كيف يراقب قاءاني حماس ترامب؟
علاقة الزيدي بالصدر وفخ حكومة الكاظمي.. تقديرات من أبو ظبي
يركز تقدر موقف نشره مركز أبحاث خليجي بارز، على 3 عناصر في قراءة أولية لظهور علي الزيدي كمرشح مكلف مفاجئ ومباغت، بتشكيل الحكومة، أولها أن تأييد أميركا له تضعه أمام اختبار مطالب ترامب: ممنوع اشتراك الفصائل في الوزارات. وثانيها إمكانية صوغ علاقة مفهومة مع زعيم التيار الصدري الحاضر الغائب، وثالثها أن مبعوث إيران إسماعيل قاءاني يراقب حماس واشنطن للزيدي، ويقيس، وإن خرجت الأمور عن قياساته فلن يتردد في قلب المعادلة وتهديد الحكومة مثلما حصل مع مصطفى الكاظمي الذي وافقت عليه إيران ثم لم تدخر جهداً في مهاجمته عبر أدواتها الإعلامية والسياسية، وصولاً إلى استخدام أدوات المليشيات في الداخل لزعزعة الأمن أو تهديد الحكومة.
تقرير مركز الإمارات للسياسات، تابعته شبكة 964:
اتفق قادةُ “الإطار التنسيقي” الشيعي في العراق، بوصفهم يمثلون الكتلة البرلمانية الأكثر عدداً، وبعد مرحلة مناورات سياسية استمرت شهوراً، على تكليف رجل الأعمال علي الزيدي بتشكيل الحكومة العراقية، في محاولة للخروج من الانغلاق السياسي، وتفاقُم الخلافات بين القوى الشيعية، وتصاعُد الضغوط الأمريكية.
وتقف الخلفية الاقتصادية لرئيس الوزراء المكلَّف، وعدم تقاطُعه مع مراكز القوى السياسية، وحاجة الأطراف المختلفة إلى حسم ملف تشكيل الحكومة، باعتبارها عوامل قوة على صعيد إمكانية تمرير حكومته برلمانياً، فيما تفرضُ المعادلة السياسية المضطربة، التي أفْضت في نهاية المطاف إلى اختياره، نفسَها على طبيعة خيارات الحكومة التي سيُشكلها، ومسارات مواجهة التحديات الكبيرة التي سيتعامل معها، سواء على مستوى الأزمات الاقتصادية والأمنية والسياسية الداخلية، أو العلاقات الخارجية التي شهدت هزات عنيفة بالتزامن مع الحرب الإيرانية-الأمريكية/الإسرائيلية الأخيرة، والتي طرحت بشكل غير مسبوق على العراق خيارات واضحة لتحديد نقطة تمركزه الإقليمية وسط هذا الصراع المصيري لدول المنطقة.
تبحث الورقة في طبيعة التحديات التي تواجه الحكومة العراقية الجديدة، وفرصها في توجيه المسار العراقي باتجاه مختلف عن المسار الصعب الذي انتهت إليه الحكومة السابقة.
“الإطار التنسيقي”.. تمديد الحالة الانتقالية
أفضت نتائجالانتخابات العراقية التي جرت في نوفمبر 2025، إلى استعصاء سياسي حول تشكيل الحكومة استمرَّ قرابة خمسة شهور، حيث قاد توزع المقاعد إلى تعدُّد الطامحين بمنصب رئيس الوزراء، وتداخُل أجنداتهم وتوجهاتهم، ما أنتج انقساماً بين قوى “الإطار التنسيقي” المعنية بترشيح رئيس الحكومة، وبروز صراع معلن بين رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي الذي تعرَّض ترشيحه لرفض الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، ورئيس وزراء تصريف الأعمال محمد شياع السوداني الذي طاله بدوره التحفظ الأمريكي في مرحلة لاحقة، ما دفع باتجاه البحث عن مرشحي تسوية، وصولاً إلى الاتفاق بين الأطراف المتصارعة على ترشيح رجل الأعمال والمصرفي علي الزيدي (41 عاماً) للمنصب، ليتم في 27 أبريل 2026 تكليفه من قبل رئيس الجمهورية، على أن يشكل في خلال شهر حكومته ويَعرِضها للتصويت في مجلس النواب.
ولم يكن هذا الاختيار لعلي الزيدي مرتبطاً فحسب بالصراع والتنافس بين قوى “الإطار التنسيقي”، التي تحوز على نحو 175 مقعداً برلمانياً معظمها حصل عليها ممثلون عنمليشيات مسلحة تابعة لإيران أو منخرطون في الدفاع عن السياسة الإيرانية، بل تأثر أيضاً بسياق الحرب بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة ثانية.
ففي العراق كان الانقسام الشيعي الفعلي بين خيارين، هما تشكيل حكومة في خلال الحرب، وهو اتجاه قاده رئيس مجلس القضاء فائق زيدان الذيضغط لتشكيل الحكومة وفق التوقيتات الدستورية وتدعمه في ذلك بعض القوى الشيعية، أو الانتظار إلى ما ستؤول إليه نتائج الحرب الإيرانية، وهو الاتجاه الذي تبنَّته معظم قوى الإطار ومن خلفها إيران التي عَدَّت أن ملف تشكيل الحكومة في العراق يمكن أن يصبح مادة مساومة في المفاوضات مع الولايات المتحدة، ومِن مقتضيات ذلك الإبقاء على حالة الفراغ السياسي في الحكومة التي سادت طوال فترة الحرب لضمان عدم اتخاذ بغداد خطوات لا تنسجم مع المصالح الإيرانية.
وليس غريباً القول إن أغلب قوى “الإطار التنسيقي” كانت لديها بدورها حساباتها الخاصة حول نتائج الحرب، وكانت وفق المعطيات مُستعدَّة لتشكيل حكومة تُواصِل الانخراط في المشروع الإيراني في حال خرجت إيران متماسكة من مواجهتها العسكرية، أو إحداث تغيير في الاتجاه بالتوافق مع السياسة الأمريكية في حال قادت الحرب إلى انهيار النظام الإيراني. وكان قرار ترحيل حسم الحكومة العراقية مرتبطاً بمسار الحرب الإيرانية، وتكفّل بمهمة شراء الوقت القادةُ الشيعة المخضرمون الذين عجزوا عن وضع معيارٍ رئيسٍ لطبيعة الحكومة وتوجهاتها في خلال الحرب، وامتد ذلك إلى مرحلة وقف إطلاق الناربلا نتائج حاسمة، مع خسائر عميقة الأثر تلقاها العراق بتحوله من رافعة داعمة للاقتصاد الإيراني المنهار تحت وطأة العقوبات، إلى ساحة لتوسيع نطاق الحرب الإيرانية من طريق استهداف المليشيات لدول الجوار العربي.
واختيار قيادات “الإطار” علي الزيدي، باعتباره ينتمي لطبقة رجال الأعمال الشباب المتداخلين مع الوضع السياسي والعقود الحكومية وغير المتقاطعين سياسياً مع أي طرف في المشهد بضمن ذلك الفصائل المسلحة نفسها، جاء بدوره انعكاساً لحالة عدم اليقين حول نتائج الحرب واحتمالات تجددها، والحاجة إلى تمديد وضع العراق في مرحلة انتقالية غير محسومة قد تُفضي في حال تجدُّد الحرب في خلال شهر التكليف إلى التراجع عن الترشيح لصالح شخصية سياسية أخرى أو الاستمرار في اتجاه تشكيل حكومة تحمل السمات الانتقالية نفسها، سواء لمدة عام أو أكثر، إلى حين إجراء انتخابات مبكرة أو بانتظار الانتخابات المقبلة عام 2029.
الحرب واختلال التموضع العراقي
كشفت الحرب الأخيرة بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، والتي شهدت اعتداءات إيرانية على دول الخليج العربية والأردن بالإضافة إلى العراق نفسه، عن اختلال جوهري في نقطة التموضع العراقي إقليمياً، وأن ذلك الخلل قد يكون العامل الأبرز الذي تعود إليه معظم الأزمات العراقية الداخلية الحالية.
كان واضحاً ضمن سياقات الحرب أن مستوى تغلغل المليشيات الموالية لإيران في داخل المؤسسات الحكومية العراقية ومستوى تسليحها وإمكاناتها أعلى بكثير من التقديرات الإقليمية والأمريكية السابقة لها، وهي تُخالِف أيضاً التأكيدات الرسمية العراقية التي أصرَّت على إمكانية نزع سلاح المليشيات وفرض سلطة الدولة على نشاطها، وهو أمر توضَّح أنه أكبر من إمكانات الحكومة السابقة في نطاق تشكيلتها وطبيعة القوى الداعمة لها.
وواقع الحال أن المليشيات الشيعية عكفت في خلال السنوات الأولى من حكومة محمد شياع السوداني (2022-2026)، سواء باستخدام منظومة “الحشد الشعبي” التي تُشكِّل الغطاء القانوني لأفرادها وغطاء الحماية الرسمي لها، أو بإمكاناتها المستقلة عن “الحشد”، على تعظيم حضورها في المشهد العراقي العام، وفي صميم المؤسسات الأمنية والعسكرية والسياسية، وحتى المؤسسات ذات الطابع الاقتصادي أو الخدمي.
ومع أن حكومة السوداني تمتعت باستقرار أمني نسبي، إلا أنَّه بقي “هشَّاً”، ومرد ذلك إلى عاملين أساسيين: الأول، انسحاب التيار الصدري، الذي يُعد المنافس الأساسي لقوى “الاطار التنسيقي” التي ترتبط بها معظم المليشيات، من المعادلة السياسية بالكامل، ما أتاح هدوءاً أمنياً نسبياً بعد مرحلة توتر ومصادمات. والعامل الثاني هو انخراط أبرز المليشيات، التي تُشكِّل قوام “الحشد الشعبي” مثل “كتائب حزب الله” و”عصائب أهل الحق” و”جند الإمام” و”النجباء” و”أنصار الله الأوفياء” و”بدر” وغيرها، في سياق حكومة السوداني في شكل مناصب سياسية وإدارية مباشرة أو غير مباشرة، وصفقات اقتصادية كبرى مع الدولة، بالإضافة إلى الصفقات التي حصلت عليها شركة “المهندس” التي أُسست في الأيام الأولى لحكومة السوداني بوصفها ذراعاً اقتصادية لـ”الحشد الشعبي”.
والمعادلة التي تشكلت على أساسها الحكومة العراقية السابقة كانت قائمة على فرضية شبه معلنة مؤداها: “تعهُّد السوداني باحتواء الفصائل المسلحة سياسياً، وتغيير سلوكها العسكري باتجاه الانخراط في الحياة الحزبية المدنية”، وقد قوبلت هذه الفرضية بموافقة ضمنية من إدارة الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن، ما سمح بحضور علني لقيادات المليشيات وممثليهم في الفضاء الرسمي العام، وتغلغلهم في مؤسسات أمنية ذات حساسية خاصة، مثل “جهاز المخابرات” و”جهاز مكافحة الإرهاب” بالإضافة إلى الجيش ووزارة الداخلية.
وسمح الموقف الأمريكي تجاه الحكومة السابقة أيضاً بموقف عربي وخليجي حاول الاستمرار في احتضان الوضع العراقي على تعقيده، ومن ذلك البناء على الانفتاح السياسي والاقتصادي الذي حققته بغداد سابقاً، والاستمرار في سياسة التعاون وفتح مجالات الاستثمار، وتشجيع الحكومة العراقية على اتخاذ المزيد من الخطوات باتجاه التنمية الداخلية والتوازن في علاقاتها الخارجية، وتحديداً على صعيد تقليص الانخراط في المحور الإيراني، بتقليص قدرة وإمكانات الأذرع الإيرانية في الداخل العراقي.
ولم تكن المواقف الدولية مختلفة كثيراً عن هذا السياق، فتم النظر بإيجابية إلى إمكانية أن يطور العراق تموضعه الجيوسياسي ليُصحح بذلك الخلل الاستراتيجي الذي حدث بغياب بلد أساسي في منطقة الشرق الأوسط عن مجال تأثيره الطبيعي والانخراط في المحور الإيراني الذي أقدم على خطواته التوسعية الكبرى في المنطقة ابتداءً من لحظة احتلال العراق عام 2003. وعلى رغم أن إدارة دونالد ترمب قد جاءت برؤية مختلفة حول إدارة السياسة الأمريكية في المنطقة، فإنها حرصت على عدم تغيير السياسة العامة التي تبنتها الإدارة الأمريكية السابقة في العراق، سواء على صعيد الاستمرار في دعم حكومة بغداد أو تطبيق جداول الانسحاب العسكري الأمريكي من العراق، والانفتاح اقتصادياً على هذا البلد الذي وصف كثيراً بأن أزماته وتحدياته شكّلت “صداعاً مزمناً” للساسة الأمريكيين.
ومع أن واشنطن استمرت في سياسات محاصرة المليشيات العراقية عبر منظومة العقوبات على شبكاتها الاقتصادية وحركة الأموال المهرَّبة إلى إيران، فإنها حرصت في ذات الوقت على محاولة تحييد الوضع العراقي عن “حرب الاثني عشر يوماً” التي جرت مع إيران في يونيو 2025، وكانت ثمة اتصالات حثيثة حينها لمنع تحول العراق إلى ساحة صراع في تلك الحرب، شمل بعضها ضغوطاً أمريكية مباشرة على إسرائيل لاستثناء الساحة العراقية من هجماتها حتى بعد الإعلان عن تنفيذ فصائل عراقية عمليات قصف بطائرات مُسيرة ضد إسرائيل، أو تحوّل بغداد إلى جبهة إسناد وتسليح وتمويل لصالح حزب الله اللبناني وحركة الحوثيين في اليمن المشتبكة مع إسرائيل.
لكن التفاؤل حول نجاعة كل هذه الخطوات والمواقف، تبدَّد بشكل درامي منذ الأيام الأولى للحرب الأخيرة التي انخرطت فيها المليشيات عبر تنفيذ المئات من الهجمات ضد دول الخليج العربية والأردن وإقليم كردستان ومقرات تابعة للمخابرات والجيش العراقي في بغداد والبصرة.
وإن المتغير الذي أحدثه اشتراك المليشيات في الحرب الإيرانية الأخيرة، يكاد يكون جوهرياً فيما يخص تحديد الفاعلين الإقليميين والدوليين لطبيعة تموضع العراق الرسمي في مجمل الصراع وأدواته في هذه المرحلة، فحرية حركة تلك المليشيات على المساحة العراقية كشفت عن عجز حكومي كامل نسف كل التوقعات حول قدرات الأجهزة الأمنية والعسكرية العراقية الرسمية وولائها ومستوى تماسكها. لذا تجري اليوم إعادة تشخيص للحالة العراقية إقليمياً ودولياً، وهو ما انعكس عبر الخطاب الأمريكي الذي اتهم بشكل مباشر الحكومةبالتستر على اعتداءات المليشيات، وأيضاً عبر ما يمكن تلمُّسه من الاحتجاجات الرسمية التي قدمتها دول الخليج العربية والأردن حول الاعتداءات التي تعرَّضت لها انطلاقاً من الأراضي العراقية.
كل ذلك يمكن قياسه في مشهد اختيار رئيس الحكومة المكلف باعتباره مدخلاً أساسياً مطلوباً لتحديد دور حكومة الزيدي في حال تمريرها برلمانياً، في الإجابة عن الأسئلة العربية والدولية حول مستقبل علاقات هذا البلد بمحيطه العربي وبالمجتمع الدولي، والاستحقاقات التي تترتب على تلك الإجابة لجهة مواجهة التحديات التي تتخللها.
تحديات تواجه الحكومة العراقية الجديدة:
أولاً، ملف المليشيات:
أفرزت الحرب مجموعة نتائج حول توصيف وضع المليشيات في العراق وحدود نفوذها، فتجربة دمج المليشيات في الحياة السياسية يبدو أنها انتهت إلى الفشل مع انفلات العمل المسلح خارج نطاق الدولة، كما أن محاولة إيجاد تصنيف بين المليشيات الملتزمة بالقانون وغير الملتزمة بدورها لم تعد مُمكنة، فيما على العراق الإجابة بشكل صريح حول الحدود القانونية بين “هيئة الحشد الشعبي” بصفتها مؤسسةً رسميةً، والفصائل المسلحة التي ما زالت تعمل تحت ظل “الحشد”.
والتوصل إلى تسوية ذات طابع قانوني وأمني لمسألة الفصائل ليست مهمة يسيرة تواجه حكومة بلا غطاء سياسي فعال على غرار حكومة الزيدي، لكن مستوى الضغوط الأمريكية الذي تصاعد بعد الحرب أصبح أكثر وضوحاً في تشخيص الخلل فيما يتعلق بمسألة مجال نفوذ الفصائل ومسؤولية الحكومة العراقية المباشرة عن تغطية هذا النفوذ، ما يضع الزيدي أمام مقاربات ضرورية حول مجموعة من المطالب المطروحة أمريكياً وقد تُطرَح إقليمياً ودولياً، لتصبح منصة تقييم أساسي لتوجه الحكومة، من بينها:
1. مجال الانتشار الجغرافي الميداني لقوات “الحشد الشعبي”، وما إذا كان سيتقلص في حدود معينة كمرحلة أولى لصالح انتشار قوات الجيش العراقي، وبخاصة في المناطق الحدودية للعراق التي انطلقت منها معظم الهجمات ضد دول الخليج العربية والأردن، ومراكز المدن الرئيسية وفي حدود إقليم كردستان العراق، تمهيداً لطرح خطة قابلة للتطبيق وفق سقوف زمنية لإعادة هيكلة شاملة للحشد الشعبي، وإعادة توظيف مقاتليه في المؤسسات الأمنية المحلية.
2. مستوى تسليح “الحشد” والذي يمتد بالضرورة إلى الفصائل، خصوصاً مجال الأسلحة الثقيلة مثل الصواريخ، أو الطائرات المسيرة بعيدة المدى، وإمكانية تحديد مستويات التسليح بما يشمل حصر استخدام الطائرات المسيرة والصواريخ والأسلحة الثقيلة بقوات الجيش العراقي.
3. إعادة تقييم “شركة المهندس” التابعة للحشد والعقود المرتبطة بها، ومن ضمن ذلك دراسة الأراضي التي تمت السيطرة عليها في مناطق مختلفة من العراق والتي أصبحت مقرات لانطلاق الهجمات إلى خارج العراق وحتى إلى إقليم كردستان.
4. تفعيل القوانين ضد حاملي السلاح خارج النطاق الرسمي، بما يشمل حملات لمصادرة أسلحة المليشيات وإغلاق مقارها غير المرخصة، وفتح المناطق التي تسيطر عليها منذ سنوات.
5. حظر مشاركة المليشيات في الحكومة، والبدء بعملية إزاحة لممثلي المليشيات الذين أصبح لديهم مناصب قيادية في المؤسسات المدنية والأمنية والعسكرية في خلال ولاية الحكومة السابقة.
من الصعب الجزم بإمكانية نجاح حكومة برئاسة علي الزيدي من دون غطاء سياسي شامل، خصوصاً من “الإطار التنسيقي” نفسه، في تطبيق هذه المقاربات، لكن الزيدي بإمكانه إجراء بعض الإصلاحات الأمنية والإدارية المباشرة، سواء في “الحشد الشعبي” أو في المنظومات الأمنية الأخرى، بما يمكن اعتبارها رسالة إيجابية على طريق معالجة ملف المليشيات.
ثانياً، ملف الأزمة الاقتصادية:
يواجه العراق أزمةً اقتصادية مركبة، جزءٌ منها بنيوي يرتبط بالطبيعة الريعية للاقتصاد العراقي الذي يعتمد بشكل شبه كامل على إيرادات بيع النفط، فيما تُعاني مؤسسات الدولة من ترهل وظيفي يستهلك معظم الموازنة. وقد تسبب إغلاق إيران لمضيق هرمز في إيقاف تصدير النفط العراقي، ما أنتجعجزاً حكومياً عن الوفاء بالتزاماتها المالية. كما أن الضغوط الاقتصادية الأمريكية التي تجسَّدت بفرض عقوبات على أشخاص وشركات تصاعدت أخيراً لتشملتجميد إرسال شحنات الدولار الشهرية إلى العراق، ما يرتب انعكاسات خطِرة على مجمل الوضع الاقتصادي العراقي.
وعليه، فإن قدرة الزيدي في إحداث تغيير كبير في البنية الاقتصادية العراقية أو معالجة مشاكلها ضمن الإمكانات المتاحة، لا تبدو كبيرة على رغم خلفيته الاقتصادية، إلا أن ما يمكن للحكومة الجديدة تحقيقه، في المرحلة الأولى، يتعلق على وجه التحديد بمحاولة فتح منافذ لترطيب الأجواء مع الجانب الأمريكي لتخفيف الضغوط الاقتصادية، أو في الأقل إيقاف التهديد الأمريكي بتصعيد العقوبات ضد العراق على خلفية الموقف الحكومي من المليشيات، التي تدخل مرة أخرى باعتبارها من أسباب الأزمة الاقتصادية العراقية. وفي المرحلة الثانية، يمكن للزيدي إجراء إصلاحات مفيدة على مستوى النظام المصرفي، وتبسيط وتطوير إجراءات العقود في المؤسسات البيروقراطية العراقية.
ثالثاً، ترميم العلاقة بين المكونات والقوى السياسية
تواجه حكومة الزيدي، في حال نجاح تشكيلها، تحديات أساسية في التعاطي مع تحقيق التوازن في البيئة الداخلية العراقية وسحب التوتر المزمن بين المكونات المختلفة، وليس بعيداً عن المليشيات فإن ملف انتشار “الحشد الشعبي” في المناطق السُّنية سيكون من بين الملفات الجادة المطروحة على الحكومة الجديدة، فيما سيكون على الزيدي توفير التطمينات الرسمية اللازمة لإقليم كردستان، سواء على مستوى التفاهمات الاقتصادية والمالية التي تُعد من الأزمات المستمرة بين بغداد وأربيل، إضافة إلى التوترات الأمنية التي ترتبت على عمليات القصف المتواصل التي نفَّذتها المليشيات ضد مناطق إقليم كردستان.
لكنْ ما يمكن أن يُعد تحدياً اساسياً على مستوى العلاقات الشيعية الداخلية، هو إمكانية نجاح حكومة الزيدي في إعادة تطبيع علاقة “التيار الصدري” بالمشهد السياسي، حيث يشير بعض المصادر إلى أن رئيس الوزراء المكلف، الذي من المرجح أنَّه تعهَّد لقوى “الإطار التنسيقي” بعدم تشكيل حزب سياسي جديد أو المشاركة في الانتخابات المقبلة، قد نسج بالفعل في خلال الشهور الأخيرة علاقة متميزة مع زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر قد تسمح بعودة الأخير إلى الساحة السياسية، سواء عبر انتخابات مبكرة أو بالمحافظة على المصالح الصدرية في نسيج الدولة إلى حين إجراء الانتخابات العامة.
لن تتوانى قوى “الإطار التنسيقي” في خلال الأسابيع المقبلة عن توجيه كل الضغوط الممكنة على الرئيس المكلف لضمان توزيع المناصب والوزارات والحصص في الحكومة، وستفعل القوى الكردية والسُّنية الأمر ذاته، وسيكون على الزيدي إدارة عملية معقَّدة لإرضاء الجميع نسبياً لضمان تمرير حكومته، وهو أمر من المرجح أن يتمكن من تحقيقه بالنظر إلى علاقاته الواسعة داخل المجموعات السياسية التي ستضطر في النهاية للقبول بتسويات أقل من مطالبها تحت تهديد العودة إلى حالة الفراغ السياسي.
رابعاً، إعادة التوازن للعلاقات الخارجية:
كلمة السِّر في إعادة التوازن إلى العلاقات الخارجية للعراق هي إيران، وحتى بعد الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج في خلال الحرب لا يُطالب المحيط العربي بموقف عدائي عراقي ضد إيران، بل بموقف متوازن يحفظ للعراق دوره الرئيس ضمن العُمق العربي. ويمثل اختلال تموضع العراق في خلال الحرب الأخيرة بين إيران من جهة ومحيطه العربي من جهة أخرى مصدرَ قلق جاداً لدول الجوار العربي التي أعربت عن هذا القلق أخيراً بسلسلة منردود الفعل مثّلت في مجملها مطالب عربية بإعادة تقييم العراق لسياساته الخارجية.
ونظراً إلى أن المليشيات الشيعية تشكل حجر عثرة أمام العلاقات الخارجية العراقية مع المحيط الإقليمي والمجتمع الدولي، فإن الرسائل الإيجابية التي يمكن أن يقدمها رئيس الوزراء العراقي الجديد تبدأ من تقديم خطة عمل لمعالجة هذا الملف، حيث ستتوجه الأنظار غالباً في خلال الأسابيع المقبلة إلى شكل الحكومة التي سيشكلها الزيدي، وإذا كانت ستضمُّ ممثلين عن مليشيات مسلحة أم لا، إذ ربطت واشنطن تعاونها مع الحكومة بهذا الشرط الأساسي. ويبدو أن الرسالة الإيجابية حول اختيار الزيدي التي خرجت فعلاً منالسفارة الأمريكية في بغداد، في 29 أبريل، تشير إلى وجود توافقات أولية حول آليات تشكيل حكومته.
استنتاجات
لم يكن علي الزيديالخيار الأول لأيٍّ من قوى “الاطار التنسيقي” أو القوى الأخرى في الفضاء الوطني أو حتى على مستوى التعاطي الإقليمي والأمريكي مع الشأن العراقي، لكنَّه ليس مرفوضاً أيضاً من هذه الجهات حتى الآن. وفي الحالة العراقية يُعدُّ هذا خبراً جيداً، ما يمنح الرئيس المكلف مسافة أمان في تشكيل حكومته وفي تحديد مساراتها، لكنَّه من جهة ثانية يضعها تحت ضغط الجميع، سواء حول التوجهات والخيارات السياسية العامة أو حول المناصب والمصالح.
وبمراجعة حزمة التحديات التي تواجه حكومته، فإن معالجة أزمة المليشيات وتهديداتها الداخلية والخارجية تكاد تكون القضية المحورية التي سيتم النظر إليها باعتبارها معياراً لنجاح حكومته أو فشلها، حيث سيكون بالإمكان الانطلاق من هذه النقطة لفتح الباب أمام تعاون إقليمي ودولي مع العراق لمعالجة التحديات الأخرى. وفي الغالب يُدرك الزيدي ذلك، وقد يُفرد حيزاً واسعاً من برنامجه الحكومي لوضع آليات تعالج ملف السلاح خارج النطاق الرسمي، لكن من المتوقع أن تخضع هذه الخطوات للفحص والمعاينة الدقيقة، لقياس قدرتها على تطبيق أيٍّ من تعهُّداتها.
لكن نجاح الزيدي في تجاوز اختبار تمرير حكومته محلياً قد يكون بداية طريق شائك تتخلله أزمات كبرى وصدامات داخلية تفرض نفسها في حال اتخذت الحكومة خطوات جادة لمعالجة مشكلة نزع سلاح المليشيات، ومن المتوقع أن تهدد الكتلة البرلمانية الكبيرة للميلشيات، والقوى العراقية الأخرى المنخرطة في المحور الإيراني، أي مساعٍ جادة لوضع خطط الحكومة على هذا الصعيد موضع التطبيق.
ومجرد حصول الزيدي على إجماع القوى الشيعية لتكليفه، يعني بالضرورة عدم وجود ممانعة إيرانية حول الترشيح، لكن طهران التي تتداخل أدواتها في صميم التفاعلات الأمنية والسياسية والاقتصادية العراقية، وتضع دعم المليشيات وتمكينها شرطاً لتقييم أي حكومة عراقية، سوف تتابع بدورها عمل الحكومة الجديدة، وستكون مُستعدَّة على الدوام للتدخُّل في حال شعرت بتهديد لأي من مصالحها، وسيتخذ هذا التدخل سياقات تبدأ من مهاجمة الحكومة عبر أدواتها الإعلامية والسياسية، وصولاً إلى استخدام أدوات المليشيات في الداخل لزعزعة الأمن أو تهديد الحكومة كما حصل في حقبة حكومة الكاظمي.