هريسة وحبية وشوباتي أيضاً
لن تفهموا خالة مليكة المصلاوية إلا عبر سبتايتل .. إن سلق الحنطة أعمق مما تتخيلون
الحمدانية (سهل نينوى) 964
الخالة مليكة ججي يعقوب كسكو، من قضاء الحمدانية في نينوى، تتمسك برواية خاصة لتاريخ سلق الحنطة، فهو ليس عملاً منزلياً معتاداً، بل شكلُ حياة وطقس ديني وأعياد ومهرجانات بدأت تنقرض، وتقول لشبكة 964 وهي مليئة بالحيوية أثناء مراحل معقدة لمعالجة القمح المحلي وإنتاج أصناف عديدة منه، لكل غرضه ووظيفته ونكهته: إن الأمر أبعد مما تتصورون! هناك دست مصنوع من الطين وتنور مفخور بالطين، ومصطلحات وأسماء لا يعرفها إلا الراسخون في لهجة برطلة العذبة والعتيقة مخلوطة بلهجات بابل القديمة والعربية الموصلية، ما استدعى محرر الشبكة إلى كتابة سبتايتل للفيديو الجميل.
وترى أن الفرق بين البرغل المصنوع بالطريقة القديمة والمنتجات الجاهزة يظهر في الطعم، فالسلق والتجفيف والتنظيف والعمل الطويل الذي كانت تقوم به العائلات يمنحه نكهة خاصة، وكان البرغل والحبية جزءاً أساسياً من مائدة البيت.
وللحنطة حضور يتجاوز المؤونة اليومية، فالهريسة كانت ترتبط خصوصاً بالأعياد، وتتذكر الخالة مليكة أن العائلات كانت في “العيد الصغير” تذبح وتحضر الهريسة في التنور، إلى جانب الشوباتي والباقلاء والحمص وأكلات أخرى، لتتحول عملية سلق الحنطة إلى جزء من ذاكرة المناسبات والاجتماع العائلي.
العملية كانت تبدأ بعد الحصاد بتنقية الحنطة وغربلتها والتقاط الشوائب منها، ثم غسلها جيداً استعداداً للسلق. بعد ذلك تأتي مرحلة “الدست”، وهي قدر كبيرة كانت تجهز لها حفرة خاصة في الأرض، تبنى بالطين بشكل دائري، وتوقد النار من أسفلها.
تملأ الدست بالماء وتوضع فيها الحنطة، وتستمر عملية السلق نحو ساعة أو أكثر، بحسب نوع الحبوب. وبعد نضجها ترفع الحنطة وتنقل إلى “الدكة”، وهي مكان مرتفع مصنوع من الطين، ثم تفرش فوق أسطح المنازل لتجف تحت الشمس، مع تقليبها وتحريكها باستمرار.
وحين تجف الحبوب، تبدأ جولة أخرى من التنظيف والغربلة، قبل نقلها إلى المكينة التي تفصلها بحسب الحجم والاستخدام، وتقول الخالة مليكة إن الناتج كان يقسم إلى الحبية والجريش، إضافة إلى حبوب أصغر تستخدم في إعداد الكبة، فيما يستخدم الحجم المتوسط للهريسة، والكبير للحبية أو البرغل.
ومع الوقت، تحولت بغديدا من إنتاج البرغل للاستهلاك المنزلي إلى منطقة يقصدها المشترون أيضاً، وتقول مليكة إن البرغل المنتج في الحمدانية كان يصل إلى الموصل وبغداد وكركوك، فضلاً عن أشخاص يأتون إلى المنطقة لشرائه مباشرة.
وترى أن الفرق بين البرغل المصنوع بالطريقة القديمة والمنتجات الجاهزة يظهر في الطعم، فالسلق والتجفيف والتنظيف والعمل الطويل الذي كانت تقوم به العائلات يمنحه نكهة خاصة، وكان البرغل والحبية جزءاً أساسياً من مائدة البيت.
وللحنطة حضور يتجاوز المؤونة اليومية، فالهريسة كانت ترتبط خصوصاً بالأعياد، وتتذكر الخالة مليكة أن العائلات كانت في “العيد الصغير” تذبح وتحضر الهريسة في التنور، إلى جانب الشوباتي والباقلاء والحمص وأكلات أخرى، لتتحول عملية سلق الحنطة إلى جزء من ذاكرة المناسبات والاجتماع العائلي.
لكن المشهد تغير، لم تعد أسطح البيوت تمتلئ بالحنطة المسلوقة كما في السابق، وتراجعت “الدست” والسلق المنزلي مع دخول المكائن والمعامل وتغير نمط حياة العائلات، فأصبح شراء البرغل الجاهز أسهل من أيام العمل التي كانت تتطلبها صناعته في المنزل.
وبقيت لدى الخالة مليكة من تلك الأيام مقولة للعم باهي تختصر شكل الحياة آنذاك: “عندنا يقين بالله، إحنا موجودين وما نحتاج نبيع لأحد، وإذا يجون الخطار يا هلا بيهم، والأكل موجود والبيت مفتوح للضيف”.