من تولوز إلى الباغوز
حرق جوازه وهدد باريس.. القضاء العراقي ينشر قصة تحول “أبو أسامة الفرنسي”
كشف تقرير قضائي تفاصيل رحلة القيادي في تنظيم داعش “أبو أسامة الفرنسي”، من شاب فرنسي ظهر في تسجيلات دعائية للتنظيم الإرهابي، إلى أحد المقاتلين الذين شاركوا في عملياته الإرهابية بسوريا، قبل أن يعود إلى فرنسا ويواجه اتهامات تتعلق بالقتل والمشاركة في جرائم إرهابية. ويوثق التقرير مسار تحوله من الدعاية الإلكترونية إلى القتال، وعلاقاته داخل التنظيم، وصولاً إلى التحقيقات التي قام بها القضاء العراقي وكشفت دوره في نشاطه الإعلامي والعسكري، مع تسليط الضوء على انتقاله بين فرنسا وسوريا والعراق، ومشاركته في معارك وانتهاكات نُسبت إلى التنظيم.
وكانت محكمة جنايات الكرخ، قد أصدرت، اليوم الثلاثاء (27 تشرين الأول 2026)، أحكاماً بالسجن المؤبد و15 سنة، بحق 7 فرنسيين، مدانين بالانتماء إلى تنظيم داعش، بحضور وكلائهم المحامين وممثلين عن السفارة الفرنسية لدى العراق، مشيرة إلى أن المدانين يصنفون بأنهم من العناصر “شديدة الخطورة”، فضلاً عن تورطهم بعمليات إرهابية في دول أخرى، لافتة إلى أن السلطات العراقية تسلمتهم العام الفائت من مخيمات شمال شرق سوريا.
وجاء في تقرير نشرته صحيفة “القضاء” العراقي، وتابعته شبكة 964، أنالمكنّى “أبو أسامة الفرنسي” في تسجيلات دعائية عُرضت عبر وسائل الإعلام الفرنسية، وعمل ضمن الجهاز الإعلامي لتنظيم داعش الإرهابي في سوريا. وتكشف التحقيقات القضائية تفاصيل نشاطه الإعلامي والعسكري، منذ بداياته في فرنسا وحتى انضمامه إلى التنظيم ومشاركته في القتال.
في أواخر عام 2014، ظهر عدد من المقاتلين الفرنسيين في تسجيل دعائي لتنظيم داعش، وهم يحرقون جوازات سفرهم ووثائقهم الشخصية، في مشهد حمل رسائل تهديد للمجتمع الفرنسي. ولم يقتصر التسجيل على الدعوة إلى الالتحاق بداعش في سوريا، بل تضمن تهديدات مباشرة بتنفيذ عمليات قتل وذبح داخل الدول الغربية، وكان من بين المشاركين فيه “أبو أسامة الفرنسي”، الذي ظهر مكشوف الوجه مرتدياً زياً عسكرياً وحاملاً بندقية كلاشنيكوف.
وبعد أكثر من عقد على ظهوره في ذلك التسجيل، كشفت تحقيقات محكمة الكرخ الأولى تفاصيل قضايا الإرهاب التي ارتبطت بنشاطه، ولا سيما ما يتعلق بالجرائم المرتكبة في سوريا، إلى جانب دوره في الجهاز الإعلامي المركزي للتنظيم، الذي كان ينتج المواد الدعائية الموجهة إلى الجمهور الناطق بالفرنسية.
وكان المتهم، البالغ من العمر 47 عاماً، يحمل الجنسية الفرنسية وينتمي إلى أسرة مسلمة من أصول مغاربية. وخلال عام 2025، استُكملت الإجراءات القضائية المتعلقة بجرائم يُشتبه في ارتكابها خلال وجوده ضمن التنظيم الإرهابي.
حياة أخرى قبل داعش
قبل ظهوره في تسجيلات داعش، عاش “أبو أسامة الفرنسي” حياة مدنية في فرنسا، إذ نشأ في جنوب فرنسا ودرس التجارة قبل أن يعمل في الأعمال الحرة، كما مارس السباحة وكان يتنقل بين دول عدة لأغراض السياحة.
وتشير الوقائع التي خلصت إليها التحقيقات إلى أن نقطة التحول في حياته الشخصية والفكرية بدأت في عام 2008، حين أخذ يبحث عن إجابات عبر مواد فكرية مختلفة، لكن سرعان ما اتخذ بحثه منحى متطرفاً، وصولاً إلى الانضمام إلى تنظيم داعش.
وفي عام 2011، انتقل إلى سوريا مع زوجته في العام التالي، قبل أن يلتحق بالتنظيم الإرهابي في عام 2013، وسط ظروف معيشية غير مستقرة تزامنت مع تصاعد العنف في البلاد. وكان هذا التحول الفكري قد دفعه نحو الانضمام إلى سوريا والمشاركة في أنشطة التنظيم الإرهابي.
رحلة عبر الحدود
في شباط 2014، غادر “أبو أسامة الفرنسي” برفقة عائلته متجهاً إلى تركيا، ومنها إلى سوريا، بعد أن شق عبوره بصورة غير مشروعة بالتنسيق مع شبكات تهريب. وبحسب التحقيقات الأولية التي وصلت إلى محافظة الرقة، استقر لاحقاً في مناطق خاضعة لتنظيم داعش، حيث انخرط في نشاطاته الإعلامية والعسكرية.
وتضمنت التحقيقات وثائق ومحجوزات ورسائل رقمية تعود إلى التنظيم الإرهابي، من بينها رسالة رمزية تعلن القطيعة مع فرنسا قبل أن يتجه صاحبها إلى مناطق سيطرة داعش، فضلاً عن تسجيلات تتضمن تهديدات للمواطنين الفرنسيين وتحريضاً على تنفيذ عمليات إرهابية في دولهم.
من الإعلام إلى القتال
كشفت نتائج التحقيقات الأولية لمحكمة الجنايات الخاصة في فرنسا أن المتهم لم يقتصر دوره على الإعلام، بل انتقل إلى المشاركة في العمليات العسكرية التي خاضها التنظيم في سوريا، بحسب ما أظهرته نتائج التحقيقات والوثائق التي جُمعت خلال سير القضية.
وفي عام 2015، قُتل 12 شخصاً في هجوم على مقر صحيفة “شارلي إيبدو” في باريس، وأعقبه اعتداء على متجر يهودي، في سلسلة هجمات هزّت فرنسا. وتضمنت التحقيقات إشارات إلى صلات ونشاطات مرتبطة ببيئة التنظيم الإرهابي، فيما تواصلت التحقيقات بشأن الأدوار والمسؤوليات الجنائية للأشخاص المرتبطين بهذه الوقائع.
وبحلول مطلع عام 2019، كانت المناطق الخاضعة لسيطرة داعش في شرق سوريا تتقلص مع تقدم العمليات العسكرية ضده. وفي الباغوز، إحدى آخر المناطق التي تحصن فيها التنظيم، خاضت قوات سوريا الديمقراطية معارك انتهت بتراجع قدرته على القتال والاستحواذ على الأراضي.
من الباغوز إلى القضاء الفرنسي
تُظهر الوثائق أن “أبو أسامة الفرنسي” ارتبط بمسار التنظيم الإعلامي والعسكري، وأن التحقيقات الفرنسية سعت إلى تحديد طبيعة نشاطه ومسؤوليته عن الوقائع المنسوبة إليه، بما في ذلك ما يتعلق بالدعاية والتحريض والمشاركة في الأنشطة الإرهابية.
وتبقى تفاصيل المسؤولية الجنائية لكل واقعة مرتبطة بما تثبته التحقيقات والأحكام القضائية، فيما يمثل الملف جزءاً من الجهود الفرنسية لملاحقة مواطنيها الذين انضموا إلى التنظيمات الإرهابية في سوريا والعراق.