صممته لندن في عهد فيصل الثاني
دوكان يرتفع 8 سم كل يوم مع ذوبان الثلوج.. مشهد حصل عام 1988
بعد سنوات من حبس الأنفاس ومراقبة الانخفاض المقلق للمنسوب، تستعيد بحيرة دوكان هيبتها المائية لتقف اليوم على أعتاب لحظة “الفيضان” النادرة، فبينما يرتفع المنسوب بمعدل 8 سنتيمترات يومياً، تقترب المنشأة المائية الأكبر في السليمانية من طاقة امتلاء تتجاوز 90%، مدفوعةً بموجات أمطار استثنائية وبدء ذوبان الثلوج المتراكمة على قمم جبال قنديل، ليعود إلى الأذهان مشهد تدفق المياه من “المسيل القمعي” الشهير الذي لم يحصل سوى عام 1988 ومرة أخرى نادرة.
ويستند سد دوكان، الذي يربض على نهر الزاب الصغير شمال غرب السليمانية، إلى إرث هندسي عريق يمتد إلى منتصف الخمسينيات؛ فهو أول سد في العراق، صممته شركة “Binnie & Partners” البريطانية ليكون مقوساً بنصف قطر يبلغ 120 متراً، ومنشأة عملاقة قادرة على خزن 7 مليارات متر مكعب من المياه في بحيرة تمتد على مساحة 270 كيلومتراً مربعاً.
هذا الانتعاش يمثل “شريان حياة” تقني بالغ التعقيد؛ إذ تؤكد إدارة السد أن وصول المنسوب إلى هذه المستويات ينهي كوابيس الجفاف التي هوت بالامتلاء إلى 35% في خريف 2023، وتكتسب هذه الوفرة أهمية استراتيجية قصوى، حيث أن توقف الإطلاق من السد “ليوم واحد فقط” كفيل بقطع مياه الشرب عن مدينة السليمانية لثلاثة أيام بلياليها.
اليوم، وبينما يترقب السكان مشهداً لم يتكرر منذ عام 2019، وقبله في عام 1988، تتحول لغة الأرقام إلى واقع بصري يربط عراقة التصميم البريطاني بخيرات الطبيعة، ليعلن دوكان مجدداً انتصاره على سنوات الشح وتأمين مستقبل الري والشرب للمنطقة.
صورة أوضح عن وضع السد خلال السنوات الأخيرة
ويقول مدير سد دوكان، كوجر جمال لشبكة 964 إن السد يُعد عملياً ممتلئاً حتى قبل وصوله إلى مرحلة الفيضان، موضحاً أن “السد ليس جسراً حتى يُعتبر مكتملاً فقط عند امتلائه بالكامل، بل إن كمية المياه الحالية بحد ذاتها تعني أنه ممتلئ، ويشهد منسوب المياه في سد دوكان ارتفاعاً مستمراً، إذ يرتفع حالياً بمعدل 8 سنتيمترات يومياً، وقد تجاوزت نسبة امتلاء السد الآن 90%، فيما تبقّت أقل من 10% على فيضانه”.
وأشار إلى أن الثلوج المتراكمة في مناطق قنديل لم تذب بالكامل بعد، متوقعاً أن يستمر ارتفاع المنسوب حتى نهاية الشهر مع ذوبان المزيد منها.
وفي ما يتعلق بإطلاق المياه من السد، أوضح أن الكميات المُفرج عنها تُخصص لتلبية احتياجات السكان، مضيفاً: “إذا أوقفنا الإطلاق ليوم واحد فقط، فإن مدينة السليمانية ستبقى بلا ماء لمدة ثلاثة أيام وثلاث ليالٍ”.
ويأتي هذا الارتفاع بعد سنوات من التذبذب الحاد في مناسيب السد، بين موجات جفاف وانخفاض مقلق، وأخرى شهدت تدفقات مائية كبيرة أعادت الحياة إلى البحيرة.
ففي 21 كانون الأول 2025، استعادت بحيرتا دوكان ودربندخان جزءاً كبيراً من عافيتهما بعد أمطار غزيرة، حيث استقبل سد دوكان خلال أسبوعين أكثر من 130 مليون متر مكعب من المياه، وارتفع منسوبه 170 سنتيمتراً، وهي زيادة وصفها مدير السد حينها بأنها تعادل ما كان يتحقق خلال عام كامل.
كما شهد السد ارتفاعاً بنحو مترين عقب موجة أمطار غزيرة سبقت 20 شباط 2024 بأيام، ورغم تأكيد إدارة السد في ذلك الوقت أن امتلاءه الكامل ما يزال صعباً، فإن الزيادة ساهمت في تخفيف أزمة مياه الشرب والري.
لكن هذه التحسينات لم تكن كافية دائماً لمواجهة مواسم الجفاف، إذ كشفت مديرية ماء دوكان في 5 أيلول 2023 عن انخفاض يومي في منسوب السد لا يقل عن 8 سنتيمترات، نتيجة تحويل كميات من مياه الزاب الصغير لتشغيل وحدات كهربائية جديدة، مشيرة إلى أن نسبة امتلاء السد تراجعت آنذاك من 65% إلى 35% خلال أشهر قليلة فقط، رغم أن أمطار شباط 2023 رفدت سدّي دوكان ودربندخان بأكثر من 19 مليون متر مكعب من المياه.
لحظات تاريخية
يقع سد دوكان على نهر الزاب الصغير على مسافة 60 كيلومترا شمال غرب مدينة السليمانية وعلى بعد 100 كيلومتر من مدينة كركوك، ويستند سد دوكان، أول سد في العراق، إلى إرث هندسي عريق، حيث صممته شركة “Binnie & Partners” البريطانية وشُيد بين عامي 1954 و1959، ويعد السد منشأة ضخمة بكل المقاييس؛ إذ يمتد بطول 360 متراً ويرتفع عن الأرض بنحو 116.5 متر، فيما تبلغ مساحته السطحية 270 كيلومتراً مربعاً، مقوس نصف قطره 120 متر، ما يمنحه قدرة استيعابية هائلة تصل إلى 7 مليارات متر مكعب من المياه.
لطالما كان مشهد تدفق المياه من “المسيل القمعي” أو Bell-mouth spillway نادراً ومؤثراً في الذاكرة الشعبية والمناخية للمنطقة، ففي عام 2019، عاشت بحيرة دوكان حدثاً استثنائياً حين امتلأ خزانها بالكامل وتجاوزت المياه طاقتها القصوى، وهو مشهد لم يتكرر قبل ذلك التاريخ إلا مرة واحدة حين امتلاء عام 1988.
هذا الارتفاع غير المعتاد في مناسيب المياه عام 2019 أعاد السد إلى واجهة الأحداث المائية، ليصبح معياراً يقاس عليه نجاح المواسم المطيرة، تماماً كما يحدث اليوم مع اقتراب المنسوب من تلك المستويات التاريخية.