تقرير المدى البغدادية
“لوبي شيعي” لإقناع ترامب بالتعايش مع سلاح الفصائل.. انقلاب معادلة 30 – 9
داخل الغرف المغلقة، انقلبت معادلة تعاطي حكومة الزيدي مع ملف السلاح المنفلت رأساً على عقب، فبعد أن كان الحديث يدور حول مهل زمنية لنزع السلاح، تحول المسار نحو البحث عن صيغ تشرعن بقاءه.
وفقاً لتقرير نشرته صحيفة “المدى”، نقلت فيه عن عضو بارز في “الإطار التنسيقي”، ان الفصائل المسلحة لا تتجه مطلقاً لتسليم سلاحها، على الأقل حتى انتهاء الدورة البرلمانية والتنفيذية للحكومة الحالية والممتدة لأربع سنوات، بالتوازي مع طرح حوافز حكومية تشمل الإسراع بإقرار “قانون الخدمة والتقاعد للحشد الشعبي” لضمان عدم صدام هذه الجماعات مع الدولة.
وخشية من وضع العراق تحت مقصلة عقوبات أميركية مشددة قد تطال القطاعين المالي والاقتصادي على غرار العقوبات المفروضة على إيران، نقل مصدر سياسي مطلع، إشارات حول تحرك محفوف بالمخاطر تنفذه أطراف شيعية لتشكيل “لوبي” داخل الولايات المتحدة عبر ضخ أموال ضخمة للتأثير في دوائر القرار في الإدارة الأميركية، والمؤسسة العسكرية (البنتاغون)، بدلاً من الاقتصار على الحزب الجمهوري. وتسعى هذه المجموعة، من خلال الاستعانة بسياسيين ومسؤولين أميركيين سابقين، إلى إقناع واشنطن بـ”التعايش” مع بقاء سلاح الفصائل. غير أن فرص نجاح هذا المحور تبدو ضئيلة، بعد وصول برقيات ورسائل تحذيرية إلى مسؤولين في واشنطن تؤكد أن هذا التحرك ليس سوى “خطة إيرانية” للالتفاف على الضغوط.
نص تقرير صحيفة المدى، تابعته شبكة 964:
في الغرف المغلقة التي اجتمعت فيها القوى الشيعية خلال الأسابيع الأخيرة، لم يعد السؤال الأكثر إلحاحاً هو: متى تسلم الفصائل سلاحها؟ السؤال تغير، وأصبح: ماذا لو لم تسلمه أصلاً؟
حتى وقت قريب، كانت بغداد تتحدث عن نزع السلاح باعتباره واحداً من الملفات التي لا يمكن تأجيلها إلى ما لا نهاية.
وفي مطلع آب الماضي، وافقت القوى السياسية، بحسب ما دار في اجتماع لـ”ائتلاف إدارة الدولة”، على اعتبار الجماعات التي ترفض نزع السلاح “إرهابية”.
لكن شيئاً ما تبدل خلال الأسابيع التالية. أعضاء في اللجنة الثلاثية التي يفترض أن تتولى التفاهم مع الفصائل باتوا يتحدثون بلغة مختلفة. وفي الأسبوع الأخير، أكد اثنان من أعضاء اللجنة أن تفكيك السلاح ليس مطروحاً عملياً.
كان نوري المالكي، أحد أعضاء اللجنة، أكثر وضوحاً. قال إن نزع السلاح يمكن أن يؤثر في “نفسية الفصائل”.
أما هادي العامري، زعيم منظمة بدر، فرفض هو الآخر نزع السلاح، مع نفيه في الوقت نفسه احتمال حدوث “صدام مسلح”. أما محمد السوداني، العضو الثالث في اللجنة، فلم يعلن موقفاً واضحاً من التطورات الأخيرة.
وبينما كانت الحكومة تتراجع خطوات عن لغة المواجهة، كانت “حركة النجباء” تنهي جولات من الاتصالات مع القوى الشيعية بالتأكيد على عدم المساس بـ”قدسية” سلاح المقاومة، بحسب بيان للفصيل.
وكان زعيم الحركة، أكرم الكعبي، قد ذهب أبعد من ذلك في بيان سابق، حين هدد بأن أي جندي أميركي يبقى في العراق بعد 30 أيلول سيعود “جثة”.
وهكذا، خلال أسابيع قليلة، انتقل الملف من محاولة البحث عن صيغة لنزع السلاح إلى البحث عن صيغة تسمح ببقائه.
التسوية الإيرانية
لم تكن طهران بعيدة عن هذا التحول، فخلال الشهر الماضي، لم تتوقف زيارات المسؤولين الإيرانيين إلى بغداد، وفي خضم تلك الاتصالات ظهرت صيغة مختلفة عما كانت تطرحه الحكومة العراقية: تخزين السلاح بدلاً من نزعه.
كانت الفصائل قد قدمت في وقت سابق شروطاً بدت، بالنسبة إلى بعض المحللين، أقرب إلى الاشتراطات التعجيزية. تحدثت عن “تنظيم السلاح”، لكنها لم تعلن بوضوح أنها ستنخرط في الترتيب الجديد.
ثم جاءت التسوية الإيرانية لتمنح هذا الموقف مخرجاً آخر.
وفي بغداد، تغيرت اللهجة أيضاً، فبعد أن كانت الحكومة تلوح باستخدام “قانون الإرهاب” ضد من يرفض تفكيك السلاح، بدأت تتحدث عن أدوات أخرى، بينها إقرار “قانون الحشد” كحافز للفصائل بدلاً من دفعها إلى مواجهة مباشرة.
ويعتقد محللون أن بغداد كانت، في جزء من هذه المناورة، تحاول حماية الفصائل من غضب واشنطن.
لكن المشكلة أن حماية الفصائل من واشنطن قد لا تعني أن واشنطن ستقبل بحمايتها.
أربع سنوات أخرى
عضو في الإطار التنسيقي، تحدث إلى (المدى) طالباً عدم نشر اسمه، يقول إن الفصائل المسلحة، وبضغط إيراني، لم تعد تشعر بأنها مهددة كما كانت قبل شهر.
ويؤكد عضو التحالف الشيعي أن الفصائل “لن تسلم السلاح، على الأقل خلال دورة الأربع سنوات للحكومة الحالية”.
“لكن بقاء السلاح له ثمن”، ويضيف عضو التحالف الشيعي أن الجميع يعرف أن استمرار الفصائل المسلحة يعني “عداء واضحاً لواشنطن”، وأن العراق قد يتعرض لعقوبات شبيهة بتلك التي تعرضت لها إيران.
ثم يطرح السؤال الذي يبدو أنه يطارد بعض السياسيين الشيعة: “لا نعرف على ماذا يعولون؟”.
السؤال ليس عن قدرة الفصائل على الاحتفاظ بسلاحها فحسب، وإنما عن الخطة التي يفترض أن تحميها من رد الفعل الأميركي.
اللوبي
هنا تظهر خطة أخرى، ويقول مصدر سياسي مطلع، تحدث إلى (المدى) بمعلومات خاصة، إن أطرافاً شيعية بدأت محاولة وصفها بأنها “ذكية” لتجنب غضب واشنطن، رغم أنه لا يعتقد أنها ستنجح.
الخطة لا تقوم على إقناع الفصائل بالتخلي عن سلاحها، بل على إقناع واشنطن بالتعايش مع بقائه.
يقول المصدر إن أطرافاً شيعية تحاول، بأموال كبيرة لا يُعرف مصدرها، تشكيل “لوبي” في الولايات المتحدة للتخفيف من مخاوف بقاء السلاح.
وبحسب المصدر، فإن الخطة، التي يعتقد أنها مدفوعة من طهران، تستهدف الحكومة الأميركية، وليس الحزب الجمهوري وحده، كما تحاول الوصول إلى الجيش الأميركي.
وخلال الفترة الماضية، طرقت المجموعة أبواب عدد من السياسيين والمسؤولين الأميركيين السابقين ممن يمتلكون علاقات داخل الولايات المتحدة، في محاولة لإنجاح المهمة.
ولا يعرف المصدر ما إذا كان رئيس الحكومة أو فريقه، إن كان لديه فريق يتابع هذه التحركات، على علم بها.
لكن هناك مشكلة أخرى. يقول المصدر إن رسائل وصلت إلى مسؤولين أميركيين تحذر من أن ما يجري قد يكون “خطة إيرانية”.
ولهذا، يرجح أن تكون فرص نجاح هذه المحاولة محدودة. فاللوبي، بحسب المصدر، يمكنه أن يشرح الموقف، لكنه لا يستطيع بسهولة تغيير نظرة واشنطن إلى جماعات ترى فيها امتداداً لنفوذ طهران.