عام على اعتقال لاهور شيخ جنكي: القضية التي تضع القضاء والسياسة وجهاً لوجه

السليمانية – 964 كردي

في الصور التي خرجت إلى العلن صباح 22 آب 2025، كان المشهد قد انتهى تقريباً. لاهور شيخ جنكي، الرئيس المشترك السابق للاتحاد الوطني الكردستاني ورئيس جبهة الشعب، وشقيقه بولاد وعدد من رجاله، أصبحوا في قبضة القوات التي اقتحمت مقره في فندق لالەزار بعد ساعات من إطلاق النار.

انتشرت لاحقاً مقاطع مصورة التقطها أفراد من القوات التي شاركت في تنفيذ أمر القبض القضائي، لتتحول صور الاعتقال إلى واحدة من أكثر الصور السياسية والأمنية إثارة للجدل في السليمانية خلال السنوات الأخيرة.

قبل ذلك بساعات، مساء 21 آب 2025، تغير شكل السليمانية فجأة.

شُددت الإجراءات في نقاط التفتيش، وأصبح اجتياز الحواجز داخل المدينة ومداخلها يستغرق وقتاً أطول من المعتاد، فيما شوهد انتشار غير مألوف للقوات الأمنية في أكثر من موقع.

بدأت قوات كبيرة تتجمع حول منطقة لالەزار في سرجنار، حيث الفندق والمجمع الذي اتخذه لاهور شيخ جنكي مقراً له بعد خروجه من الاتحاد الوطني.

عندها بدأت الصورة تتضح: العملية تستهدف لاهور شيخ جنكي ومن معه.

من كان داخل لالەزار؟

لاهور شيخ جنكي هو ابن أخ مؤسس الاتحاد الوطني الكردستاني والرئيس العراقي الأسبق جلال طالباني. برز اسمه منذ بداية الألفية الجديدة بصورة وثيقة الصلة بالأجهزة الأمنية والاستخبارية التابعة للاتحاد الوطني، ولا سيما جهاز مكافحة الإرهاب.

وبمرور السنوات أصبح واحداً من أصحاب النفوذ داخل الحزب، قبل أن يصل، بعد وفاة جلال طالباني وإعادة ترتيب قيادة الاتحاد الوطني، إلى قمة الهرم.

في 18 شباط 2020، اختير لاهور شيخ جنكي وابن عمه بافل طالباني رئيسين مشتركين للاتحاد الوطني الكردستاني، وكانا يتقاسمان قيادة الحزب نفسه.

لكن تجربة الرئاسة المشتركة لم تعش طويلاً.

في 8 تموز 2021 انفجرت الخلافات بينهما، وأجريت تغييرات واسعة في المؤسسات الأمنية المرتبطة بالحزب، وانتهت عملياً بسحب مراكز القوة من لاهور شيخ جنكي.

انتقلت القيادة الفعلية للاتحاد الوطني إلى بافل طالباني وبيته فوق تلة دباشان المطلة على السليمانية، بينما أصبح فندق لالەزار مركز لاهور شيخ جنكي وإخوته ومؤيديه ومن بقي معه بعد الانقسام.

ومنذ تلك اللحظة بدأت مرحلة جديدة بالكامل.

نهاية الرئاسة المشتركة.

حاول لاهور شيخ جنكي بعد أحداث تموز 2021 التمسك بصفته رئيساً مشتركاً للاتحاد الوطني، لكن بنية القيادة داخل الحزب تغيرت.

وفي 2022 ألغى الاتحاد الوطني عملياً نظام الرئاسة المشتركة، واستقرت القيادة بيد بافل طالباني الذي أصبح يحمل صفة رئيس الحزب.

وبعد خروجه من الاتحاد الوطني، اتجه لاهور شيخ جنكي إلى تأسيس مشروع سياسي منافس.

وفي 2024 ظهر حزب جبهة الشعب بقيادته، وخاض انتخابات برلمان إقليم كردستان في تشرين الأول من العام نفسه، في أول مواجهة انتخابية مباشرة له مع الاتحاد الوطني.

لكن النتيجة جاءت محدودة: حصلت جبهة الشعب على نحو 33 ألف صوت ومقعدين من مقاعد برلمان كردستان، أحدهما للاهور شيخ جنكي نفسه.

بعد ذلك بقيت العلاقة بينه وبين قيادة الاتحاد الوطني في حالة مواجهة سياسية وإعلامية مفتوحة. اتهامات متبادلة، خطابات حادة، وحرب روايات حول ما حدث في 2021 ومن يملك الشرعية السياسية والأمنية داخل منطقة نفوذ الاتحاد الوطني.

وعندما بدأت القوات تنتشر في السليمانية ليلة 21 آب 2025، كان هناك أمر قبض سيغير مسار الليلة.

أمر القبض

تداولت وسائل إعلام مقربة من الاتحاد الوطني وثائق لأوامر قبض صادرة عن محكمة تحقيق أمن السليمانية بحق لاهور شيخ جنكي وآخرين، من بينهم سلمان أمين المعروف بـ«أژي أمين».

وبحسب الأمر القضائي، جرى التحرك على لالەزار استناداً إلى المادة 56 من قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969، وهي من المواد الخاصة بـ«الاتفاق الجنائي»، وتعاقب العضو في الاتفاق حتى إذا لم يبدأ تنفيذ الجريمة المتفق عليها، وتصل العقوبة إلى السجن لمدة لا تزيد على سبع سنوات إذا كان الاتفاق متعلقاً بجناية.

لكن صدور أمر القبض لم يحسم الموقف، بل فتح الباب أمام المواجهة.

لاهور شيخ جنكي أعلن أنه لن يسلم نفسه.

منتصف الليل: القوات تتقدم

مع اقتراب منتصف الليل تحولت المنطقة المحيطة بلالەزار إلى منطقة عسكرية.

ظهرت في الصور ومقاطع الفيديو أعداد كبيرة من المركبات العسكرية والمدرعات والقوات المسلحة وهي تتحرك باتجاه الموقع.

وطُلب من الموجودين في لالەزار تسليم أنفسهم.

لكن لاهور لم يفعل.

وقرب الساعة الثالثة فجراً، ظهر في مقطع فيديو من سطح المبنى.

الصورة كانت شديدة العتمة ولم يكن وجهه يظهر بوضوح، لكن صوته كان مسموعاً.

قال إنه باقٍ في موقعه ولن يسلم نفسه.

بعد ذلك بدقائق تغير صوت المدينة.
بدأ إطلاق نار كثيف، ودوت أصوات انفجارات وأسلحة مختلفة في المنطقة، وسمعت أصوات الاشتباكات من مناطق متعددة في السليمانية.

استمرت المواجهة لساعات.

وتشير تقارير نشرت عقب الاشتباكات إلى مقتل ثلاثة من أفراد القوات الأمنية وإصابة نحو 19 آخرين، فيما لم تصدر حصيلة متفق عليها بشأن الخسائر في صفوف مجموعة لاهور شيخ جنكي.

وعندما أشرقت الشمس، انتهت المواجهة.

اعتُقل لاهور شيخ جنكي وشقيقه بولاد وعدد من الأشخاص الموجودين في لالەزار.

لكن ما انتهى عسكرياً في ساعات قليلة، بدأ رحلة أطول في مؤسسات القضاء والسياسة.

من «الاتفاق الجنائي» إلى اتهام بمحاولة اغتيال بافل

بعد ثلاثة أيام من أحداث لالەزار ظهرت رواية أخرى.

نشرت وسائل إعلام تابعة أو مقربة من الاتحاد الوطني تسجيلاً ظهر فيه عدد من الأشخاص يتحدثون عن خطة قالوا إنها كانت تستهدف بافل طالباني، وإنها تمت بأمر من لاهور شيخ جنكي وأژي أمين.

كان ذلك تطوراً لافتاً في القضية.

فما بدأ بأمر قبض بموجب المادة 56 أصبح في الخطاب الإعلامي والأمني مرتبطاً بالتخطيط لاغتيال رئيس الاتحاد الوطني الكردستاني.

عائلة لاهور شيخ جنكي ومحاموه رفضوا الرواية، ووصفوا ما عُرض بأنه «سيناريو» أعد لتوفير غطاء سياسي وقضائي للعملية.

ومن هنا تحديداً بدأت القضية تخرج من كونها ملفاً جنائياً عادياً إلى قضية سياسية كبرى.

فالطرف الذي يقود السلطة السياسية والأمنية في السليمانية هو نفسه الخصم السياسي التاريخي للاهور شيخ جنكي، بينما المطلوب من القضاء أن يفصل في اتهامات جنائية شديدة الخطورة بين أطراف خاضت صراعاً حزبياً وأمنياً مفتوحاً طوال سنوات.

12 متهماً أمام المحكمة

في كانون الثاني 2026 بدأت القضية تنتقل ببطء من التحقيق إلى المحاكمة.

أُعلن عن أولى جلسات محاكمة لاهور شيخ جنكي وعدد من المتهمين معه أمام محكمة جنايات السليمانية، في قضية تضم 12 متهماً.

لكن المسار لم يتقدم نحو حكم سريع.

ثم حُدد يوم 7 أيار 2026 موعداً جديداً للنظر في القضية أمام محكمة جنايات السليمانية الثانية، وظل لاهور شيخ جنكي و11 متهماً آخرين يواجهون المحاكمة في ملف لالەزار وفق المادة 56.

ولم تنته القضية في تلك الجلسة أيضاً.

بحسب فريق الدفاع، تعطلت إجراءات المحاكمة مرة أخرى بسبب عدم حضور المشتكين، فيما تحول مكان المحكمة والجهة التي ينبغي أن تنظر في الملف إلى جزء من النزاع القانوني نفسه.

ويقول محامو لاهور شيخ جنكي إن محكمة التمييز في إقليم كردستان، ومقرها أربيل، طلبت ملف القضية، وإن خلافاً نشأ بشأن نقل الملف من السليمانية.

في المقابل، لم يصدر عن الجهة المشتكية شرح علني مفصل لمسار هذه الإجراءات أو رد شامل على ادعاءات فريق الدفاع بشأن الملف.

وهكذا، بعد مرور عام، لا توجد حتى الآن نهاية قضائية للقصة.

القضاء والسياسة وجهاً لوجه

تحولت قضية لالەزار خلال عام إلى واحد من الملفات التي يستشهد بها منتقدو النظام السياسي والقضائي في إقليم كردستان عند الحديث عن الحدود الفاصلة بين الحزب والسلطة والأجهزة الأمنية والقضاء.

بالنسبة إلى الاتحاد الوطني ومؤيديه، بدأت القضية بأمر قضائي رفض المطلوبون تنفيذه، ثم استخدم السلاح ضد القوات المكلفة بالقبض عليهم وسقط قتلى وجرحى. ومن هذا المنظور، فإن اختزال ما حدث في صراع سياسي يتجاهل أمراً قضائياً ومواجهة مسلحة وقعت بالفعل.

أما لاهور شيخ جنكي ومحاموه ومؤيدوه فيطرحون سؤالاً آخر: هل يمكن ضمان محاكمة مستقلة في قضية يكون فيها خصمه السياسي هو الطرف الأقوى سياسياً وأمنياً في المدينة التي اعتقل فيها ويحاكم أمام قضائها؟

وبين الروايتين، لم يعد الاختبار متعلقاً بلاهور شيخ جنكي وحده، بل بالقضاء وقدرته على أن تكون الأدلة والإجراءات، لا ميزان القوة السياسية، هي التي تحدد النتيجة.

بعد عام من ليلة الرصاص في السليمانية، لم يسمع صوت البنادق. لكن الامتحان الأصعب لم ينته بعد:

هل تكون الكلمة الأخيرة للقانون أم للسياسة؟