أسرار ورشة في سوق السراي

بغداد وتجليد الكتب المحرمة.. مصاحف عتيقة وشيوعيات بمراحل الثقب والطرق والترميم

سوق السراي (بغداد) 964

في أحد دكاكين سوق السراي المجاور لشارع المتنبي وسط بغداد يعمل محمد عبد الحسين ساعات طويلة في ترميم وتجليد الكتب والمخطوطات النادرة ونسخ قديمة من القرآن الكريم، إذ يحرص مثقفو بغداد على تجديدها لأن قراءتها تحمل لذة وعادة وتقليداً حسب تعبيرهم، ويقول محمد، لشبكة 964، إن غالبية زبائنه من كبار السن الذين يمتلكون كتبا قديمة في التاريخ والفلسفة والمخطوطات وغيرها من العلوم، وأقدم كتاب قام بتجليده كان نسخة قديمة من المصحف وصلته قبل 4 سنوات، واكتشف بمساعدة زملائه الخطاطين أنه مكتوب بماء الذهب ويعود لنحو 150 سنة، وكان ترقيم الآيات شبه معدوم بسبب تهالك الأوراق، ثم أجريت عملية الترميم باستخدام ورق أسمر مشابه للون الصفحات”.

ويضيف محمد أن “عملية الترميم استغرقت نحو 6 أشهر وكانت الكلفة 30 الف دينار فقط، ونصحت صاحب الكتاب بعدم استخدامه للقراءة، وحفظه في مكان آمن ونظيف أو في مسجد، وقبل أشهر عُرضت علي مخطوطة عثمانية وهي عقد عقاري، لكنها متهالكة جداً فرفضت العمل واقترحت على صاحبها التوجه للمكتبة الوطنية أو العتبة الحسينية، لأنهم يمتلكون مكائن ألمانية لحفظ وترميم المخطوطات”.

ثقب وخياطة وطرق

تمر عملية تجليد الكتاب بعدة مراحل أهمها: تثقيب طرف الكتاب وخياطته وطرقه، ثم ربط الغلاف الداخلي بأوراق الكتاب بقطعة من الجلد الصناعي، ثم تصميم الغلاف الجديد من الجلد وورق والكارتون “المقوى”، وتسوية الأطراف ثم لصقه بكعب الكتاب باستخدام مادة الغراء، وأخيرا وضع الكتاب تحت آلة ضغط “منكنة” لدقائق حتى يجف.

كتب ممنوعة

يشير محمد إلى أنه “عمل فترة التسعينات بالكتب الممنوعة، وكان لا يستلمها إلا من المعارف الثقاة، ومنها كتاب مفاتيح الجنان وضياء الصالحين، وكان الرجل يأتي بها متخفيا بسبب الرقابة المستمرة على المكتبات في ذلك الوقت، وما تحتويه رفوفها من الكتب اليسارية أو التي تتحدث عن الحزب الشيوعي، وكان والدي يتعامل معها بحذر ويركنها بعيداً عن الأنظار رجال الأمن”.

ويضيف: بعد أحداث عام 2003 استلمنا أرشيف صحيفة الزوراء، كان متهالكاً جداً وتم تجليده بكل عناية، واستغرق العمل وقتا طويلاً؛ عادة نتصل بالزبون عبر الهاتف بعد انتهاء العمل، لأننا نطلب فترة زمنية مفتوحة لإتمام صيانة الأعمال المعقدة”.

جلد طبيعي حسب الطلب

ويؤكد محمد، أن “بعض الزبائن يطلبون تجليد كتبهم القيّمة باستخدام الجلد الطبيعي، وقبل سنوات طلب مني أحد الزبائن، وهو شاعر، استخدام الجلد الطبيعي لديوانه الشخصي، كان 5 نسخ بقياس (A5)، وقال إنه سيأخذ الكتاب معه إلى لندن”، مشيراً إلى أن بعض الزبائن يواظبون على تجليد كتبهم، ولدي زبون يأتي كل جمعة محملاً بعدد من الروايات النادرة التي يشتريها بثمن قليل من أصحاب البسطيات، ويطلب تجليدها لأنها ثمينة ومن المهم الحفاظ عليها “.

“لولاها لضعنا”

يقول المهندس علاء عبد الحسين، لشبكة 964، ان “التجليد مهنة مهمة للحفاظ على الكتب القديمة والنادرة، وإنه يأتي لورشة محمد عبد الحسين بشكل مستمر لتجليد كتبه، ومنها أقدم نسخة اقتناها من القرآن الكريم لتجليدها، وقبل ذلك أتى بنسخة قديم من قاموس (المورد) الذي يحتاجه في عمله كمهندس، ولو لا ورشة التجليد التي نحترمها لفقدنا الكثير من الكتب المهمة في حياتنا”.