم يعد قادراً على استيعاب تطلعاتها أو منحها أفقاً للمستقبل. وقد تتغير أسماء هذه الحركات وأشكالها، وتتراجع في مكان لتظهر في آخر، لكن السؤال الذي تطرحه يبقى قائماً: ماذا يحدث عندما يتغير المجتمع أسرع من المؤسسات التي يفترض أن تمثله؟
كان الذين خرجوا إلى ساحات تشرين مواطنين، غالبيتهم المطلقة من الشباب والشابات، يمارسون حقاً في التظاهر السلمي يكفله الدستور والقانون. لم يخرجوا إلى حرب، ولم يكونوا قوة مسلحة تواجه الدولة، بل متظاهرين عُزّلاً يطالبون بالإصلاح والعمل والخدمات ومستقبل أفضل وقرار وطني أكثر استقلالاً عن تدخلات القوى الإقليمية وأذرعها المسلحة. وسواء اتفق المرء مع تشرين وشعاراتها أو اختلف معها، فإن ذلك لا يغير شيئاً من حق هؤلاء في الحياة والاحتجاج، ولا من واجب الدولة في حمايتهم. ومن هنا لا يمكن النظر إلى قتل مئات المتظاهرين وجرح الآلاف باعتباره مجرد فصل من الصراع السياسي آنذاك، بل عنفاً منظماً مورس ضد حركة احتجاجية شعبية، فيما بقي السؤال، بعد كل هذه السنوات، من دون جواب: من قتل هؤلاء؟ من أصدر الأوامر؟ من نفذها؟ ومن يتحمل المسؤولية؟
حين يصبح الخوف قوة سياسية
لم تغب محاولة الإجابة عن هذه الأسئلة تماماً. فتحت ضغط عائلات الضحايا والرأي العام والمنظمات الحقوقية العراقية والدولية، ومع المطالبات المتكررة من الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي ومنظمات حقوق الإنسان بكشف المسؤوليات ومحاسبة المتورطين، جرى توثيق أعداد القتلى والجرحى، وتعويض عائلاتهم، والاعتراف الحكومي بحقوق ضحايا تشرين (رفض البرلمان جميع مطالبات حكومة الكاظمي باعتبار ضحايا هم شهداء الوطن)، كما شُكلت في عام 2021 لجنة ضمت قضاة وشخصيات قانونية مستقلة ومتقاعدة للتحقيق فيما حدث. لكن التوثيق والتعويض والاعتراف بحقوق الضحايا، على أهميتها، لم تجب عن السؤال الجوهري الذي كان على القضاء الإجابة عنه وبقي معلقاً حتى اليوم: من قتل، ومن أصدر الأوامر، ومن نفذها، ومن يتحمل المسؤولية القانونية؟
في الحقيقة، كانت المشكلة (وما زالت) أعمق من تعثر تحقيق، لأن موازين القوى نفسها كانت مختلة. فحركة اجتماعية واسعة، بلا قيادة موحدة ولا مؤسسة سياسية شرعية تستطيع تحويل طاقتها الاحتجاجية إلى قوة تفاوضية، وجدت نفسها في مواجهة قوى أكثر تنظيماً وتسليحاً ورسوخاً وبدعم كبير من خارج الحدود. ومع تراجع زخم الاحتجاج، لم يكن القتل والقنص والاختطاف والاغتيال والتهديد، مجرد أدوات لإخلاء الساحات، بل ساهمت في إعادة رسم حدود الممكن سياسياً وفي دفع أعداد كبيرة ممن شاركوا في الحركة أو تعاطفوا معها إلى الانكفاء أو الهروب خارج الوطن. لم يكن الخوف أثراً جانبياً للعنف، بل أصبح واحداً من نتائجه السياسية الأساسية حتى داخل مؤسسات الدولة المكلفة بحماية المجتمع، فالمستهدف لم يكن أجساد المتظاهرين وحدها، وإنما القدرة الاجتماعية على الاحتجاج.
وكان في هذا الاختلال خطر آخر، فالحركات التي تبدأ سلمية لا تبقى بالضرورة كذلك عندما يُغلق أمامها الفضاء السياسي، وتغيب المؤسسات الشرعية القادرة على التوسط بين المجتمع والسلطات السياسية والأمنية، فيما يصبح السلاح اللغة الأكثر فاعلية في المجال العام. وهنا تظهر إحدى مفارقات العنف السياسي: قد يؤدي الإفراط في استخدام القوة لمنع الراديكالية إلى إنتاج الشروط التي تجعل التطرف ممكنة وتحولها المحتمل إلى حرب أهلية.
كانت تشرين، بهذا المعنى، مواجهة غير متكافئة بين زمنين سياسيين: مجتمع شبابي يحاول فتح باب المستقبل، وقوى تشكلت في ماضٍ قريب وما زالت تمتلك أدوات التنظيم والإكراه. وباستعارة تعبير الراحل السيد هاني فحص، كان العراق أمام “ماضٍ لم يمضِ”، فيما كان المستقبل الذي طالبت به الساحات لم يولد بعد. وبين القناصة فوق السطوح وعشرات الآلاف الذين واجهوا العنف بقبضات عارية، كانت كفة القوة تميل إلى من يمتلك السلاح، بينما امتلكت الساحات العدد والشرعية والأمل، من دون أن تمتلك المؤسسات القادرة على تحويل هذه الطاقة الاجتماعية إلى قوة سياسية مستدامة.
قضية لم يُغلقها الزمن
ولم يتوقف مناخ الخوف عند حدود الساحات، فقد شهدت تلك المرحلة تهديد ناشطين وباحثين وشخصيات عامة واغتيال بعضهم، ولعل اغتيال الباحث والخبير الأمني هشام الهاشمي أمام منزله في بغداد يختصر جانباً من ذلك المناخ، وإن لم يكن اغتياله جزءاً مباشراً من تظاهرات تشرين. أُلقي القبض لاحقاً على متهم رئيسي في القضية، قبل أن تنتهي الإجراءات، بعد التغيير الحكومي في تشرين الثاني/نوفمبر 2022، إلى إطلاق سراحه، فيما اضطرت عائلة الهاشمي إلى مغادرة العراق في ظل مخاوف وتهديدات أمنية. والمغزى يتجاوز قضية بعينها إلى سؤال أوسع عن قدرة الدولة على حماية الضحايا والشهود وكل من يقترب من ملفات تتقاطع فيها السياسة والسلاح.
من هنا تكتسب بعض التصريحات السياسية الأخيرة المتعلقة بقمع تشرين أهمية خاصة، ولا سيما عندما تصدر عن شخصيات كانت في مواقع مؤثرة داخل النظام السياسي والأمني خلال أحداث عام 2019. وليس المطلوب إصدار حكم مسبق على قائليها، وإنما التعامل معها بوصفها معطيات علنية محتملة في قضية لم تُحسم بعد.
وهنا تبدأ مسؤولية القضاء، فالأمر لا يتعلق بخلاف سياسي عابر ولا بحادثة أمنية طوتها السنوات، وإنما بمقتل مئات من الشباب العُزّل وجرح الآلاف وإصابة العشرات منهم بإعاقات دائمة. ولذلك لا ينبغي أن تبقى الأقوال الجديدة التي يمكن أن تلقي ضوء على ما حدث جزءاً من السجال السياسي وحده. فمن الطبيعي أن يأخذها القضاء الأقوال (التي لها وقع الاعتراف) على محمل الجد، وأن يستمع إلى من يلزم ويعيد فحص ما لديه من شهادات ووثائق وقرائن: من اتخذ القرارات؟ من أصدر الأوامر؟ من نفذها؟ ومن يتحمل المسؤولية القانونية؟
ليس في ذلك حكم مسبق على أحد، مهما كان موقعه، ولا دعوة إلى إدخال القضاء في الخصومات السياسية. إنه استحقاق قضية لم تُغلق. فلا يمكن لدولة القانون أن تعتبر مقتل مئات من مواطنيها مسألة انتهت بمرور الزمن فيما لا تزال عائلاتهم تنتظر معرفة من قتل أبناءها ولماذا؟
عندما يصبح الماضي تهديداً للمستقبل
لكن القضية لم تعد تتعلق بالماضي وحده. فالأخطر في استدعاء تجربة تشرين اليوم من قبل خصومها ليس الحديث عما حدث سنة 2019 فقط، وإنما إمكان توظيف ذاكرة ذلك العنف في صراعات الحاضر والمستقبل. فعندما يُستحضر ما جرى في سياق التحذير من تحركات سياسية مقبلة أو الدفاع عن مواقع وموازين قوة قائمة، يصبح السؤال مختلفاً: هل تتحول ذاكرة القمع نفسها إلى رسالة ردع لكل من يفكر غداً في الاحتجاج أو المطالبة بإصلاح حقيقي؟
التهديد لا يحتاج دائماً إلى أن يكون صريحاً، فذاكرة عنف لم تُحدد مسؤولياته ولم يُحاسب مرتكبوه تستطيع وحدها أن تنتج الخوف. وحين تعرف الأجيال الجديدة أن من سبقها خرج سلمياً فقُتل أو جُرح أو اختُطف، بينما بقيت المسؤوليات معلقة أو أُلقيت على “طرف ثالث” مجهول، يتحول الماضي من مأساة لم تُحل إلى حد غير مكتوب لما يسمح به المستقبل.
وتكتسب هذه المسألة دلالة أكبر في وقت يواجه فيه العراق أسئلة حاسمة عن سلطة الدولة والسلاح المنفلت وحدود نفوذ القوى المسلحة، كل ذلك أسابيع قليلة من موعد نهائي أعلنته الحكومة علي فالح الزيدي لحصر السلاح بيد الدولة. فاحتكار الدولة للقوة لا يتحقق فقط بجمع السلاح داخل مؤسساتها، بل بضمان أن الاعتراض السياسي والتظاهر والمطالبة بالإصلاح لن تقابل بعنف خارج القانون، وأن من يستخدم القوة ضد المواطنين سيخضع للمساءلة أياً كانت هويته أو موقعه.
وهنا تتجاوز القضية تشرين نفسها، لأن الحركات الاجتماعية قد تنحسر، لكن الأسباب التي أنجبتها لا تختفي بالضرورة معها. والمجتمعات التي لا تجد داخل المؤسسات قنوات شرعية للتعبير عن تحولاتها قد تعود إلى الشارع بأسماء ووجوه وصيغ أخرى. والديمقراطية، بهذا المعنى، لا تُقاس فقط بصناديق الاقتراع، وإنما أيضاً بالمساحة التي يستطيع فيها المواطن أن يقول “لا” ويطالب بتغيير الحكومة من دون الخشية أن يدفع حياته ثمناً لذلك.
تحرير المستقبل من تهديد الماضي
لهذا قد تكون التصريحات الأخيرة فرصة غير متوقعة لإعادة فتح ملف لم يُغلق في الحقيقة قط، ليس للثأر السياسي من الماضي، ولا لتحويل الضحايا إلى مادة في صراع القوى المتنافسة، وإنما لإنصافهم وكشف الحقيقة، والأهم منع الماضي من أن يتحول إلى تهديد للمستقبل.
وأفضل جواب للدولة ليس تحذيراً مقابلاً، بل القانون: تحقيق جدي ومستقل، وحماية للقضاة والشهود وعائلات الضحايا، وتحديد للمسؤوليات أياً كانت الجهات والأسماء التي يمكن أن يصل إليها التحقيق، ورسالة واضحة بأن دماء العراقيين ليست أداة للتفاوض على السلطة.
وهنا ربما تكمن إحدى أهم الوظائف القانونية والوطنية والأخلاقية للقضاء في هذه المرحلة: ألا ينظر إلى تشرين بوصفها ملفاً مؤجلاً من الماضي، بل قضية تتصل بشكل المستقبل الذي يريده العراق. فالدولة التي تستطيع أن تقول الحقيقة عن تشرين وتنصف ضحاياها وتحاسب، وفق القانون، من تثبت مسؤوليته، لا تنصف موتى الأمس وحدهم، إنها تحمي أيضاً حق أحياء الغد في الاحتجاج والإصلاح، وتؤكد أن المطالبة بتغيير موازين القوة، مهما مسّت من مصالح راسخة، لن تكون كلفتها دماء مواطنين جدد.
الدكتور هشام داود
باحث في الإنثروبولوجيا السياسية
المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي