نتائج حرب الفرات جاءت معاكسة

بعيداً عن حرب الخرائط.. هيوا عثمان يكتب عن “ربيع كردي يُزهر مبكراً”

بينما ركزت التغطيات الإخبارية والتحليلات على واقع الخرائط ومتغيراتها بعد هجمات الجيش السوري على المناطق الكردية، أفرد الصحفي الكردي هيوا محمود عثمان مقالاً على صفحات جريدة النهار لمناقشة جانب آخر وهو الأثر السايكولوجي للحرب الأخيرة في المجتمع الكردي على امتداد الدول الأربعة والمهجر، واستعرض عثمان جانباً من معرفته الشخصية بالجنرال مظلوم عبدي “الذي أدار مهمة تحتاج دولاً في عملية توازن بين 4 جيوش”.

وانتهى عثمان إلى رؤية متفائلة “فنتائج الهجمات جاءت معاكسة لأهدافها” وأثارت انتباه كرد العالم إلى قضيتهم على نحو غير مسبوق منذ سنوات، ووحدت الاتجاهات الكردية المتباينة سياسياً وفكرياً وجغرافياً، حتى أن “الدعم صار ميدانياً، ووصلت قوافل الإمداد بكل أشكاله سريعاً” كما يتوقع عثمان أن مهمة تركيا صارت أصعب في مواجهة القضية الكردية، فرغم دعمها الهجمات الأخيرة، إلا أن “التعامل مع قضية كردية جامعة، بواجهة سياسية دولية يقودها بارزاني، ستكون مسألة مختلفة تماماً” خاصةً مع الحرص الذي أظهرته أربيل والحسكة على حد سواء في منع الفصائل من دفع القضية أو انزلاقها نحو حرب عربية كردية.

وفيما يلي نص المقال:

ربيع كردي في عز الشتاء

هيوا محمود عثمان

في مقابلته الأخيرة، بدا مظلوم عبدي، القائد العام لـ “قوات سوريا الديمقراطية” مختلفاً عمّا اعتاده المتابعون في ظهوره السابق، فعلى الرغم من التوترات الميدانية، وتصاعد الاشتباكات، وغموض المشهد السياسي، ظهر أكثر هدوءاً وثقة، وأقلّ ميلاً إلى خطاب الدفاع أو الاستعطاف.

هذا الهدوء لم يكن إنكاراً للخطر، بل تعبيراً عن وعيٍ متراكم ولحظة يعي فيها أن كرد الشرق الأوسط وأوروبا كلهم وراءه.

في عام 2020، التقيتُ مظلوم عبدي في لحظة كانت فيها روجافا ساحة مفتوحة لأربعة جيوش فوق أرض واحدة: الولايات المتحدة، روسيا، تركيا، والنظام السوري. يومها، كتبت — وكنت أؤمن بذلك — إنّه تعلّم كل مهارات المناورة اللازمة للبقاء وسط هذا التعقيد غير المسبوق. كان يدير توازنات قوى لا تُدار عادةً إلا من قبل دول. لكنه، رغم ذلك، لم يكن قادراً على التخلّص من «لعنة الجغرافيا» التي لاحقت الكرد عبر تاريخهم: أن يكونوا دائماً في قلب الصراع، وعلى هامش القرار.

اليوم، بعد خمس سنوات، يبدو أن تلك الجغرافيا نفسها بدأت تتغيّر في معناها.

فالهجمات التي شنّها الجيش السوري على الأشرفية والشيخ مقصود في حلب، ثم انتقالها إلى مناطق سيطرة قوات سوريا الديموقراطية، لم تكن مجرد تصعيد عسكري. لقد أعادت تعريف القضية الكردية في سوريا. ما كان يُقدَّم بوصفه ملفاً أمنياً محلياً، تحوّل إلى قضية كردية إقليمية جامعة، تمسّ كل الكرد، أينما وجدوا.

العامل الحاسم في هذا التحوّل لم يكن السياسة، بل العنف الذي تم استخدامه. المقاطع المصوّرة التي انتشرت للانتهاكات لم تُقرأ في الوجدان الكردي كجرائم حرب معاصرة فقط، بل كاستدعاء مباشر لذاكرة الإبادة.

وبعد بيان وزارة الاوقاف السورية عن “فتوحات” الجيش ضد الكرد واستخدام الوزير لآية من سورة الأنفال، عاد شبح حملات الأنفال والإبادة الجماعية إلى الوعي الجمعي الكردي. ليس بوصفه حدثاً تاريخياً انتهى، بل كنمط متكرر: نزع الإنسانية، كسر الرموز، وتحويل الجسد الكردي إلى رسالة ترهيب. استخدام هذا النوع من العنف لم يكن عشوائياً، لكنه — مرة أخرى — أسفر عن نتيجة معاكسة لما أُريد له.

منذ تلك اللحظة، لم تتوقف الاحتجاجات. في المدن الكردية عبر الشرق الأوسط، خرج الناس إلى الشوارع بشكل عفوي ومتواصل. لم يكن ذلك نتيجة تعبئة حزبية أو تنظيم مركزي، بل رد فعل غريزي لشعب شعر أن الاستهداف هذه المرة وجودي، لا سياسي فقط.

وسرعان ما تجاوز الحراك حدود التظاهر. مئات الشبان الكرد كسروا الحدود وتطوّعوا، بعضهم بأسلحته الشخصية، وتوجّهوا إلى روجافا للالتحاق بالمقاتلين على الأرض. لم يكن هذا تدفّقاً عددياً ضخماً بعد، لكنه كان ذا دلالة عميقة: الاستعداد النفسي والرمزي للانخراط عاد بقوة مع الوعي بأن لايتحول الصراع إلى حرب كردية عربية، الأمر الذي ركز عليه مظلوم عبدي في لقائه الأخير. وبالتوازي، لجأت عشرات آلاف الفتيات الكرديات إلى وسائل التواصل الاجتماعي، ونشرن مقاطع وهنّ يجدلن ظفائرهن — فعل رمزي بسيط، لكنه مثقل بالمعنى، يستعيد الكرامة في مواجهة الإهانة المقصودة.

ثم جاء الدعم المادي. حملات تبرعات، مساعدات طبية، وشبكات إسناد لوجستي انطلقت من كل أجزاء كردستان ومن الغرب، ولا تزال مستمرة حتى لحظة كتابة هذا المقال. بخلاف مراحل سابقة، لم يكن هذا التضامن لحظياً، بل طويل النفس، ومدفوعاً بشعور أن ما يجري اليوم سيترك أثراً طويل الأمد.

سياسيًا، كانت الارتدادات واضحة وسريعة. عبّر القادة الكرد في إقليم كردستان العراق وخارجه عن تضامن كامل، ما أفضى إلى لحظة نادرة من التلاقي السياسي الكردي. برز مسعود بارزاني بوصفه المخاطِب الرئيسي لواشنطن ودمشق في آن، واضعاً أمن وسلامة سكان روجافا في صدارة الأولويات. وتكامل هذا الدور مع النشاط الدبلوماسي المكثف لرئيس الإقليم نيجيرفان بارزاني، الذي لم تتوقف اتصالاته مع قادة العالم سعياً لتجنّب كارثة إنسانية والدفع نحو تسوية سياسية وكذلك الاتحاد الوطني الكردستاني الذي أرسل وحدات مكافحة الارهاب إلى الحسكة للمساعدة في الدفاع وفسح المجال للمتطوعين للذهاب إلى روجافا.

هذا الواقع الجديد غيّر قواعد اللعبة. لم يعد الشرع قادراً على التعامل مع الكرد كطرف سوري معزول أو قابل للاحتواء السريع. بات يواجه معادلة كردية أوسع. أما تركيا، التي شجّعت هذا التصعيد، فقد تكتشف قريباً أن حساباتها لم تكن دقيقة. اتهام الكرد بالارتباط بحزب العمال الكردستاني كان سردية سهلة الإدارة، أما التعامل مع قضية كردية جامعة، بواجهة سياسية دولية يقودها بارزاني، فمسألة مختلفة تماماً.

ميدانياً، تقف القوات الكردية اليوم على حدود مناطقها بإدراك جديد: أن الصمود الجماعي، حين يكون مسنوداً سياسياً وشعبياً، يمكن أن يغيّر المعادلات. والأهم ربما هو ما لم يحدث هذه المرة. فعلى عكس محطات سابقة في التاريخ الكردي، لم يؤدِ التخلي الأميركي إلى شعور الانكسار، بل إلى مزيد من التماسك وإعادة ترتيب البيت الداخلي.

الخطأ الذي ارتكبته دمشق، بدعم تركي، لم يُنهِ القضية الكردية، بل أطلق كرة ثلج كردية بدأت تتدحرج على المستويات العسكرية والشعبية والسياسية. لا أحد يعرف بعد أين ستتوقف.

ربيع الكرد لم يولد من انتصار عسكري، بل من كسرٍ داخلي لخوفٍ تاريخي. وذاك، ربما، هو التحوّل الأعمق.

بالعودة إلى الجنرال، تتضح المفارقة. القائد الذي تعلّم قبل سنوات فنّ البقاء بين أربعة جيوش، يبدو اليوم وقد انتقل إلى مرحلة مختلفة: لم يعد يدير فقط توازنات قوة مفروضة عليه، بل يقف على رأس لحظة وعي كردي جماعي تتجاوز الجغرافيا التي قيّدت أسلافه.