جوناثان باول بعد "صناعة الشرع"

“حوار مع الإرهاب”.. رجل بريطانيا الذي رأى زيدان والزيدي وفتح “أبواب الهوى”

يزور بغداد مستشار الأمن القومي البريطاني جوناثان باول، وقد التقى مطلع جولته رئيس الوزراء علي فالح الزيدي، ورئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان، وذكرت البيانات أن النقاش كان يركز على بحث قضايا الإرهاب، وسط التطورات الإقليمية. والزائر البريطاني ليس عادياً فهو مؤلف كتاب Talking to Terrorists، أو الحوار مع الإرهاب، الصادر عام 2014، والذي يدافع عن فتح الحوار مع الجماعات المسلحة والفصائل لإنهاء النزاعات، ومسيرة جوناثان باول الطويلة، تبرز خلالها تجربة التفاوض مع عنف الجيش الجمهوري الإيرلندي في التسعينات، حتى نبلغ مرحلة اتصالات الرجل في معبر “باب الهوى” مع أحمد الشرع “الفصائلي الأشهر ثم رئيس سوريا”، الذي وصل إلى حكم دمشق فجأة وأسقط حزب البعث.

أيام السيادة.. 4 إرهاب مع التلفزيون!

ولعل جولة خبير الحوار مع الفصائل جوناثان باول، في العراق تكتسب معاني كبيرة خلال أجواء “احتفالات السيادة” ومهلة نزع السلاح مع الفصائل العراقية التي قبلها ترامب “على مضض ربما”، وأثارت الغموض حيث لم ينشر نص الاتفاق، لكن لاحقته اتهامات بأنه اتفاق “ملغوم”، خصوصاً مع توقيتات بل ونسب ومعدلات تسليم الأسلحة” مع نفي فصائلي غاضب لكل ما يعلن، الأمر الذي جعل الزيدي (ربما صدفة)، يهدد في اليوم التالي من لقاء المسؤول البريطاني، باستخدام المادة 4 إرهاب الاستثنائية على الأقل في ملاحقة “نجوم التلفزيون” المقربين من الفصائل والذين يتحدثون يومياً ضد نزع السلاح، وظلت بيانات مكتب الزيدي تكرر الأمر من ظهيرة اليوم الاثنين حتى ساعة متأخرة من الليل ولقيت صداها في توضيحات كبار الضباط وبيانات رئاسة البرلمان ثم الإطار التنسيقي نفسه.

مصافحة رفضها باول جعلته يفكر

يروى باول، خلال حديث في معهد “تشاتام هاوس” أكبر صالون بريطاني، عام 2015، أنه رفض مصافحة جيري آدامز ومارتن ماكغينيس قادة شين فين، وهو الجناح السياسي للجيش الجمهوري الايرلندي عند لقائهما عام 1997. وكان الجيش الجمهوري الإيرلندي قد أصاب والده في كمين عام 1940، ووضع شقيقه على قائمة المستهدفين بالاغتيال.

بعد ذلك، تغيرت الأمور، وأمضى باول سنوات يجتمع بقادة الجمهوريين ويتفاوض معهم.

بدأ باول حياته المهنية في الصحافة، وعمل لدى بي بي سي وتلفزيون GRANADA “غرناطة”، ثم التحق بالسلك الدبلوماسي البريطاني عام 1979 وتدرج فيه حتى أصبح كبيراً للموظفين لدى رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير بين 1995 و2007، وقاد الجانب البريطاني في مفاوضات إيرلندا الشمالية بين 1997 و2007، التي انتهت باتفاق “الجمعة العظيمة”.

تشمل سنواته مع بلير حرب العراق أيضاً، فقد كان كبير الموظفين في داونينغ ستريت خلال الغزو عام 2003.

في 2011 أسس منظمة “إنتر ميديت” للعمل على تسوية النزاعات، وتصف المنظمة عملها بأنه وساطة واتصالات تتسم بالتكتم، وبناء للثقة مع أصحاب القرار.

وتشير سيرته الرسمية إلى مشاركته في جهود تفاوض تتعلق بمنظمة إيتا في إسبانيا، وفارك في كولومبيا، وعملية السلام في موزمبيق، وفي 8 تشرين الثاني 2024 أعلنت الحكومة البريطانية تعيينه مستشاراً للأمن القومي، وكان حينها رئيساً تنفيذياً للمنظمة.

كتاب يبدأ من “كلفة تأخير الحوار”

في كتابه “الحوار مع الجماعات المسلحة: السبيل إلى إنهاء الصراعات المسلحة في العالم” ينطلق باول من ملاحظة يكررها: تعلن الحكومات أنها لن تتحدث إلى جماعة تصفها بالإرهابية، ثم تجد نفسها تتواصل معها لاحقاً.

وفي مقتطف نشرته مجلة “بروسبيكت” بالتزامن مع صدوره، كتب أن الحكومات تتأخر في فتح الاتصال، وتبدأ مع كل نزاع كأنها لم تتعلم شيئاً من سابقه. ويرى أن بناء الثقة وفهم مطالب الطرف الآخر يحتاجان إلى وقت، وأن تأجيل هذه البداية يطيل المعاناة.

ويستعين الكتاب بتجارب من كولومبيا وسريلانكا وفلسطين وجنوب أفريقيا. ويتناول مسائل عملية: اختيار الوسيط، والحفاظ على سرية قناة الاتصال، وتجنب الشروط المسبقة التي تمنع بدء التفاوض، وقدرة المفاوض على إلزام جماعته بما يتوصل إليه. ويحذّر من تفكيك الطرف المقابل على نحو يجعله عاجزاً عن تنفيذ الاتفاق.

إيرلندا الشمالية حتى إدلب

في الملف السوري، نشرت نيويورك تايمز في أيلول 2025، تحقيقاً للصحافي بن هابرد عن مسيرة الشرع، المعروف سابقاً باسم أبو محمد الجولاني. وذكر التحقيق أن الشرع، خلال قيادته هيئة تحرير الشام في إدلب، دعا باحثين ومتخصصين في حل النزاعات إلى زيارته، سعياً إلى التواصل مع الغرب وتغيير الموقف من جماعته.

وذكر التقرير صراحة أن باول التقى الشرع، وأن منظمة إنتر ميديت، رتبت زيارة السفير الأميركي السابق لدى سوريا روبرت فورد إلى البلاد عام 2023. وخلال تلك الزيارة، تحدث الشرع عن طموحه للوصول إلى دمشق. وقال فورد للصحيفة إنه كان يعتقد آنذاك أن الأمر لن يحدث. ولم يحدد التقرير تاريخ لقاء باول نفسه أو تفاصيله.

وكان فورد قد تحدث عن هذه الاتصالات أمام مجلس بالتيمور للشؤون الخارجية، في الأول من أيار 2025. وقال إن منظمة بريطانية متخصصة في حل النزاعات دعته إلى مبادرة لمساعدة الشرع على الانتقال من عالم الإرهاب إلى السياسة، بحسب تعبيره. وقال إنه التقاه مرتين عام 2023، ثم في دمشق في كانون الثاني 2025. وجرت لقاءات فورد عام 2023 بترتيب من منظمة غير حكومية، قبل إعلان تعيين باول مستشاراً للأمن القومي.

لقاء “باب الهوى”

سبقت هذه الشهادات رواية أخرى. ففي 31 أيار 2021، نشرت وكالة تاس الروسية، نقلاً عن مصدر دبلوماسي لم تسمه في موسكو، أن باول التقى الجولاني قرب معبر باب الهوى، وبحث معه تحسين صورة جماعته والتعاون مع الغرب وإمكان رفعها من قوائم الإرهاب.

وفي شأن الاتصالات البريطانية مع هيئة تحرير الشام، قال ريتشارد مور، رئيس جهاز الاستخبارات الخارجية MI6 آنذاك، في خطاب ألقاه في إسطنبول في 19 أيلول 2025، إن الجهاز البريطاني أقام ارتباطاً مع الهيئة قبل إسقاط الأسد بعام أو عامين. وأضاف أن هذه العلاقة أتاحت للحكومة البريطانية العودة إلى سوريا خلال أسابيع من سقوطه.

الحديث مع الإرهابيين ليس اتفاقاً معهم!

من تجربة إيرلندا الشمالية إلى الاتصالات السورية، يمكن تتبع الفكرة التي يشرحها باول في كتابه ومحاضراته: قد يبدأ البحث عن تسوية مع شخص ترفض الحكومة الجلوس معه علناً. وقد لخّص موقفه في تشاتام هاوس بعبارة: الحديث مع الإرهابيين لا يعني الاتفاق معهم.