قوة إسرائيل لم تنفع وأميركا تراجعت
لكلمة طوفان بالفارسية معنى مختلف وهيوا عثمان يتأمل قاموس النبوءات!
قراءة هيوا عثمان للمستقبل لا تخلو من تشاؤم.. "لم يعد طوفاناً يبدأ ويهدأ.. إنه إعصار لا يظهر نية للرحيل قريباً".
منذ 72 ساعة على الأقل، يتلعثم المحللون على الشاشات سواءً كانوا من طرف طهران أو واشنطن أو ما بينهما، فالتنبؤ والتحليل يغدو أصعب يوماً بعد آخر منذ غارة ترامب الأولى صباح 28 شباط، ويعود الصحفي هيوا عثمان إلى القاموس بحثاً عن تفسيرات من عالم التكهن في غياب اليقين بدءاً من اندلاع أحداث خريف 2023.
ومنذ اغتيال قاسم سليماني مطلع العام 2020، أصدرت إيران سلسلة أفلام وثائقية تحمل اسم “طوفان” وتوثق مراحل من حياة الجنرال الإيراني وتداعيات اغتياله وتصف الحدث بأنه “طوفان”.
ويستعيد هيوا عثمان ترجمة المفردة المشتركة بين العربية والفارسية باللفظ، والمختلفة في الدلالة، فكلمة “طوفان” تُكتب وتُنطق بالفارسية كما هي بالعربية، لكنها تعني بلغة أهل إيران “الإعصار” أو العاصفة.
بعد شهور.. يستيقظ العالم على مفردة “طوفان” ويعلق الشرق الأوسط داخله منذ أكتوبر 2023، وبمشهد توقعات قاتم.. ينبه عثمان القارئ بأن ما حصل لم يأخذ شكل طوفان نوح وغمراً للأرض بالماء ثم الانحسار، بل هو “طوفان” بالترجمة الفارسية تماماً، أي إعصار لن يترك الأرض بعده كما دخلها، بل إن بعض الأعاصير تعود بطبيعتها وتدمّر بيئتها الأولى.
وفي مقاله الأخير، يشير إلى أن الجغرافيا لابد أن تتغير بعد هذا الإعصار الذي يلفّ العراق بأسئلة عديدة عن الدولة وصفات القاتل والمقتول والقاصف والمقصوف داخل الخارطة.
وفي المقال، يتحدث عن طوفان بدأ بالمعنى العربي، لكنه انتهى إلى المعنى الفارسي، حين فقدت واشنطن القدرة على ضبط المواجهة، بانتظار أن يهدأ الإعصار ويكشف عن الدول التي ستنجح في الدخول إلى التسوية، وتلك التي ستبقى خارجاً.
نص مقال هيوا عثمان.. “السابع من أكتوبر: طوفان عربي أم إعصار فارسي”
في السابع من أكتوبر 2023، دخلت كلمة جديدة إلى القاموس السياسي العربي: “طوفان”.
الكلمة ليست جديدة في العربية. فهي تحمل معنى واضحاً ومستقراً: فيضٌ يجتاح، يمتد أفقياً، ويغمر كل ما أمامه حتى يستقر ثم ينحسر ليعود كل شيء إلى ما كان عليه.
لكن ما حدث بعد ذلك التاريخ لم يتصرف وفق هذا المعنى. ما بدأ تحت اسم “الطوفان” لم يكن فيضاً بقدر ما كان إعصاراً. وهنا تتبدل الدلالات.
في الفارسية، كلمة طوفان تعني الإعصار، والإعصار لا يتحرك في اتجاه واحد، بل يلتف ويتوسع ويجذب ما حوله، وقد يعود ليصيب بيئته الأصلية أو منشأه.
العملية التي انطلقت باسم عربي، سرعان ما تطورت وفق ديناميات إقليمية أوسع، تتجاوز حدود الفعل الفلسطيني المباشر، لتدخل ضمن شبكة صراع متعددة الأطراف، لعبت فيها إيران وحلفاؤها، وكذلك إسرائيل والولايات المتحدة، أدواراً متداخلة.
لم تبق عملية السابع من أكتوبر في حدود الجغرافية الفلسطينية. امتدت إلى لبنان وسوريا وإيران، وفتحت جبهات في الخليج والبحار والمضائق، وأدخلت الولايات المتحدة في مواجهة مباشرة مع إيران.
تحوّلت العملية المحددة إلى صدمة إقليمية أعادت ترتيب أولويات الجميع.
لم يكن ذلك “طوفاناً” بالمعنى الكلاسيكي العربي الذي يجتاح ثم ينتهي ويعود كل شيء إلى ما كان عليه، بل عاصفة كشفت طبقات متراكمة من الهشاشة والتناقض في النظام الإقليمي.
أول ما كشفته هذه العاصفة هو وحشية وحدود القوة الإسرائيلية. لكن رغم القدرة العسكرية العالية، لم يقد توسيع نطاق العمليات إلى حسم سريع، بل إلى تعقيد المشهد وتوسيع مسرح المواجهة.
الأسد الذي ظل حاضراً في الخطاب، وغائباً في الفعل انهار أمام مشهد الفاتح على دراجة نارية وغطاء جوي بمسيرات تركية. كانت هذه إحدى أهم لحظات إعادة تشكيل الشرق الوسط.
أما «حزب الله»، فقد أظهر معادلة مزدوجة: قدرة على التصعيد في الإعلام والبيانات والخطابة والصواريخ المفيدة لنتنياهو مقرونة بقيود تقنية وجهل عملياتي وضع أهم عناصر الحزب في مرمى البيجر.
كانت النتيجة الانزلاق إلى حرب شاملة، دفع الحزب فيها الضريبة الأكبر.
في العراق مازلنا نحاول أن نفهم كيف سقط الأسد وكيف قتل الخامنئي ونصرالله وكيف لكل ذلك أن يلعب دوره في بلادنا!
مازلنا نحاول فك لغز الدولة واللادولة. مازلنا نبحث عن صفة لمن قتل جندياً أمريكياً على الحدود بيننا وبين سوریا والأردن، أو من قُتل بغارة أمريكية أو اسرائيلية في مقرات الحشد، أو عن صفة لمن يقصف كردستان ودول الخليج وأين موقعهم من الدولة وموقف الدولة منهم.
مازلنا نحاول أن نجد وصفاً لقاتل ضابط في مبنى المخابرات بعد أن أصدر فصيله الحكم عليه بالتجسس.
مشهد تداخل الدولة واللا دولة هنا هو الأكثر تعقيداً وخطورة. تتحرك الفصائل المسلحة ضمن أطر رسمية، لكنها تتصرف خارج قرار الدولة، ولكل منهما تعريفه الخاص للسلطة وللسيادة.
أما الولايات المتحدة، فقد وجدت نفسها أمام تصعيد لم تبادر إليه، واضطرت إلى إدارة تداعياته أكثر من توجيه مساره، أمام تراجع كبير في القدرة على ضبط إيقاع الأزمات في المنطقة.
وأخيراً، إيران نفسها، التي بنت خلال عقود نموذجاً قائماً على إدارة الصراعات عبر أطراف غير مباشرة، وجدت أن هذا النموذج يتعرض لاختبار صعب، مع توسع المواجهة إلى حدود يصعب التحكم بها بالكامل.
مع دخول الهدنة حيز التنفيذ وخروقاتها في المضيق الذي أصبح خط النار للجميع، بدأت ملامح المرحلة التالية تتشكل.
ترتيبات جديدة بين إسرائيل ولبنان؛ تفاهمات شاقة بين واشنطن وطهران؛ وترقب قلق في دول الخليج واضطراب كبير في العراق بين حلفاء طهران و”اصدقاء” واشنطن. فالعراق حاضر في الصراع وغائب عن صناعته ليبقى أحد أبرز الأسئلة المفتوحة في أي تسوية مقبلة.
إذا كان الاسم “طوفاناً” عربياََ، فإن النتيجة لم تكن كذلك. لم نشهد فيضاً يجتاح وينتهي، بل عاصفة أعادت رسم خطوط التماس، وكشفت حدود القوى، وفرضت مساراً جديداً للتفاوض. وهذا ما يمنح الاسم دلالة مزدوجة: فهو عربي في لفظه، لكنه في سلوكه أقرب إلى معناه الآخر.
لم يحقق الحدث حسمًا نهائياً. لكنه حقق ما هو أبعد: فرض إعادة ترتيب إقليمي. وفي هذا الترتيب، ستبرز أسئلة لم تعد قابلة للتأجيل، وفي مقدمتها: أي الدول قادرة على أن تكون جزءاً من التسوية، وأيها ستبقى ساحة لها؟
فالطوفان، إذا كان في العربية ينتهي بانحسار الماء، ففي الفارسية هو إعصار لا ينتهي… بل يخلف وراءه جغرافيا مختلفة.
وهذا، على الأرجح، هو الإرث الحقيقي لإعصار السابع من أكتوبر.