ترامب جالساً بود مع أوربان .. AFP
هشام داود ونماذج حتى بوتين وأردوغان
هزيمة أوربان في هنغاريا: اللاليبرالية في عالم ترامب المضطرب بين تراجع وإعادة تشكّل
يحلّل مقال المفكر العراقي والباحث الأبرز في التاريخ السياسي، هزيمة فيكتور أوربان في الانتخابات الهنغارية (12 نيسان/أبريل 2026) بوصفها لحظة كاشفة لتحولات أعمق داخل الديمقراطيات المعاصرة، مقارناً عبر انتقال منهجي بين ظواهر تبدأ من ترامب وأردوغان وبوتين ولا تنتهي بحال العراق، مع تفريق بين الشعبوية والمسار الـ”لا ليبرالي” الذي بدأ يهتم به المفكرون حديثاً.
لا تعكس الهزيمة في هنغاريا حسب هشام داود، قطيعة مع اللاليبرالية، بل إعادة تموضع داخلها، حيث تآكل نموذج أوربان تدريجيًا تحت ضغط التناقض بين السيطرة السياسية والأداء الاقتصادي، وصعود فاعلين جدد مثل بيتر ماغيار الذين أعادوا توجيه النقاش نحو الاقتصاد والفساد بدل الصراعات الهوياتية.
يبرز المقال أن اللاليبرالية، كما نظّر لها الكاتب الأمريكي فريد زكريا كنمط انتقالي خارج الديمقراطيات الليبرالية، لم تعد ظاهرة هامشية، بل أصبحت دينامية تتشكل داخل هذه الديمقراطيات نفسها، بما في ذلك الولايات المتحدة (الظاهرة الترامبية). كما يناقش الدور المزدوج لـنموذج دونالد ترامب السياسي: بين من يراه رافعة سياسية ورمزية لهذه التيارات، ومن من يراه عامل إرباك يكشف تناقضاتها، خاصة في السياق الأوروبي.
يخلص النص إلى أن ما نشهده قد لا يسجل أفول اللاليبرالية، بل ربما انتقالها إلى مرحلة جديدة من التكيّف وإعادة التشكل، ضمن سياق دولي مضطرب يتسم بتراجع اليقينيات وصعود نماذج هجينة تجمع بين التسلطية والشرعية الانتخابية والخطاب الشعبوي.
مقال الدكتور هشام داود، الباحث العراقي في الإنثروبولوجية السياسية، والأستاذ في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي، خص به شبكة 964:
هزيمة أوربان وسياق هنغاري مأزوم
تشكل هزيمة فيكتور أوربان في الانتخابات الهنغارية يوم أمس (12 نيسان/أبريل 2026) لحظة سياسية شديدة الدلالات، ليس فقط على مستوى هنغاريا، بل ضمن المسار الأوسع للحركات اللاليبرالية (illibéralism) في أوروبا والعالم. فالرجل الذي حكم البلاد لما يقارب الستة عشر عامًا لم يكن مجرد رئيس حكومة طويل البقاء، بل مهندس مشروع سياسي أعاد تعريف التوازن بين الديمقراطية وآلياتها من جهة، ومضمونها الليبرالي من جهة أخرى.
غير أن دلالة هذه اللحظة لا تختزل في سقوط زعيم، بل في طبيعة التحول الذي عبّرت عنه نتائج الانتخابات. فقد فاز بيتر ماغيار بنسبة 53% مقابل 38% لأوربان، في مشهد لا يعكس قطيعة أيديولوجية حادة بقدر ما يشير إلى إعادة ضبط داخل المعسكر المحافظ نفسه. فالاختلاف بين الرجلين لا يتموضع في المرجعية الفكرية العامة، بل في تصور وظيفة الدولة وحدودها: بين نموذج يميل إلى احتكار أدواتها وإعادة توظيفها سياسيًا وتسلطيا، وآخر يسعى إلى إعادة قدر من الفصل بينها وبين شبكات النفوذ.
تأتي هذه النتيجة في سياق داخلي متوتر، حيث تداخلت الضغوط الاقتصادية مع التعب السياسي المتراكم. فالتضخم وتراجع القدرة الشرائية لم يكونا مجرد مؤشرات اقتصادية، بل عاملاً مفككًا لشرعية نموذج حكم تغنى طويلًا بالاستقرار، حتى لو كان تعسفيا، أكثر من الأداء. وإلى جانب ذلك، أدى التوتر المزمن مع مؤسسات الاتحاد الأوروبي إلى إضعاف موقع هنغاريا داخل المنظومة الأوروبية، ما جعل الخطاب السيادي أقل إقناعًا حين لم يعد قادرًا على تعويض الكلفة الاقتصادية والاجتماعية.
في هذا الإطار، يمكن فهم التحول الانتخابي بوصفه نتيجة تراكمية أكثر منه قطيعة مفاجئة. فالنظام الذي بناه أوربان لم ينهار، بل استُهلك تدريجيًا. ومع اتساع الفجوة بين السيطرة السياسية والواقع الاجتماعي، ظهرت حدود القدرة على تحويل الهيمنة المؤسسية إلى شرعية مستدامة. بل إن هذه الهيمنة نفسها، خصوصًا في المجال الإعلامي، أفرزت على المدى المتوسط ديناميات معاكسة، تمثلت في ظهور فضاءات بديلة استطاعت التحرر من السيطرة المباشرة للدولة.
هنا بالضبط برزت أهمية الاستراتيجية التي اعتمدها بيتر ماغيار (رئيس الوزراء الجديد). فبدل خوض معركة خاسرة في ميادين الخطاب الهويأتي – حيث يمتلك أوربان تفوقًا تاريخيًا – أعاد توجيه النقاش نحو الاقتصاد والفساد، مستثمرًا بذكاء في الإعلام الموازي وشبكات التواصل الاجتماعي، مع تركيز خاص على المدن الطرفية والفئات الأكثر تضررًا من الأزمة. هذا التحول في سلم الأولويات لم يكن تقنيًا فقط، بل عكس إدراكًا بأن الصراعات الهوياتية، رغم صخبها، لم تعد كافية لحجب الضغوط المعيشية.
أوربان: من لحظة صعود لاليبرالية إلى حدودها البنيوية
على مدى سنوات، قدّم أوربان نفسه كأحد أبرز تجسيدات “الديمقراطية اللاليبرالية”، بالمفهوم الذي صاغه فريد زكريا: انتخابات قائمة، لكن ضمن إطار مؤسساتي يعاد تشكيله بما يقلص من التعددية الفعلية. غير أن ما منح هذا النموذج جاذبيته — أي قدرته على الجمع بين الشرعية الانتخابية وتركيز السلطة — هو نفسه ما كشف حدوده لاحقًا، حين أصبح هذا التوازن مختلًا لصالح السيطرة على حساب الأداء.
وقد تعزز موقع أوربان دوليًا عبر شبكة علاقات متعددة المستويات: تقارب براغماتي مع فلاديمير بوتين، في سياق حسابات الطاقة والموقع الجيوستراتيجي، مقابل تقاطع أيديولوجي أعمق مع دونالد ترامب والتيارات اليمينية المتطرفة والقومانية في أوروبا، من بينها جورجيا ميلوني، رئيس وزراء إيطاليا ومارين لوبان زعيمة الجبهة القومية العنصرية في فرنسا. هذا التداخل بين البراغماتية والتحالف الأيديولوجي المتطرف منح أوربان حضورًا عابرًا للحدود، لكنه في المقابل حمّله كلفة سياسية داخلية حين تحولت هذه الروابط إلى عنصر ظاهر في الصراع الانتخابي.
وقد لخص العقل الأيديولوجي لحركة ماغا، ستيف بانون، هذه المكانة حينما اعتبر فكتور أوربان على انه “ترامب قبل ترامب”، في إشارة إلى ريادته في بلورة نموذج حكم يعيد تعريف الديمقراطية من داخلها. غير أن ما بدا يومًا كنموذج قابل للتصدير، اصبح يُقرأ داخليًا بوصفه نظامًا مغلقًا، طاردا للانفتاح وللإصلاح، خاصة مع تصاعد الانتقادات المرتبطة بتداخل السلطة السياسية والاقتصادية مع شبكات الزبائنية والعائلية.
في المقابل، لم يسعَ بيتر ماغيار إلى تفكيك هذا النموذج على المستوى الأيديولوجي، بل إلى إعادة تأطيره سياسيًا: تخفيف حدة الصدام مع أوروبا، إعادة الاعتبار لمؤسسات الدولة، وتقديم خطاب وطني أقل انغلاقًا وأكثر قابلية للاندماج. وبهذا المعنى، فإن التحول الذي قد تشهده هنغاريا غدا قد لا يعكس انتصار الليبرالية التي لم تتجذر تاريخيا في هنغاريا بقدر ما يشير إلى محاولة إعادة التوازن داخل نموذج محافظ بلغ حدوده القصوى.
إنها، في النهاية، لحظة انتقال لا قطيعة: لحظة تكشف أن اللاليبرالية، حين تتحول من أداة تعبئة إلى نمط حكم دائم، تصبح بدورها عرضة للاهتزاز تحت ضغط الواقع الاجتماعي والاقتصادي.
ترامب والترامبية: دعم أم كابح للنموذج اللاليبرالي؟
تطرح تجربة أوربان سؤالًا أوسع: هل تمثل “الترامبية” – أي خطاب دونالد ترامب وحركة “ماغا” – رافعة للحركات اللاليبرالية عالميًا، أم أنها باتت كابحاً لها؟
الجواب، كما تكشفه التجارب، ليس فقط مزدوجًا بل ينطوي على مفارقة حادة. داخل معاقل الديمقراطيات الليبرالية الكلاسيكية – ولا سيما في أوروبا الغربية – تحولت الترامبية إلى عامل إرباك، بل وإضعاف نسبي لهذه الحركات. فدونالد ترامب لا يتعامل مع حلفائه بوصفهم شركاء متكافئين، بل كتوابع ضمن رؤية تُعلي المصلحة القومية الأمريكية فوق أي اعتبار آخر. هذا المنطق، المقرون بخطاب ازدرائي تجاه الاتحاد الاوربي الذي تستفيد منه هنغاريا اقتصاديًا ومؤسساتيًا – يضع نموذج أوربان في حالة تناقض بنيوي حاد.
هنا تظهر ما يمكن تسميته بـ“ازدواجية اللاليبرالية”: من جهة، خطاب سيادي قومي متطرف، يرفض التدخلات الخارجية ويُعلي من استقلال القرار الوطني؛ ومن جهة أخرى، ارتهان رمزي وسياسي لشخصية خارجية لا تُخفي نزعتها الفوقية في التعامل مع الحلفاء. هذا التوتر لا يضعف فقط صدقية الخطاب، بل يُدخل المشروع نفسه فيما يشبه حالة “انفصام سياسي”، حيث يتعايش ادعاء السيادة مع ممارسة تُقوّضها. وبهذا المعنى، لم تعد الترامبية رافعة صافية لليمين القومي الأوروبي، بل باتت، في بعض السياقات، عبئًا يعرّي تناقضاته بدل أن يعززها.
أما خارج هذا الفضاء، فالصورة أكثر تعقيدًا مما توحي به فكرة “الاستلهام” المباشر. فهذه النماذج التسلطية – في تركيا، وروسيا البوتينية، والأرجنتين، وإسرائيل، وبعض تجارب أمريكا اللاتينية مثل تشيلي – لم تولد مع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، بل سبقت ذلك بسنوات، وتطورت ضمن سياقاتها التاريخية والمؤسساتية الخاصة. لذلك، لا يمكن القول إنها تستلهم الترامبية بقدر ما تنخرط معها في علاقة أعمق: علاقة تناغم أو تخادم موضوعي في الاستثمار في النموذج التسلطي.
في هذا السياق، تبدو الترامبية أقل كمصدر إلهام وأكثر كعامل تضخيم وإعادة شرعنة لأنماط حكم قائمة أصلًا. فالعلاقة هنا تبادلية بوضوح: يجد ترامب في شخصيات مثل فلاديمير بوتين أو رجب طيب أردوغان تجسيدًا حيًا لفكرة “الزعيم القوي” القادر على الحسم وتجاوز القيود، بينما تجد هذه الأنظمة في ترامب فرصة نادرة: زعيم في قلب النظام الغربي يكسر من الداخل كثيرًا من المحرمات الليبرالية التي طالما وُجهت ضدها كاتهامات.
لا يتعلق الأمر هنا بتقليد أو اقتباس، بل بتقاطع في البنية الذهنية والسياسية: تمجيد القرار الفردي، شخصنة السلطة، الارتياب من المؤسسات الوسيطة، والنزوع إلى اختزال الدولة في إرادة القائد. هذا ما يجعل الترامبية تتناغم مع هذه النماذج بسهولة، ليس لأنها أنتجتها، بل لأنها تعكس – من داخل الغرب نفسه – ما تمارسه هذه الأنظمة منذ زمن: تحرير السلطة من قيودها باسم الفعالية، والسيادة، و”الإرادة الشعبية”.
بهذا المعنى، لم تُصدّر الترامبية نموذجًا جديدًا بقدر ما وفّرت غطاءً رمزيًا عالميًا لنماذج قائمة، ومنحتها لحظة تلاقٍ نادرة بين المركز والأطراف حول فكرة واحدة: أن السلطة القوية لا تحتاج إلى الكثير من الوسائط كي تبرر نفسها، ولا إلى كثير من القيود كي تستمر.
اللاليبرالية: المفهوم، الجذور، والالتباس مع الشعبوية
لفهم هذه التحولات، لا يكفي استدعاء مفهوم “اللاليبرالية” كما صاغه الكاتب الأمريكي فريد زكريا في مؤلفه الشهير (مستقبل الحرية: الديمقراطية اللاليبرالية في الداخل والخارج، 2003) بوصفه اختلالًا بين حكم الأغلبية وضمانات الحقوق والمؤسسات، بل يجب أيضًا إعادة وضع هذا المفهوم في سياق تحوّله التاريخي. فقد ربط زكريا في عمله ذاك هذا النمط من الحكم بسياقات مجتمعية “هشّة” أو انتقالية، ولا سيما في أوروبا الشرقية، حيث سبقت الديمقراطية ترسّخ الليبرالية. غير أن التجربة اللاحقة – وخاصة مع فوز دونالد ترامب بالرئاسة في الولايات المتحدة – قلبت هذا الافتراض: اللاليبرالية لم تعد ظاهرة أطراف، بل أصبحت دينامية تنبع من قلب الديمقراطيات الليبرالية الراسخة نفسها. هنا لم تعد المشكلة مجرد طغيان الأغلبية على الحقوق، بل إعادة تعريف “إرادة الشعب” كأداة لتفكيك القيود الليبرالية ذاتها، سواء عبر محاولة إعادة هندسة المؤسسات كما في بعض النماذج الأوروبية (في إيطاليا جورجيا ميلوني على سبيل المثال)، أو عبر تقويض الأعراف والمعايير من داخل النظام كما في الحالة الأمريكية مع عودة ترامب للبيت الابيض. بذلك، لم تعد “الديمقراطية اللاليبرالية” انحرافًا عن النموذج، بل تحوّلًا في بنيته، حيث تُستخدم آليات الديمقراطية لإنتاج نظام يبتعد تدريجيًا عن جوهرها الليبرالي.
وهذا يختلف عن مفهوم “الشعبوية”، الذي يُستخدم اليوم بشكل مفرط وفضفاض. فالشعبوية، هي إيديولوجيا تقوم على ثنائية “الشعب النقي” مقابل “النخبة الفاسدة”. يمكن أن تكون يمينية أو يسارية، ولا ترتبط بالضرورة بتقويض المؤسسات.
المشكلة أن هذا التمييز غالبًا ما يُهمل، خصوصًا في السياقات العربية، حيث تُستخدم كلمة “شعبوية” كاتهام جاهز يُلصق بأي خطاب سياسي غير مرغوب فيه، كما هو الحال في العراق، حيث فقد المفهوم دقته وتحول إلى توصيف فضفاض يشمل “الرايح والجاي”، دون تمييز تحليلي جدي.
هل نحن أمام أفول اللاليبرالية؟
انطلاقًا من هزيمة أوربان، قد يبدو مغريًا الحديث عن بداية نهاية الحركات اللاليبرالية. غير أن هذا الاستنتاج سابق لأوانه. فهذه الحركات ليست ظاهرة عابرة، بل تعبير عن أزمات عميقة في المجتمعات المعاصرة: اقتصادية، اجتماعية، وهوياتية.
كما أن ما نعيشه اليوم لا يمكن اختزاله في “أزمة النموذج الغربي” وحده، بل هو جزء من تحولات أوسع في النظام العالمي. يشير كل من موريس غودولييه، الانثروبولوجي الفرنسي الشهير، وهيوبر فيدرين وزير خارجية فرنسا الأسبق، في عملهما الأخيرة “ما بعد الغرب؟” إلى أننا نعيش لحظة انتقالية، تتداخل فيها النماذج، وتتصارع فيها تصورات مختلفة للسياسة والسلطة، مع مسائلة قاسية للنموذج الليبرالي الغربي (صدر الكتاب بباريس في شباط 2026).
ضمن هذا السياق، قد لا تكون هزيمة أوربان نهاية لمسار، بل بداية لإعادة تشكله: تراجع في بعض الأماكن، إعادة تموضع في أخرى، وتحولات في الخطاب والاستراتيجيات. ما يتغير ليس وجود اللاليبرالية بقدر ما هي أشكال حضورها.
بين التراجع والتحول
ما تكشفه اللحظة الهنغارية اليوم هو أن الصراع لم يعد يُختزل في ثنائية ديمقراطية / والتسلط، بل بات يدور داخل الديمقراطية نفسها، بين نماذج متنافسة في تعريفها وحدودها: نموذج ليبرالي تعددي يقوم على الفصل بين السلطات وحماية الحقوق، ونموذج لاليبرالي يعيد اختزالها في حكم الأغلبية والسيادة الوطنية، وغالبًا ما يُغذّى بخطاب شعبوي يعيد تعريف “الشعب” بطريقة إقصائية. وفي تداخل هذه المستويات – المؤسسية والخطابية – تتشكل اليوم خرائط جديدة للسلطة في الغرب وخارجه.
هزيمة فيكتور أوربان لا تعني، في هذا السياق، بداية انحسار ديناميكية اليمين المتطرف أو تراجع الموجة اللاليبرالية، بقدر ما تكشف حدود بعض نماذجها حين تتحول إلى أنماط حكم مغلقة. ما نشهده ليس أفول الظاهرة، بل إعادة انتشارها بأشكال أكثر تكيّفًا: سقوط رموز هنا — كما حدث سابقًا مع جايير بولسونارو — يقابله صعود أو إعادة تموضع في أماكن أخرى، داخل أوروبا وخارجها.
في هذا الإطار، يظل تأثير دونالد ترامب عنصرًا ملتبسًا. فهو من جهة منح هذه التيارات زخمًا رمزيًا غير مسبوق، عبر كسر التابوهات الليبرالية من داخل مركز النظام الغربي؛ لكنه من جهة أخرى بدأ يتحول، خصوصًا في السياق الأوروبي، إلى عامل إرباك وربما كبح جزئي. إذ تظهر بوادر تمايز داخل المعسكر اللاليبرالي نفسه، بين نسخة ترامبية أكثر صدامية وفوضوية، ونُسخ أوروبية تسعى إلى قدر من التكيّف المؤسسي والبراغماتية، كما يمكن ملاحظته لدى جورجيا ميلوني، وربما لاحقًا لدى مارين لوبان.
بهذا المعنى، فإن عالم “ما بعد أوربان” لا يعني نهاية مرحلة، بل انتقالها إلى طور أكثر تعقيدًا: طور تتداخل فيه التسلطية مع الشرعية الانتخابية، واللاليبرالية مع البراغماتية، والشعبوية مع إعادة صياغة الدولة. إنه عالم أقل يقينًا، لا تحسمه نماذج جاهزة، بل توازنات متحركة داخل الديمقراطية نفسها.