هل كان مترجم جوناثان راندل على حق!
“فشل ترامب بتحريض الكرد فتجرأ”.. هيوا عثمان يكتب عن “أمة في شقاق”
يلتقط الكاتب هيوا عثمان عبارة قاسية عمرها 30 عاماً في وصف الكرد "أمة في شقاق" ويقول بخيبة إنه اليوم أقل اختلافاً مع مضمونها.
يراجع الكاتب والصحفي الكردي هيوا عثمان “القصة” التي يكررها الرئيس الأميركي دونالد ترامب وإدارته عن “أسلحة أميركية أرسلت إلى كرد إيران واحتفظ بها كرد الإقليم”.. ويعتبر عثمان لجوء ترامب إلى تلك “الرواية” جزءاً من محاولة تبرير “الفشل في فتح جبهة كردية داخل إيران”.
لكن المراجعة الأخيرة التي يقدمها الكاتب تركز أكثر على العوامل التي دفعت ترامب للتجرؤ على إطلاق هذه الرواية التي يلمح عثمان إلى أنها قد تكون مختلقة، إذ يسلط الضوء في مقاله الأخير على الانقسام السياسي بين القوى الكردية ليس على سبيل التنوع والتعدد، بل حتى في اللحظات الحاسمة التي تتطلب موقفاً كردياً.
ومنذ إطلاق عمليات “الغضب الملحمي” الأميركية إيران، أطلق ترامب تصريحات عدة ومتناقضة بشأن إشراك الكرد ضد إيران، لكن وبعد مرور أكثر من شهرين فإن المناطق الكردية -في إيران وبقية الأجزاء الأربعة- لم تُظهر أي حماس أو تحرك مساند للولايات المتحدة، برغم الخلافات العميقة بين المجتمعات الكردية والحكومات المركزية لاسيما الإيرانية.
ويشير هيوا عثمان إلى أن ترامب تجرأ على تسويق رواية إرسال أسلحة أميركية إلى كرد إيران و”مصادرتها” في إقليم كردستان العراق، لأنه كان متيقناً بأن القوى الكردية ستنقسم في الرد، بما يتيح له المناورة والهروب من فشله العسكري وحتى السياسي في تحريك المجتمعات الكردية، وهو ما حصل.
وتنقل عثمان طيلة 3 عقود بين غرف الأخبار وقصور القرار شاهداً أو مشاركاً في لحظات عراقية وكردية حاسمة، ولذا يستهل مقاله بعبارة “أمة في شقاق” وهي عنوان الطبعة العربية من كتاب الباحث الأميركي الشهير جوناثان راندال، الذي حمل بالانكليزية عنوان “بعد معرفة كهذه، أيُّ غُفران؟”
“After Such Knowledge, What Forgiveness?: My Encounters With Kurdistan”.
ويوسع عثمان الرؤية عابراً المسألة الكردية إلى كل “مسائل وشقاقات” المنطقة، فجميعها تبقى مصممة لتستمر بلا حلول “فالانقسام رغم كلفته يبقى قابلاً للإدارة، أما الحسم فيخلق واقعاً جديداً يصعب ضبطه”.
وفي قراءة لوقائع المنطقة اليوم، ينبه عثمان إلى أن الإقصاء لم يعد فقط نصيب الضعفاء كما كان طيلة التاريخ، بل صار الاستبعاد أيضاً مصير كل القوى التي تفشل في التقارب والوحدة، وإن كانت تتمتع بالقوة.
فيما يلي النص الكامل للمقال الكاتب هيوا عثمان “أمة في شقاق”:
أمة في شقاق
هيوا محمود عثمان
حين تُرجم كتاب جوناثان راندال الشهير عن الكرد إلى العربية، اختير له عنوان أثار غضب كثير من الكرد آنذاك.. “أمة في شقاق”.
بدا العنوان وقتها قاسياً، ومحمّلاً بنظرة استعلائية تجاه شعب خرج لتوه من قرنٍ كامل من الخيبات والانقسامات والحروب. كثيرون رأوا فيه اختزالاً ظالماً لقضية أمة تبحث عن مكانها بين الدول.
كنت واحداً ممن شعروا أن في العبارة شيئاً من التجني.
لكن كلما نظرت إلى المشهد الكردي اليوم، أجد نفسي أعود إلى ذلك العنوان أكثر.. وأختلف معه أقل.
ليس لأن الكرد بلا قضية، ولا لأنهم يفتقرون إلى التاريخ أو التضحيات أو الحضور السياسي، بل لأنهم ما زالوا عاجزين عن الإجابة عن سؤال أخطر من كل الضغوط الخارجية:
هل يستطيع الكرد أن يتصرفوا كطرف واحد عندما تتطلب اللحظة ذلك؟
في الجدل الأخير حول الأسلحة التي قيل إنها “أُرسلت إلى إيران عن طريق الكرد” لم يكن اللافت ما قاله دونالد ترامب، بل كيف جاء الرد.
كان النفي الكردي سريعاً، لكنه لم يكن موحداً.
كل جهة نفت عن نفسها، وألمحت إلى الأخرى، في مزيج غريب من النفي والاتهام غير المباشر، ضمن صراع قديم لم يغادر المشهد، وهنا تكمن المشكلة الحقيقية.
لسنوات، كان التفسير السائد لمأزق الكرد في المنطقة بسيطاً:
“قوى كبرى تستخدمهم.. ثم تتخلى عنهم”
ليس تفسيراً خاطئاً بالكامل، لكنه لم يعد كافياً.
المشكلة اليوم لم تعد فقط في ما يُفعل بالكرد بل في قدرتهم على أن يكونوا طرفاً واحداً في المعادلات الإقليمية والدولية.
ولا يبدو أن هذا الانقسام استثناء بل هو القاعدة.
نراه في تشكيل حكومة إقليم كردستان، حيث تحولت عملية بدأت بانتخابات قبل أكثر من عام إلى مساومات مفتوحة بلا أفق زمني واضح.
ونراه في بغداد، حيث لا يوجد تمثيل كردي موحد، بل حضور متشظٍ يفاوض في اتجاهات متعددة.
ورأيناه في اختيار رئيس الجمهورية، الذي تحول من استحقاق كردي تاريخي إلى صراع داخلي.
ونراه اليوم، في أبسط اختبار ممكن:
الرد على اتهام خارجي.
حتى في لحظة كهذه، لم يكن السؤال: كيف نواجه الرواية؟
بل:
كيف نستخدمها ضد بعضنا البعض؟ وهذا ما يفسر مشهداً يتكرر باستمرار.
رئيس وزراء عراقي مكلّف يزور أربيل.. ثم السليمانيةثم يعود إلى بغداد.
لكن ما يعود به ليس “موقفاً كردياً” بل عدة مواقف كردية.
وفي نظام يقوم على توازنات مناطقية وسياسية وحزبية، لا يمكن التفاوض مع تعددية غير منظمة.
في السياسة.. ليس الضعيف وحده الذي يجري تهميشه، بل يُستبعد أيضاً كل من لا يملك قراراً موحداً.
وهنا يصبح السؤال مختلفاً:
هل يقدم الكرد أنفسهم كطرف يمكن التعامل معه؟
القوى الإقليمية والدولية لا تبحث عن “حق” بقدر ما تبحث عن “وضوح”.
تبحث عن شريك يعرف ماذا يريد ويستطيع الالتزام به.
لكن في الحالة الكردية، غالباً ما يكون هناك أكثر من موقف، وأكثر من تفسير، وأكثر من اتجاه في الوقت نفسه.
لم يعد الانقسام خياراً واعياً دائماً، بل أصبح بنية قائمة.
بنية تجعل كل أزمة خارجية تتحول إلى صراع داخلي، وكل فرصة سياسية تتحول إلى تنافس على من يحتكرها.
لكن السؤال الأعمق ربما لا يتعلق فقط بالشقاق الكردي نفسه.
ففي تاريخ هذه المنطقة، نادراً ما تُترك الصراعات الداخلية لتحسم بالكامل لصالح طرف واحد.
ليس دائماً لأن هذا الطرف لا يستطيع، بل لأن البيئة المحيطة لا تتعامل مع الحسم كخيار مفضل، فالانقسام، رغم كلفته، يبقى قابلاً للإدارة.
أما الحسم، فيخلق واقعاً جديداً يصعب ضبطه.
ولهذا، لا يُترك الصراع لينتهي، ولا يُدفع ليُحسم، بل يُدار.
توازن غير مستقر، يبقي الجميع في حالة حاجة، ويمنع أي طرف من التحول إلى مركز قرار مستقل.
في هذا السياق، لا يعود الانقسام مجرد نتيجة داخلية، بل يصبح جزءاً من معادلة أوسع.
معادلة لا تقول: اتحدوا…
ولا تقول: احسموا…
بل تقول ببساطة:
ابقوا كما أنتم.
ولهذا، حين تأتي لحظة حاسمة —سواء في حرب أو تسوية أو حتى في مجرد اتهام — لا يكون السؤال: ماذا سنفعل؟
بل: من سيتحدث باسمنا؟
وهذا هو السؤال الذي يعجز الكرد عن الإجابة عليه حتى الآن.
في المشهد الإقليمي والدولي اليوم، لا يُقصى فقط من لا يملك القوة، بل حتى الذي لا يملك وحدة القرار.. يُقصى.
ولهذا، فإن أكبر عقبة أمام الكرد اليوم ليست في الخارج.
بل في قدرتهم على أن يكونوا كرداً أولاً.. قبل أن يكونوا أحزاباً.
وربما لهذا أيضاً، حين تحدث ترامب عن “الكرد” كطرف واحد، لم يكن يصف واقعاً قائماً.. بل يستفيد من غيابه.
فهو يعرف أن الرد لن يأتي بصوت واحد، بل بأصوات متفرقة.
وأن أياً منها لن يكون كافياً لإسقاط الرواية التي لجأ إليها لتبرير فشل خطته في فتح جبهة كردية داخل إيران.