مقال الدكتور هشام داود

السياسة حين تفقد دولتها: العراق وحدود الحكم في زمن السيادة المشروطة

تنشر شبكة 964، مقال الدكتور هشام داود، لمسار تشكيل الحكومة العراقية، مقارناً بموديلات التفكير السياسي الدولي، مع عناية بأفكار قدمتها مدرسة الألماني كارل شميت حول ظاهرة نوري المالكي حيث تبدو القصة ما وراء الأسماء المرشحة وأعمق منها، ضمن سلسلة حلقات يعدها الباحث العراقي في الأنثروبولوجيا السياسية، والأستاذ في المركز الوطني الفرنسي للبحوث العلمية، ويخص بها شبكتنا:

خلاصة المقال:

لا يتناول هذا المقال أزمة ترشيح نوري المالكي من قبل اغلبية قوى الاطار التنسيقي الشيعي الحاكم بوصفها خلافًا على اسم رئيس وزراء أو نتيجة مباشرة لتغريدة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بل يقرأها ككاشف لانهيار أعمق في نموذج الحكم في العراق ما بعد 2003. ما انكشف هو فراغ داخلي بنيوي: عجز عن إنتاج شرعية سياسية مستقرة، وعن بناء دولة قادرة على تمثيل مجتمعها وصون سيادتها.

ينطلق النص من فرضية أن العراق يُدار اليوم كـ “دولة عازلة ذات سيادة مشروطة”، تُمنح مساحة حركة بقدر ما تؤدي وظيفة الاحتواء الإقليمي، وتُقيد حين يُخشى تحوّلها إلى ساحة مواجهة. هذه الصيغة لم تُفرض من الخارج وحده، بل تشكّلت بفعل إخفاق داخلي مزمن في بناء دولة ذات مصداقية وقرار وطني مستقل.

ضمن هذا السياق، تُقرأ لحظة ترشيح المالكي بين تدخلين خارجيين متكاملين في الأثر: دعم ومباركة إيرانية صامتة ولكنها قوية، ورفض أميركي علني وصادم. غير أن جوهر الأزمة لا يكمن في التدخلين بحد ذاتهما، بل في عجز القوى الحاكمة عن ممارسة السياسة بوصفها فعلًا سياديًا، لا مجرد تفاعل انفعالي مع الخارج.

يحلل المقال الحالة المالكية من خلال نموذج «السياسي» عند كارل شميت، باعتبارها تلاقيًا بين شخصية سياسية قائمة على منطق الصديق/العدو وبنية دولة هشة عاجزة عن احتواء هذا المنطق. فيتحول منطق البقاء من أداة ضبط إلى عامل تفكيك، وتُستبدل المراجعة الذاتية بسردية المؤامرة.

ويخلص النص إلى أن مأزق العراق ليس أزمة أسماء أو لحظة عابرة، بل أزمة دولة ونقطة ارتكاز وطنية غائبة. ومن دون إعادة بناء معنى جامع للسياسة، ورؤية تتجاوز منطق العدو والغنيمة، سيبقى العراق يُدار كدولة ذات سيادة مشروطة، مهما تغيّرت الوجوه في بغداد أو طهران أو واشنطن.

أبعد من أزمة ترشيح

لم يكن ما شهده العراق في الأيام والأسابيع الأخيرة مجرّد أزمة ترشيح أو خلاف على اسم رئيس وزراء، كما لم يكن حدثًا يمكن اختزاله في تغريدة، مهما بلغت في عنفها أو رمزيتها. التغريدة التي نشرها الرئيس الأميركي دونالد ترامب ضد ترشيح نوري المالكي لم تُنتج الأزمة، بل كشفتها. ما انكشف ليس تدخلًا خارجيًا جديدًا، فالعراق معتاد على التدخلات منذ عقود، بل انكشف فراغ داخلي عميق، وانسداد بنيوي في نموذج حكمٍ فقد القدرة على قراءة واقعه، وعلى إنتاج شرعية سياسية، وعلى حماية فكرة الدولة نفسها.

العراق اليوم لا يُدار بوصفه دولة مكتملة السيادة، ولا بوصفه دولة فاشلة متروكة، بل بوصفه دولة عازلة ذات سيادة مشروطة، في منطقة مضطربة خاصة منذ السابع من أكتوبر 2023: سيادة وظيفية، تُحترم بقدر ما تؤدي وظيفة الاحتواء الإقليمي ومنع الانفجار، وتُقسر حين يُخشى أن تنقلب إلى منصة مواجهة. هذه الصيغة لم تُفرض بالقوة وحدها، بل تَكوَّنت أيضًا بفعل عجز داخلي مزمن عن بناء دولة ذات مصداقية، قادرة على تمثيل مجتمعها بتعدديتها، وعن إنتاج قرار وطني مستقل قابل للاستمرار.

بين البرقية والتغريدة: السياسة العراقية في كماشة الخارج.

تكتسب لحظة ترشيح المالكي دلالتها من كونها محصورة بين إشارتين خارجيتين متناقضتين في الشكل، متكاملتين في الأثر: برقية المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي وتغريدة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب العلنية. بين هاتين الإشارتين تحرّكت السياسة العراقية، لا باعتبارها فاعلًا، بل باعتبارها ساحة.

التدخل الأميركي جاء صادما، مباشرًا، خارج الأعراف والسياقات الدبلوماسية، لكنه لم يكن نزوة. في زمن ترامب، لم تعد السياسة الخارجية الأميركية تُدار من خلال المؤسسات الكلاسيكية وحدها، بل عبر شخصنة القرار، والمبعوث الخاص، والقناة المختصرة. العراق، في هذه المقاربة، ليس مشروع دولة يُعاد بناؤها، بل منصة تشغيل وضبط أمني، بكلفة يجب أن تبقى منخفضة، وبمخاطر ينبغي التحكم بها.

أما التدخل الإيراني، فقد سبق ذلك بصمت. ترشيح المالكي لم يكن ثمرة نقاش حر داخل الإطار التنسيقي، بل جاء مدعومًا بإشارة من المرشد الإيراني تحوّلت، داخل الفضاء الولائي، إلى التزام سياسي من جهة مقابل تشكيك من قبل قوى لا يستهان بها شيعيا من جهة أخرى. زيارات الموفدين الإيرانيين، والاجتماعات المتكررة مع قادة محوريين في الإطار، مهّدت للاجتماع الحاسم الذي انتهى بانسحاب رئيس الوزراء المنهية ولايته محمد شياع السوداني وقبول نوري المالكي مرشحً، كرجل قوي تتطلبه المرحلة. نادرًا ما شهدت السياسة العراقية الحديثة قبول رئيس حكومة قائم بالتخلي عن موقعه لصالح سلفٍ مجرَّب، بذريعة أن هذا الأخير يمتلك من القوة والحزم ما يفتقر إليه هو. مثل هذا المنطق لا ينتمي إلى تقاليد التداول السياسي، بل إلى أنماط حكم تُستبدل فيها الشرعية بالمقارنة الشخصية، وتُقاس السلطة بالقدرة على الفرض لا بنتائج التجربة السابقة.

المفارقة الصارخة أن القوى التي استنكرت علنًا تغريدة ترامب بوصفها مساسًا بالسيادة، لم ترَ في “مباركة” المرشد وزيارات السيد قاآني، ولو كانت غير معلنة، خرقًا للقرار الوطني. الفارق الوحيد أن التدخل الإيراني اعتاد أن يكون فاعلا وصامتًا. وحين كُسر هذا العرف، انكشف العُري الكامل للعملية السياسية.

الإطار التنسيقي: من تحالف سياسي إلى مأزق بنيوي

أخطر ما في المشهد ليس شخص المالكي، بل الإطار التنسيقي ذاته بوصفه نموذج حكم مأزوم. الإطار يعاني انفصامًا تامًا عن الواقع المحلي والإقليمي والدولي. فهو، من جهة، يواجه مطالب شعبية متراكمة تتعلق بالبطالة، والفقر، وانهيار الخدمات، وفساد الدولة، وتآكل الطبقة الوسطى، وغياب الأفق الاقتصادي في بلد ريعي يستهلك موارده من دون إنتاج ولا استثمار. وهو، من جهة أخرى، يعيش في فقاعة سياسية تعتبر الانتخابات مجرد آلية حسابية لإعادة توزيع النفوذ بين فصائل متنافسة داخل البيت الشيعي. في هذه المعادلة، تحوّلت الدولة إلى غنيمة، والمؤسسات إلى موارد، والوظائف إلى أدوات ولاء.

من الواضح أن الإطار فشل في قراءة التحولات الإقليمية بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر، ومع انسداد مسارات متعددة في المنطقة، بات العراق الساحة المتبقية شبه الوحيدة القابلة للاشتعال: غزة مدمرة ومحاصرة، لبنان على حافة الانفجار من جديد، اليمن في استنزاف طويل، وسوريا الشرع رغم الدعم الخليجي والعالمي إلا انها تتأرجح بين التفكك والهشاشة في ظل نظام هجين يحلم بالمركزية التسلطية أكثر من الاعتراف بالتعددية والفيدرالية. في هذا الفراغ، تحوّل العراق إلى عقدة تماس، ومع ذلك تصرّ قواه الحاكمة على إدارة السياسة بمنطق ما قبل غزة وحرب لبنان وما قبل ضرب إيران وسقوط الاسد.

المالكي: تلاقي العجز البنيوي مع الشخصية الشميتية

أحيانًا، حين يُنظر إلى بعض الفاعلين السياسيين في العراق بعد 2003، يسود انطباع بأننا إزاء شخصيات عصيّة على الفهم والتصنيف، وكأن سلوكها السياسي يتجاوز أدوات التحليل المألوفة. غير أن هذه الصعوبة لا تعكس بالضرورة تعقيدًا استثنائيًا، بقدر ما تعكس تداخلًا خاصًا بين الشخصية السياسية وبنية الدولة الهشّة. في هذا السياق، تبرز حالة نوري المالكي بوصفها نموذجًا مركزيًا: رئيس وزراء لدورتين، زعيم حزب الدعوة الإسلامية، ورئيس ائتلاف دولة القانون، وأحد أكثر الشخصيات تأثيرًا وإثارة للجدل في عراق ما بعد 2003.

كثيرًا ما يواجه الباحثون والصحفيون، في العالم العربي كما في الغرب الأوربي والولايات المتحدة، سؤالًا متكررًا: كيف يمكن تصنيف المالكي؟ هل هو رجل دولة “عصامي” بقبضة حديدية كما يقدّم نفسه وأنصاره؟ أم زعيم حزب إسلامي اصولي يعي حدود قوته فيتحرك ببراغماتية انتقائية؟ أم شخصية تسلطية متحررة عند الحاجة من الدستور ومبدأ الفصل بين السلطات؟ أم أنه ينتمي، في نهاية المطاف، إلى الموجة العالمية الأوسع من القادة ذوي النزعة السلطوية التي باتت تطبع زمننا السياسي المعاصر؟

لعل المقاربة النظرية الأكثر قدرة على الإحاطة بهذه الشخصية السياسية هي تلك التي استلهمت نموذج “السياسي” كما صاغه المنظّر الألماني كارل شميت. في هذا النموذج، لا تُعرَّف السياسة عبر البرامج أو المصالح أو القيم، بل عبر القدرة الحاسمة على التمييز بين الصديق والعدو. هذا التمييز لا يظهر فقط في لحظات الحرب، بل يشكّل البنية العميقة للفعل السياسي ذاته. الدولة، هنا، ليست فضاء تعاقديًا أو ساحة تداول، بل كيان سيادي يملك، عند الإحساس بالتهديد، حق تعليق القواعد باسم الرغبة في البقاء.

عند إسقاط هذا الإطار على تجربة المالكي في الحكم، تظهر ممارسات متكررة تتماهى مع هذا المنطق: تحويل الخصوم إلى أعداء وجوديين، التعامل مع الشركاء بوصفهم تهديدات محتملة، قراءة النقد باعتباره تآمرًا، والنظر إلى الدولة لا كفضاء إدارة اختلاف، بل كأداة تحصين للجماعة في مواجهة “الآخر”. غير أن خصوصية الحالة العراقية تكمن في أن هذا المنطق الشميتي لم يُمارَس داخل دولة قوية قادرة على احتوائه، بل داخل دولة هشة، منقسمة، ذات سيادة منقوصة. وهنا، بدل أن يعمل منطق الصديق/العدو كأداة ضبط سيادي، تحوّل إلى عامل تفكيك دائم.

في هذا السياق، لا يعود العدو محددًا أو ثابتًا، بل يتبدل بحسب اللحظة: مرة هو المكوّن السنّي ليقف امامهم كمختار العصر، مرة بوجه الشريك الكردي ليصدهم باسم المركزية العراقية الصارمة، مرة يقف بوجه المتظاهر الذي يراه خطرا على نظام المحاصصة، مرة يرى العدو في الخصم الشيعي “الواشي” به إلى الخارج. هذا التقلّب لا يعكس مرونة سياسية، بل عجزًا بنيويًا عن إنتاج هوية وطنية جامعة، ليحوّل السياسة إلى حالة استنفار مستمر. وتجد هذه الذهنية حاضنة طبيعية في ثقافة حزب الدعوة، بتاريخها في العمل السري والمنفى والاضطهاد الدموي الذي تعرض له، حيث تُفهم السياسة بوصفها سلسلة مؤامرات لا تنتهي. ومع انتقال الحزب إلى السلطة، لم تُستبدل هذه الذهنية بثقافة مؤسساتية، بل جرى إسقاطها على الدولة نفسها.

ردود الفعل على موقف دونالد ترامب الرافض لترشيح المالكي مثّلت ذروة هذا المنطق. فبدل قراءة الحدث ضمن حسابات جيوسياسية معقّدة، جرى اختزاله في سؤال شخصي: من حرّض ترامب ؟ من وشى بالمالكي عند ترامب ؟ من دفع له ثمن التغريدة ؟ ومن نقل صورة سلبية عن مرشح الاطار ؟ وكأن السياسة الدولية تُدار بمنطق البلاغ الفردي ونرجسيات مشايخ عشائرية لا عبر أجهزة دولة ومراكز قرار. هذا التصور لا يعكس سذاجة تحليلية فحسب، بل استبطانًا كاملًا لمنطق شميتي مُشوَّه، يرى العالم منقسمًا بين أصدقاء وأعداء، ويعجز عن تفسير الفشل بلغة المراجعة الذاتية.

هنا تتجلى المفارقة المركزية: ما كان، في زمن السرّ والمعارضة، أداة بقاء وتماسك لجماعة محاصَرة، تحوّل في زمن الدولة إلى عبء. وما كان يمنح صلابة تنظيمية، بات يهدد بتفكيك مجتمع بأكمله. لذلك، لا تمثل المالكية مجرد تجربة حكم مضت، بل نمطًا سياسيًا بلغ حدوده التاريخية، ولم يعد قادرًا على إنتاج شرعية أو استقرار في عراق يتطلب، على العكس، سياسة وسطية، واحترام التعددية، وإدارة عقلانية للاختلاف.

الأخطر من التجربة نفسها هو غياب أي مراجعة نقدية. ففي ظهوره الأخير على قناة الشرقية، لم يُبدِ المالكي اعترافًا بالأخطاء، ولا أسفًا عن حصيلة ثماني سنوات من الحكم (خاصة الأربعة الأخيرة منها)، وكأن العراق عاش خلالها عصرًا ذهبيًا لم يعرفه منذ المأمون. هذه الذاكرة المنكرة لا تُسيء للمجتمع فحسب، بل تسحب من صاحبها أهلية العودة في لحظة تاريخية تتطلب شجاعة الاعتراف، لا إنكار الواقع.

صراع الأجيال داخل الإطار: من سردية الدولة إلى منطق العصبية.

بطبيعة الحال، لا يمكن ردّ الانسداد السياسي في العراق إلى عجز الطبقة السياسية وحدها، ولا سيما أجنحتها الكلاسيكية، من دون التوقف عند التناقضات المجتمعية العميقة التي تسللت، منذ 2003، إلى قلب البنية السياسية نفسها. فالنظام السياسي العراقي لم يكن مجرد إعادة توزيع للسلطة بين نخب قائمة، بل كان أيضًا قناة عبور لتحولات اجتماعية غير مكتملة، ولصعود فاعلين جدد جاؤوا من هوامش الدولة، لا من داخل تقاليدها.

إحدى أكثر تجليات هذا التحول وضوحًا داخل الفضاء السياسي الشيعي هي صراع الأجيال. فالرعيل الأول من قادة الإسلام السياسي، على الرغم من تناقضاته وسلطويته، تشكّل في زمن كانت فيه الدولة – حتى في صورتها القمعية – مرجعية لا يمكن تجاوزها. هؤلاء حملوا، بدرجات متفاوتة، سرديات دولة، أو على الأقل تحدثوا باسمها، واستمدوا جزءًا من شرعيتهم من علاقتهم بالمؤسسات، وبفكرة “المركز”.

في المقابل، صعد الجيل الأحدث في سياق مختلف جذريًا: دولة منهكة، مجتمع مفكك، اقتصاد ريعي مُفسد، وسلاح خارج السيطرة. هذا الجيل لم يتكوّن داخل منطق الدولة، بل داخل اقتصاد العنف والزبائنية، حيث يتداخل المال غير النظيف مع السلاح، وتُبنى الشرعية على شبكات القرابة والعشيرة والولاء الفصائلي. في هذا السياق، لم تعد الدولة أفقًا يُسعى للسيطرة عليه لإدارته، بل غنيمة تُقتطع منها الحصص.

ويظهر هذا التوتر بوضوح في داخل البيت السياسي الشيعي نفسه: شخصيات من الرعيل الأول ما زالت تحتفظ بثقل رمزي أو مؤسسي محدود، في مواجهة قادة فصائل أكثر شبابًا، أشد تنظيمًا، وأكثر انغراسًا وعنفا في منطق القوة العارية. الصراع هنا ليس فقط على المواقع، بل على تعريف السياسة ذاتها: هل هي إدارة دولة، أم إدارة توازنات عنف؟

هذه الظاهرة ليست عراقية خالصة. فهي سمة عامة في مجتمعات ما بعد الصراع، حيث يتراجع جيل الدولة – حتى لو كان سلطويًا – أمام جيل السلاح والاقتصاد غير الرسمي. غير أن خصوصية الحالة العراقية تكمن في أن هذا الصراع يجري داخل نظام سياسي مفتوح شكليًا، لكنه عاجز بنيويًا عن ضبط نتائجه. وهكذا تتحول التعددية من إمكان سياسي إلى منطق اقتسام دائم (والجميع يردد: أين حصتنا ؟)، ويُستبدل البحث عن المشترك بمنطق الصدام والاستقواء، ما يفاقم الانسداد بدل أن يفتحه على أفق مجتمعي وانساني جديد.

الهوية الغائبة ونقطة الارتكاز المفقودة

كل تعريفات الهوية السياسية، مهما اختلفت، تتفق على شرط واحد: وجود نقطة ارتكاز يُعاد إنتاج الانتماء حولها. والسؤال الذي يطرحه المواطن العراقي العازف عن المشاركة في الانتخابات وفي الفضاء العمومي هو سؤال بسيط ومزلزل: ما نقاط الارتكاز لدى القوى الحاكمة؟ هل هي وحدة العراق؟ سيادته؟ حياده؟ الدستور؟ العدالة الاجتماعية؟ إنقاذ الاقتصاد؟ حماية البيئة؟ محاربة الفقر؟ استعادة التعليم العقلاني الرصين؟ صون التراث؟

حين يغيب الجواب، يُستدعى الخارج – حتى ولو كان خارجا مُربكا كشخص ترامب – ليملأ فراغ المعنى. المأساة ليست في الخارج، بل في أن الداخل تخلّى عن نفسه.

خاتمة: أزمة دولة لا أزمة أسماء

ما جرى مع ترشيح نوري المالكي من قبل اغلبية قوى الإطار التنسيقي ليس حدثًا عابرًا، بل مرآة لأزمة أعمق: أزمة دولة لم تنجح، بعد 2003، في إنتاج سيادة مستقرة من دون وصاية خارجية، ولم تُقنع مجتمعها بأن السياسة طريق خلاص لا طريق إذلال. حين تُختزل السياسة في تحديد العدو، والسلطة في البقاء، والسيادة في شعار، تتحول الدولة إلى مساحة اختبار للآخرين.

وما لم يُعاد بناء نقطة ارتكاز وطنية جامعة – رؤيةً، ومؤسسات، ومعنى – سيبقى العراق محكومًا بأن يُدار بوصفه دولة عازلة ذات سيادة مشروطة، مهما تغيّرت الأسماء في بغداد أو طهران أو واشنطن.